النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

نصيحة السيد فريدمان.. العرب باعتبارهم تلاميذاً في مقاعد السياسة

رابط مختصر
العدد 9759 الإثنين 28 ديسمبر 2015 الموافق 17 ربيع الأول 1437

تبَّرع الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان في مقالة نشرتها منذ فترة صحيفة نيويورك تايمز، بنصيحة موجهة إلى العرب الطامحين إلى بناء الديمقراطية، بأن ينسوا الديمقراطية حالياً، وأن يتجهوا إلى ما دونها من القيم التي تمهد لها، إذ اقترح فريدمان على العرب صراحة «أن ينشغلوا بالتعددية والتسامح، قبل الدخول في الديمقراطية، حيث إن هنالك العديد من العوائق في العقل والثقافة والتربية العربية والثقافة الإسلامية يجب تجاوزها قبل طرح موضوع الديمقراطية للتداول والممارسة العملية». إن ملخص هذا الاقتراح يفضي إلى القول إن العرب غير مؤهلين حالياً لخوض غمار الديمقراطية، ليس لعامل زمني يمكن تداركه، وإنما لقصور في نوعية العقل والثقافة والتكوين، حيث إن العوائق الثقافية القيمية تحول دون التحول الديمقراطي، وتجعل من الصعب التحول من حالة الاستبداد الى حالة التداول السلمي على السلطة، باعتباره جوهر الديمقراطية السياسية.
ولسنا هنا في حاجة للرد على مثل هذا الادعاء لتفاهته وسوء النية من ورائه، لكن اللافت هنا وقبل مناقشة فريدمان في نصيحته للعرب أن نعترف بأن بعض السياسيين العرب - بل وبعض المشتغلين بالفكر والكتابة وتوجيه الرأي العام عندنا - يكررون ذات الأفكار، مع اختلاف في الصياغة، ويقولون تقريباً كلاماً ليس ببعيد عن هذا القول، فقد كرر مثل هذا الكلام العديد من المفكرين العرب منذ القرن الماضي، ولكن لكل واحد من هؤلاء أسبابه ودوافعه ومبرراته وتحليلاته.
إلا أن الحقيقة الأقرب إلى الواقع والمنطق أنه وبالرغم من وجود العديد من المعوقات الاجتماعية والثقافية والفكرية والتربوية التي تعيق التطور الديمقراطي عندنا، فإنها جميعاً معوقات قابلة للتجاوز، من خلال وجود إرادة وفعل على الأرض، من الدولة ومن النخب ومؤسسات المجتمع المدني، والدليل على ذلك أن البنية الثقافية الإسلامية لم تؤدِ إلى إعاقة التحول الديمقراطي في بعض البلدان الإسلامية التي اختطت لنفسها طريقاً مهماً من الممارسة الديمقراطية الحقيقية، مثل ماليزيا، وتركيا وغيرها من البلدان التي استفادت من الفكر الديمقراطي واستلهمت من ثقافتها ما يعزز هذه التجربة على صعيد التثقيف والتوعية والتوجيه.
ولكن من الخطأ اتباع طريق التحليل المخادع والموهم والذي يدعونا إلى التوقف عن أي جهد في سبيل بناء الديمقراطية بصورتها الوطنية، وفتح ورش عمل ثقافية لغسل أدمغة المجتمع لتصبح أوعية قابلة للامتلاء بالمفهوم الأمريكاني للديمقراطية، لان هذه الوصفة تعلق آمالنا على ضرب من الانتظار المستحيل، فضلاً عن كونها تحيل إلى نوع من الخداع في التحليل يجعل التوازي والتعاضد بين تكريس الممارسة الديمقراطية على الصعيد السياسي والتشريعي، وبين التكريس الفكري والثقافي، مستحيلاً، أو متعذراً. فهذا النوع من الأفكار البائسة - المتسترة وراء منطق النصائح الصديقة - تستغل فقرنا وإحباطنا المستدام، وتجرنا إلى التسليم في حقنا بالحرية والديمقراطية والتقدم.
فالمدخل الممل للخداع المباشر هنا يكمن في هذا الخلط ما بين تعددية التي تعنى بالتنوع الثقافي، والتعددية السياسية التي هي احد أوجه تكريس الديمقراطية - وليس كلها - والتي تشمل أيضا حرية الرأي والتعبير والتنظيم، وتنتهي إلى مسألة تنظيم سبل التداول على السلطة في ظل القانون الذي يتوافق عليه الناس.
إن الديمقراطية في نهاية المطاف، هي تكريس أساس ولا غنى عنه لمطالبنا المشروعة في الحرية والعدالة والشفافية، وذلك لان الحرية - بوجه خاص - هي القيمة الأسمى والأكثر إسهاماً في نقل الإنسان نحو مواطنيته حسب المعايير المعاصرة التي أنجزتها البشرية التي لابد أن نقر أولاً بانتمائنا إليها، كما يبدو، لكنها ليست نهاية المطاف بالتأكيد، بل هي محطة أولى ولكنها دائمة.
كما أن حقل التعددية السياسية هو المناخ الذي من شأنه تكريس التعددية ببعديها الثقافي والسياسي، حيث تنشأ الأحزاب وتجد الاتجاهات طريقها إلى تحقيق برامجها، ومن خلالها يستطيع المواطن أن يتنفس حريته في الاختيار أو الالتزام والانتخاب والاتحاد أو الائتلاف تحت سقف القانون وحكمه في إطار العقد الاجتماعي.
إننا لسنا في حاجة إذن إلى من يعلمنا دروساً في الديمقراطية لأننا لم نعد تلاميذ في مدارسهم، ولم نعد في حاجة إلى من يكرس «خصوصيتنا» التي يتذرع بها بعض الساسة وبعض المشتغلين بالفكر المستبد من أجل تبرير حبس الحرية عنا، وتأجيل التحول الديمقراطي حماية التخلف والاستبداد.
إن الديمقراطية الحقيقية في البلدان الديمقراطية تكون فيها القوانين الفاعلة في المؤسسات كافة مبنية صراحة أو ضمنا على حقوق تكفل لكل فرد ولكل فئة اجتماعية حرية التفكير والتعبير والتنظيم والعمل في إطار ديمقراطي سلمي، بل إن المجتمعات الحديثة تشجع على الفكر والإبداع حتى كأن الدولة والمجتمع تطالب بالمزيد من الإنتاج الخلاق في المجالات الثقافية والفكرية، في العلم والفكر والفن، ففكر الاختلاف هو الذي يقود الثقافة ويدفع بالحياة الاجتماعية كلها إلى المزيد من الإنجازات باستمرار، هذا بعكس الخطاب الأيديولوجي الذي ينزع إلى الجمود والتشبث بمصالح فئوية ضيقة، ويسعى إلى استمراريته دون تغيير او تطوير ليكون مقدساً وثابتاً لفترات طويلة في المجتمع، بما يؤدي إلى الفساد المولد لمختلف أشكال الاحتقان التي ما أن تنفجر حتى تتحول إلى طوفان هائج يدمر كل شيء في طريقه، ولذلك فإننا نعتقد أن كل مجتمع لا يختلف فيه الناس في الرأي هو مجتمع غير طبيعي، لأن النمطية الموحدة في الفكر والموقف مرادفة للدكتاتورية والتسلط، ولأن الحق في الاختلاف يثري كل يوم حياة الدول المتقدمة والديمقراطية بألف طريقة وطريقة، لان هذا الحق مصدر هام في مجال هوية الإنسان وحقوقه الأساسية بكافة أشكالها.
همس
يقول الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك: «الحوار السياسي يقتضي وجود سياسيين محترفين، لان الهواة يحولون الحوار إلى حلبة صراع».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها