النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11248 السبت 25 يناير 2020 الموافق 30 جمادى الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50PM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:15PM
  • العشاء
    6:45PM

كتاب الايام

رحيل بنت المحرق فاطمة سلمان

رابط مختصر
العدد 9760 الثلاثاء 29 ديسمبر 2015 الموافق 18 ربيع الأول 1437

في يوم شتوي ممطر بكى أهالي المحرق رحيل سيدة المحرق الأولى فاطمة سلمان (أم سلمان)، فقد امتزجت قطرات المطر بدموع المعزين بعد صلاة الجمعة في موقف يصعب مهيب ولا يمكن القول إلا كما قال تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، لقد شارك جمع من الأقارب والنواب والبلديين في تشييع جثمانها الثرى، وإلقاء النظرة الأخيرة على تلك السيدة التي يتردد اسمها في كل بيت وشارع! فمن من أهالي المحرق لا يعرف تلك المرأة المحرقية التي وقفت لمساعدة الفقراء؟!.
لقد استطاعت فاطمة سلمان من تحقيق حلمها بالدخول إلى المجلس البلدي من خلال الانتخابات الحرة والمباشرة، فقد رفضت أن تكون جزءاً من (كوتا) نسائية تمثل الأهالي، وخاضت الانتخابات لأول مرة في عام 2006م بالتضامن من صديقتها ورفيقة دربها السيدة صباح الدوسري ولكن قوة الجمعيات السياسية حينها والفتاوى الدينية الموجهة ضد المرأة كانت سبباً لعدم دخولهن، وتحقق حلمها في الانتخابات التالية عام 2010م حين وقفت كمرشحة مستقلة أمام أكبر جمعيتين سياسيتين (الأصالة والمنبر الإسلامي) ممثلة عن الدائرة الثانية بالمحرق، فكانت شعلة من النشاط والإرادة القوية، ففاطمة سلمان هي من فتحت الباب لنساء البحرين لإثبات قدراتهن والمساهمة في المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى.
من يقرأ سيرة الراحلة فاطمة سلمان يجد أن طموحها وأداءها كان أكبر من طاقة امرأة، فقد شاركت في الكثير من الأعمال الخيرية طوال فترات حياتها، ولم ينقطع ذلك العطاء حتى الأيام الأخيرة من مرضها الذي جعلها على الفراش، فقد كانت تسأل عن الأسر الفقيرة والمحتاجة التي تشرف عليها من خلال الناشط الاجتماعي أسامة الشاعر والذي يعتبر ذراعها الأيمن، وتقف مع المرأة الأرملة والمطلقة التي تبحث عمن يقف معها، وتساعد كل من يطرق بابها حتى في الساعات الأخيرة من الليلة، لم تتردد يوماً ولم تتأخر عن إغاثة أسرة محتاجة، ولربما بحكم قربي منها فإنها كانت تأوي الكثير من الأسر التي تضررت بيوتها بسبب الأمطار أو البيوت الآيلة للسقوط.
أكثر من ثلاثين عاماً والراحلة فاطمة سلمان في العمل التطوعي والخيري، والغريب أنها لم تتوقف عن تلك المهمة الإنسانية للحظة حتى حينما تحملت مسؤولية الدائرة الثانية بالمحرق، فقد استمرت في هذا العمل ليصل عملها الخيري إلى مناطق بعيدة خارج جزيرة المحرق، فكانت ترسل الرسائل النصية القصيرة للبحث عن كرسي متحرك أو سرير كهربائي أو مساعدة عينية لأسرة محتاجة، فقد كانت ذات نشاط وحيوية غير طبيعية رغم ما كانت تعانيه من الألم والمرض.
الراحلة فاطمة سلمان إذا حق لنا وصفها فإنها وزيرة برتبة عضو مجلس بلدي، فقد تبنت ملف البيوت الآيلة للسقوط لأكثر من عشر سنين، وساهمت مع اللجنة الأهلية للبيوت الآيلة للسقوط في رصد الحالات، فدخلت أكثر البيوت بالمحرق وقراها، وزارت الكثير من الأسر لمعرفة مستوى عوزها، ثم قدمت تقريرها مع زملائها للمجلس البلدي لتواصل من بعد ذلك العمل في هذا الملف في عام 2010م حين تبوأت عضوية المجلس البلدي، بل إن الأمطار والمياه في الشوارع تشهد لها وقوفها مع الناس، ففي حالة الأمطار كان الناس يشاهدون تلك المرأة وهي تخوض المياه وتوجه رجال البلدية وسيارات شفط مياه الأمطار، رحمك الله يا أم سلمان فقد اتعبت من جاء بعدك!!.
خلال أدائها بالمجلس البلدي كانت على مستوى راقٍ من العمل الخدماتي، وكانت تختلف كثيراً عن زملائها (الرجال) في العمل الأمر الذي اضطرها لعمل كتلة (المستقلين) بالمجلس البلدي مع زملائها محمد المطوع وخالد بوعنق، وتكون هي الدينمو والمحرك الرئيس فيه، فلم تتردد يوماً من أبداء رأيها وإن كان مراً داخل المجلس البلدي أو من خلال الصحافة البحرينية، بل كانت تقف في مجلس سمو رئيس الوزراء لتقول رأيها أمام العشرات من الرجال، وكثيراً ما كان رأيها صواباً فيسير عليه زملاؤها لما لها من رؤية ثاقبة وإخلاص في العمل.
مع أن الراحلة فاطمة سلمان تميزت في العمل الاجتماعي والخيري والبلدي إلا أنها كذلك كانت لها مواقف سياسية متميزة، فمن شاهدها في أيام المحنة والفتنة عام 2011م فقد رأى سيدة من طراز مختلف، سيدة تعمل بالليل والنهار لحفظ الأمن والاستقرار بالمناطق، وكانت خطاباتها مؤثرة في الناس لحبهم لها وإيمانهم بدورها، الغريب أن تشاهد نفس المرأة في مواقع مختلف بنفس الزمان، فالراحلة فاطمة سلمان في أيام المحنة كانت في ساحة الشرفاء وهي كذلك في ساحة عمر بن الخطاب وكذلك في الحد وعراد وحالة بوماهر وغيرها كثير، وكأنها أكثر من امرأة.
الراحلة فاطمة سلمان كانت الأكثر تواجداً بالساحة المحلية، حتى حينما خسرت الانتخابات البلدية عام 2006م استمرت في عطائها وتضحياتها لإيمانها بقضيتها الأولى وهي (تمكين المرأة)، فلم تشاهد يوماً وهي على كرسي المجلس البلدي سوى في الجلسات الرسمية، فقد كانت شعلة من نشاط خارج المكاتب، فطرقت ودخلت كل بيت، وعاشت بين الناس فكانت بحق الوجه النسائي المشرق.
لقد تحملت الراحلة فاطمة سلمان مسؤولية القدوة للمرأة البحرينية، فنجحت بإعطاء الصورة الحقيقة للمرأة البحرينية، فنالت خلال تلك السنوات شرف تمثيل المرأة البحرينية، وجاء الثناء الملكي من الملك حمد بن عيسى آل خليفة ببرقية عشية فوزها بالمقعد البلدي: (بكل السرور تابعنا فوزكم بعضوية المجلس البلدي في محافظة المحرق كأول سيدة في البحرين تفوز من خلال الانتخابات وصناديق الاقتراع، وإننا نثق بأن هذا الفوز يجيء نتيجة للتقدم الذي أحرزته المرأة البحرينية في سلم الاستعدادات للتنمية والنهضة الشاملة في مملكتنا العزيزة، وأن هذه ثمرة طيبة مميزة من ثمار مشروعنا الحضاري الذي يتوجه إلى جميع المواطنين رجالاً ونساء للإسهام في صنع مستقبل وطننا العزيز). رحم الله سيدة المحرق (فاطمة سلمان) وأسكنها فسيح جناته، وألهم والدتها العزيزة وأهلها وذويها الصبر والسلوان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا