النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

رسائل في وداع العام

أيها النسر هل نعود كم عدت أم السفح قد أمات الشعور!!

رابط مختصر
العدد 9761 الأربعاء 30 ديسمبر 2015 الموافق 19 ربيع الأول 1437

غداً الخميس الموافق 31 ديسمبر، هو آخر يوم في العام 2015م هذا العام الذي يرتحل متثاقلاً غير مأسوف عليه ليلقي بنا إلى عام جديد غير معلوم.
عربياً كان 2015م عام المزيد من الأحزان والنكبات، المزيد من الحروب العبثية، المزيد من التشرد والطائفية وتدمير الأوطان وبناء الكراهية. فلا أدري ما الذي بقي يهمنا من انقراض شهر وقدوم شهر آخر، وفي انقراض شهر شمسي وحلول شهر شمسي آخر؟ ولا أدري هل بقي للتهنئة من معنى، في ظل الأوضاع التي يحياها العرب؟ وأي معنى للتهنئة في ظل الذل والهوان الذي تحياه الأمة من الماء إلى الماء، في ظل العجز والتردي والضعف!! ولا أدري أي معنى للتهاني، ولماذا أتمنى لك عمراً مديداً، بل ولماذا تطلب لي وأطلب لك العمر المديد أصلاً. فهل هذه الحالة (...) التي نحياها من البحر إلى النهر في حاجة إلى من يطيل لها العمر؟..
] ] ]

عام يغادر وأبو زيد العربي ينقل الخطو عبر الطريق الطويل، ينقل الحذاء من هذه اليد إلى اليد الأخرى بلا معنى. عام مضى وهو يبحث في أكوام الورق الأبيض بلا جدوى. عام مضى منفلتاً بين الأصابع كالماء يجري، وأبو زيد يصرخ: «ما حك جلدك مثل ظفرك والطريق إلى الجحيم من جنة الفردوس أقرب. وذباب العام الجديد ينتشر عبر الطريق».
يقف أمام المرآة، يفرك ذقنه بالصابون، ويجري الفرشاة ذهاباً وإياباً، تتكثف الرغوة ترتفع سمكاً، يختفي شاربه ثم ثقبا أنفه، ثم شفتاه. شحمتا أذنيه تختفيان. يتحول وجهه إلى عينين فقط. يستهويه المنظر. يستهويه القناع الأبيض على وجهه. تنظر في عينيه باحثاً عن معنى فلا تعثر على شيء، يرتد إليه البصر وهو حديد. يعيد الكرة مرة ومرتين، بلا جدوى. تتفرس في المشهد، تبحث عن التضاريس المتخفية وراء الرغوة. تجري الموسى من الأعلى، قرب الأذن والوريد، ونزولاً عند الذقن والشفاه. تلمع جلدة الخمسين بحفرها وتجاعيدها المقبلة. تتفرس في الخريطة الجيدة للعام الجديد، تكتشف - ربما لأول مرة - أن الأيام انفلتت من تحت الرغوة دون أن تدري بالرغم من تكرار الفعل يومياً. ترفع الموسى من الأسفل، عند الحنجرة، إلى الأعلى عند الشفة السفلى، يكتشف مساحة عريضة من الضياع وسؤال حائر على الشفتين يقول: ثم ماذا؟ هذا عام آخر ينقضي. هذا عام آخر يعود. ثم ماذا لا شيء تقريباً إلا المزيد من الشعر الأبيض والمزيد من تجاعيد السنين وأوجاع السؤال الحائر: ثم ماذا؟
عام يطرق الباب. وآخر يرحل، وأبو زيد كما هو أبو زيد، دون تغيير باستثناء بياض الشعر وكثافة الرغوة. والمزيد والأخاديد!! عام جديد يتقدم متثاقلاً ورغوة الصابون تغطي ثلثي الوجه وتبحث عن طريق. تبحث عن جواب: ثم ماذا؟؟؟ ومع ذلك لا تملك إلا أن ترد التحية بمثلها: «كل عام وأنتم بخير» دون أن تحمل التحية أي معنى!! عام آخر من البلاهة.
من رسائل العام المنقضي
- في ليلة رأس العام الجديد احتفل على طريقي الخاصة بوداع عام من دون مشاعر، عام من البلاهة المركبة، بلاهة الصدق والنقاء، عام لن تضاء فيه شموع ولن تعزف ألحان، ولن تتلألأ نجوم البلاهة المستديمة.
- رفع اسمها راية فوق رنين الأجراس، وفوق أهلة القباب والبسمات. جعله امتداد القبلات، وسافر بعيونها فوق غربة السفن، ترحل كل صباح، يصرخ في الغيوم: لا تمطري فوق البحر، بل امطري على جبهتي، وانسكبي داخل قلبي دفئاً، عسى أن ينبت طفل المشاعر المسافر في الريح.
-أضاع أوراقه، بدد صراخه، رهن بوارق الأمل في كلماته، حاصر أجنحته عبر أرقام تائهة، وضع شعرها بين يديه، وجعل هالات الليل أمانة مكنونة في قلبه المرهق، اسماها الربيع في أوله، واسمتنه ما شاء لها الزمان: خريف العمر، بقايا حياة، لحظة مغادرة....
- صفق النسر بجناحيه منحدراً إلى السفح معلناً نهايته الحزينة: سوف توقف الأرض دورانها اللاهث، وسوف نعرف حينها أن الأرض كانت بنا تدور، وكل طرق الدنيا كانت بنا تفضي إلى ساحل البلاهة المستديم.
(كل عام وأنتم بخير).... إلى آخر الإنشاء الذي تحفظه المذيعات ومكاتب الهيئات والشركات والسفريات والفنادق. كان يفترض أن أبدأ بالتهاني بالعام (السعيد) ولكني احترت أهنئ من؟ وبماذا أهنيه؟.
فمع مرور السنوات والفجائع العربية، وتتالي الخيبات في حياة هذه الأمة، لم يعد هناك عيد أو ما يشبه العيد، ولا ما يدعو - حقيقة - لأي فرح حقيقي وصادق.
- كان يفصلنا سرب من طيور الصباح. عيون تعتم نظرتها ساحة البوح بلا شرفات، نجم يخيط رتوق الظلام، مطر أجل انعكاس السماء لحظة البوح، فمن يمنع الفراشة المزركشة أن تطير معي فوق موج السحاب؟ كان يفصلنا سرب من سنين يرتق فواصل الروح يحجب الصوت عن الماء، كان يفصلنا هذا الشتاء الطويل يحوك أسماله في القلب، كان يفصلنا سجاد حزني وغياب الاشتهاء كان يفصلنا، طول انتظار وصمت العيون. أحب صمتك حين تشعلين مصباح الصباح، وحين تنامين وحيدة في العراء فمن يمنع الفراشة المزركشة أن تطير معي فوق موج السحاب؟ ومن يمنع شمسك وأن تستقيم على جبهتي وردا وياسمين؟ وأن يهسهس صوتك خلف سرب الرمال؟ ومن يمنع فتح الأزرار للقاء الحلم؟ وكل عام والبلهاء بخير.

همس
أصبح السفح ملعباً للنسور فاغضبي يا ذرا الجبال وثوري
إن للجرح صيحة فابعثيه في سماع الدنى فحيح سعير
واطرحي الكبرياء شلوا مدمى تحت أقدام دهرك السكير
وقف النسر جائعاً يتلوى فوق شلو على الرمال نثير
وعجاف الطير تدفعه بالمخلب الغض والجناح القصير
فسرت فيه رعشة من جنون الكبر واهتز هزة المقرور
ومضى ساحباً على الأفق الأغبر أنقاض هيكل منخور
جلجلت منه زعقة نشت الآفاق حرى من وهجها المستطير
وهوى جثة على الذروة الشماء في حضن وكرها المهجور..
أيها النسر هل أعود كم عدت أم السفح قد أمات شعوري؟!!
من قصيدة النسر للشاعر عمر أبو ريشة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها