النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

شاعر تتنازع ملكيته البحرين وقطر

رابط مختصر
العدد 9756 الجمعة 25 ديسمبر 2015 الموافق 14 ربيع الأول 1437

هو من أبرز شعراء البحرين في القرن العشرين، وهو رجل علم وصحافة، وصاحب تجربة رائدة في كتابة المسرحيات الشعرية. إلى ذلك هو علمٌ يتنازع ملكيته القطران الشقيقان البحرين وقطر. فهو لئن ولد في البحرين لأسرة بحرينية كريمة ومعروفة، ودرس وترعرع وقضى القسم الأكبر من حياته فيها، فإنه بسبب ارتحاله إلى قطر وقضاء شطر من حياته بها حتى تاريخ وفاته ودفنه هناك في مايو 1996، راحت الأدبيات القطرية تصنفه على أنه من شعراء قطر وأدبائها بدليل أنّ الأكاديمي والأديب القطري الدكتور محمد عبدالرحيم كافود تحدث عنه وعن شعره باعتباره شاعراً وأديباً من بلاده وذلك في رسالته لنيل درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة القاهرة والمعنونة بـ «الأدب القطري الحديث». وعلى المنوال نفسه، واعتمادا على أطروحة كافود المذكورة قامت طالبة باكستانية تدعى «خورشيد نسرين بنت عبدالسلام» بكتابة رسالة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة البنجاب الباكستانية حول شعره وحياته.


المعني بحديثنا هنا هو المرحوم الشاعر عبدالرحمن بن قاسم المعاودة المولود في المحرق في 1911، حينما كانت الأخيرة عاصمة للبحرين أي في عهد المغفور له الشيخ عيسى بن علي آل خليفة. وقد صادف يوم مولده الاحتفال بأول أيام عيد الفطر.
نشأ المعاودة نشأة عادية «ليس فيها ما يستوجب الذكر» طبقا لما قاله بنفسه في مقابلة مع مجلة كلمات (العدد الثالث ـ يونيو 1984)، وحينما بلغ السابعة من عمره إلتحق بالكتـّاب (المطوع) فتعلم القراءة والكتابة والقرآن. وبمجرد افتتاح مدرسة الهداية الخليفية في 1919 في مبنى مؤقت من أملاك الحاج علي بن إبراهيم بالمحرق التحق بها كواحد من أوائل طلبتها، وبقي فيها يتعلم حتى أكمل كل صفوفها، علما بأنه تأثر خلال دراسته في الهداية الخليفية ببعض المدرسين من ذوي الاتجاه القومي العروبي من أمثال عثمان الحوراني وعبدالعزيز العتيقي ومحمد الفراتي وعبدالرحمن اليماني.
في 1928 تم إرساله مع مجموعة من الطلبة البحرينيين ( كان من بينهم راشد الزياني، وأحمد العمران الذي سيصبح لاحقاً مديراً للمعارف) في بعثة دراسية إلى جامعة بيروت الأمريكية، حيث أمضى فيها نحو سنتين يدرس مناهج اللغة الإنجليزية المؤهلة لدراسة المرحلة الثانوية في تلك الجامعة. لكن قبل أنْ يكمل دراسته أعيد هو وزملاؤه إلى البحرين بقرار من سلطات الحماية البريطانية عقاباً لهم على قيامهم بالإضراب تأييداً لبعض الأساتذة الوطنيين والوافدين الذين قررت السلطات البريطانية طردهم من السلك التعليمي أو ترحيلهم من البحرين، وتنديدا بقرار الأخيرة تسليم الإشراف على التعليم ومناهجه في البحرين لأحد الموالين لها وهو اللبناني «فائق أدهم» الذي وضع حدا للدراسة في البحرين بحيث لا تتجاوز المرحلة الابتدائية، إمعاناً في تجهيل البحرينيين.
ومما لا شك فيه أن المعاودة وجد في تصرفات وقرارات أدهم ما جعله يصفها بـ «الدنيئة»، وبالتالي يبغضه ويتخذ منه موقفاً عدائياً تجسد أولاً في قصيدة الهجاء التي خصّه بها ومطلعها:
إلى أين اعتزمت اذاً ذهابا
لتملأ ما تحل به خرابـــــا
ستطرد، إنّ طردك خير فأل
يبشرنا إنّ النحس غابـــــا
أأدهم قد دهمت وإنشــــالله
بأمر ما حسبت له حســـابا
تعود كما بدأت وكنت تعدو
ببيروت تبيع بها الكبابــــا
ثم تجسد ثانيا في نزوعه الشديد نحو كتابة القصائد الوطنية الملهبة للحماس. وفي هذا السياق يقول الدكتور كافور في الصفحة 6 من كتابه «دراسات في الشعر المعاصر في الخليج» الصادر في الدوحة في 1994 (بتصرف): «إذا كان الوعي القومي في بلاد الشام ومصر والعراق قد ظهر كردة فعل على سياسات (التتريك) العثمانية منذ نهاية القرن 19، فإن النزعة القومية والوطنية التي عبر عنها شعراء الصحوة في منطقة الخليج كانت بسبب احتلال الإنجليز للمنطقة واستثمارهم لخيراتها النفطية» مضيفا أنه كان في مقدمة هؤلاء الشعراء «عبدالرحمن المعاودة وصقر الشبيب وخالد الفرج وفهد العسكر وغيرهم ممن تغنوا بالقضايا الوطنية والقومية، وهم يحملون همومها ويعبرون عن آمالها وطموحاتها، ويستحثون قومهم على الاتحاد ونبذ الخلافات، والأخذ بأسباب القوة في مواجهة عدوهم».
بعد عودته من بيروت عمل المعاودة مدرساً في مدرسة الحدّ الابتدائية تحت إدارة شخص من أسرة آل محمود الحدّية المعروفة، فحاول من خلال وظيفته تلك إصلاح المنهج الدراسي، وتعليم الطلبة التاريخ الإسلامي الصحيح، وبث الروح الوطنية فيهم، غير أنّ اللبناني أدهم كان له بالمرصاد. إذ اكتشف ما يقوم به المعاودة من إصلاح للمقررات فرفع أمره إلى مدير المعارف البحرينية آنذاك المغفور له الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة الذي طلب من صاحبنا الكف عما يقوم به. لكن المعاودة اختار، بـُعيد هذه الواقعة، أنْ يستقيل من عمله الذي لم يمضِ فيه سوى شهر واحد، بل فضـّل عدم قبول أي عمل حكومي، رغم العروض التي انهالت عليه، كي لا يكون تحت رحمة أي مسؤول رسمي، طبقا لما ذكره في مقابلته مع مجلة كلمات (مصدر سابق).
وهكذا ظل الرجل دون عمل على مدى أشهر طويلة إلى أن اهتدى إلى فكرة افتتاح مدرسة أهلية. وهي المدرسة التي افتتحها بالفعل في 1935 في بيت من أملاك المرحوم الحاج سلمان بن مطر بالمحرق، وسمّاها «مدرسة الإصلاح الأهلية» في إشارة إلى سعيه من خلال تلك المدرسة إلى إصلاح المنهاج التعليمي الذي أفسدته سياسات الإنجليز وقرارات اللبناني أدهم.
وبهذا العمل أصاب المعاودة أكثر من عصفور بحجر يتيم! فقد تحرر من سطوة الانجليز وأدهم وتدخلاتهم في المسيرة التعليمية، وصار بامكانه تدريس ما يشاء من مقررات وعلوم وأنشطة لاصفية من تلك التي تحفز الطالب، وتنمي فيه الحماس القومي، وتبني الشخصية الوطنية البحرينية المحبة لوطنها ودينها وعروبتها. لكن ألم يتدخل المسؤولون آنذاك في نشاطات مدرسته ومناهجها؟ يجيب المعاودة، طبقا لما ورد في المصدر السابق، فيخبرنا أنه لم يكن هناك تدخل مباشر. لكن عدم الرضا كان واضحا لدى معتمد الحكومة البريطانية، ويقول: «بينما يلبي الحاكم والشيوخ وأعيان البلاد الدعوة لحضور حفلات المدرسة المسرحية، يعتذر هو (المعتمد) عن الحضور مدعيا انشغاله بأمور أخرى في ذات الوقت، والاعتذار كان يتكرر دائما مما يدل على موقفه السلبي مني».
ومن المهم هنا أن نشير إلى ما أورده عبدالحميد محادين في مجلة بانوراما الخليج (العدد 1330 ـ يونيو 1994) من أن مدرسة الإصلاح التي أسسها المعاودة كانت تقبل التلاميذ من مختلف الأعمار، وتعلمهم لمدة ست سنوات وتمنحهم ما يعادل الشهادة الابتدائية، مقابل روبيتين يتم تحصيلهما من أبناء الأغنياء، وروبية واحدة من أبناء الأسر متوسطة الدخل، فيما كان أبناء الفقراء يدرسون بالمجان، بل ويحصلون فوق ذلك على كسوة العيد. وفي السياق نفسه سُجل عن المعاودة قوله أن عدد طلاب مدرسته كان يتراوح ما بين أربعين وخمسين طالبا، يرتفع إلى مائتي طالب في فصل الصيف بسبب إغلاق المدارس الرسمية أبوابها وحاجة بعض التلاميذ لدروس التقوية.
لقد دخل المعاودة من خلال هذا المشروع التربوي والتعليمي والإنساني تاريخ البحرين كواحد من رجالات التعليم الأوائل فيها ممن قدموا لبلدهم وشعبهم خدمة وطنية واجتماعية لا تقدر بثمن في حقبة تميزت بالأوضاع المعيشية الصعبة للسواد الأعظم من الناس.
على أن الشهرة التي حققها المعاودة لم تأتيه من ذلك المشروع التربوي فقط، وإنما جاءته أيضا من تجربته المسرحية الرائدة. حيث دفعه هيامه بالمسرح إلى كتابة العديد من المسرحيات الشعرية ثم إخراجها وتدريب بعض تلامذته على أدائها من فوق خشبة مدرسة الإصلاح أو من خلال نادي الإصلاح ونادي البحرين بالمحرق.
كانت تلك المسرحيات في جلها الأعظم تدور حول التاريخ العربي والاسلامي وتستنبط منه احداثا وموضوعات مثيرة للحماس والشعور الوطني، انطلاقاً من رؤيته الخاصة بضرورة الربط بين معاناة وتقهقر الحاضر وأمجاد الماضي الحضارية. وكان يقوم بتمثيل المسرحيات نخبة من الطلبة الموهوبين من أمثال: عبدالله محمد، عبدالله الجودر، حمد الجلاهمة، علي كمال، علي سيار، إبراهيم منصور، وأحمد بن يوسف الزياني، عيسى الجامع، حجي الزياني، وغيرهم.
ومن أهم المسرحيات التي ألفها وقدمها المعاودة: عبدالرحمن الداخل، الرشيد وشارلمان، سيف الدولة بن حمدان، المعتصم بالله، جبلة بن الأيهم، العلاء بن الحضرمي (دخول البحرين في الإسلام)، يوم ذي قار، أبوعبدالله الصغير (خروج العرب من الأندلس)، هولاكو (سقوط بغداد). هذا علما بأن المعاودة لم يدرس قط الفنون المسرحية، لكن هوسه بها قاده إلى القراءة المكثفة عنها، ومطالعة مسرحيات أحمد شوقي الشعرية، ومشاهدة عمل مسرحي لفرقة يوسف بك وهبي أثناء دراسته في بيروت. وهذا الهوس هو نفسه الذي جعله يقوم بتجهيز كل ما تتطلبه العروض المسرحية من ديكورات وستائر في «حوش» عمارة بن مطر بالمحرق، ناهيك عن قيامه شخصيا بإحضار مقاعد المتفرجين من دائرة البلدية أو من المؤسسات الأهلية والرسمية الأخرى، والإتيان بالخناجر والسيوف لأغراض التمثيل من ديوان الحاكم. إضافة إلى إعداده لبعض الفقرات الكوميدية الهزلية التي كانت تتخلل الحفل المسرحي ويقوم بتقديمها ممثلون قادرون على النقد الاجتماعي من خلال الحركات والأصوات والتعابير المضحكة.
وعلى الرغم من الدعم السخي الذي كان يقدمه الموسرون من أهل البحرين لمدرسة الإصلاح الأهلية من أجل استمرارها، واستيراد الكتب المقررة في الأدب والشعر والتاريخ والجغرافيا من مصر، وعلى الرغم من أن معلمي المدرسة لم يكونوا يتقاضون أتعاباً نظير تدريسهم، فإنه من الواضح أن العملية بمجملها أثقلت كاهل المعاودة ودفعته إلى ترك مدرسته بعد عشر سنوات من تأسيسها لعيسى الزياني الذي أدارها حتى 1940. أما المعاودة فقد سافر على إثر ذلك إلى «بمبي»، ربما لأخذ قسط من الراحة.
في مطلع الخمسينات عاد الرجل إلى البحرين، وشرع في إنشاء مدرسة خاصة أخرى تحت اسم «مدرسة الإرشاد» التي لم تستمر طويلاً بسبب ظروف مادية قاهرة، الأمر الذي اضطر معه إلى السفر إلى الكويت، حيث أقام هناك لبعض الوقت في رعاية أصدقائه الكويتيين، مشتغلا في مهنة التدريس. غير أنّ الحنين إلى البحرين وربوعها وأهلها استبد به واستولى على مشاعره. وآية ذلك إقدامه على كتابة قصيدة عصماء بهذا المعنى تحت عنوان «حنين» أرسلها للنشر في مجلة «صوت البحرين»، فقامت الأخيرة بنشرها في عددها الثامن الصادر في مايو 1951، وبعد نشرها تنادى الكثيرون من أصدقاء المعاودة وتلامذته لإقناعه بالرجوع إلى البحرين، بل أن أحد تلامذته وهو الاستاذ «علي سيار» نظم ونشر في «صوت البحرين» في سبتمبر 1951 قصيدة بعنوان «رجع الصدى» مع مقدمة قال فيها: «إلى الذي انعتقت نفسه من رق العبودية فانساق يقطع دروب الحياة في صبر وإيمان.. تمزق أيامه الغربة ويأكل أعصابه الحنين.. إلى أستاذي الشاعر عبدالرحمن المعاودة صدى لقصيدته».
من أبيات قصيدة «حنين»:
هو الماء لكن في لهاتي صــــــاب
فهل لي إلى البحـــرين بعد إياب؟
سلام عليها ما استطالت بنا النوى
وما غرنا من ذاك الزمان سراب
فيا موطنا لو استطيع فديتـــــــــه
بروحي ولو عندي عليه عتـــاب
ذرعت بلاد الله شـــــــرقا ومغربا
فما طاب لــــــــــــي إلا إليه مآب
أحبك رغم الحادثـــــــــــــات فإنه
يلام الفتى في صــــــــــده ويعاب
طريح الفراش أثقل الهم قلبــــــه
فيا ليت حولي من ثراك تـــــراب
إذ لاح من نحو المحـــــرق بارق
حننت وأضناني جوى وعـــــذاب
هنالك أرباع الطفــــــولة والصبا
وأهل كــــــــــرام حولها وصحاب
فيامن يرويني بعذب عيـــــــونها
فقد ظمأت نفسي وعـــــــزّ شراب
ولجهة تجربته الشعرية، يوصف المعاودة بـ «الشاعر المسرحي» لكثرة ما أعد من مسرحيات شعرية. كما أطلق عليه البعض لقب «شاعر المناسبات» لكثرة ما نظم من قصائد خاصة بمناسبات معينة مثل قصائده في الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، وقصائده في رثاء حكام البلاد من آل خليفة الكرام الذين عاصر أربعة منهم (الشيوخ عيسى بن علي، وحمد بن عيسى، وسلمان بن حمد، وعيسى بن سلمان). والحقيقة أني لم أعثر على ما يفيد إنزعاج الرجل من لقب «شاعر المناسبات»، بل أنه أعلنها صراحة في مقابلته مع مجلة كلمات (مصدر سابق) أن المحفز لكتابة أغلب قصائده هو المناسبة، سواء كانت قومية أو دينية أو اجتماعية، مشيرا إلى أنه لا يمدح في قصائده إلا من يستحق من الشخصيات البارزة، ومضيفا أن مدح هذه الشخصيات «هو جواز المرور للمناداة بالإصلاح والحديث عن الأماني الوطنية والقومية».
غير أن حبه لشعر المناسبات الذي بدأه بقصيدة رثاء في المغفور له الملك فيصل الأول عاهل العراق ألقاها في حفل التأبين الأربعينية، وكانت سببا في شهرته، لم يمنعه من التصريح بأن قصيدة العاطفة والغزل هي الأقرب إلى نفسه «لأن محركها إنفعال بجمال بشري أو ذكرى جميلة أو صداقة حميمة».
إن بدايات المعاودة الشعرية تمثلت في أبيات امتدح فيها العلم والتعليم حينما كان طالبا في الهداية الخليفية في عشرينات القرن الماضي. ولقد لقيت تلك الأبيات استحانا من قبل معلميه وزملائه، الأمر الذي حفزه على القراءة والمطالعة في الشعر العربي قديمه وحديثه، وحفظ أشعار ثلة من الشعراء العرب القدامى والمحدثين مثل المتنبي والعباس بن الاحنف والمعري والبحتري وأبي تمام وابن الرومي وشوقي وإيليا أبوماضي، والبحث في مصادر الأدب العربي، والتنقيب في كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني، وذلك بهدف صقل موهبة شعرية كانت كامنة فيه، يبدو أنه ورثها من أخواله وأجداده. فأخواله من قبيلة السهول التي تحب شعر النبط وتنظمه وتتداوله، وجده من شعراء النبط المعروفين في الخليج، وأمه شاعره. كما وأن جد أم أبيه هو الأديب والشاعر المعروف عبدالجليل الطباطبائي.
من ضمن قصائده قصيدة بعنوان «اسبوعان في القسم» نظمها من وحي موقف حدث له كانت نتيجته إعتقاله والزج به في السجن لمدة إسبوعين. وملخص الحكاية أن شخصا زاره من إحدى الإمارات القريبة في 1936، مدعياً أنه من أقاربه، فقام المعاودة بواجبات الضيافة المعتادة. وبعد يومين من إقامته لديه عرض عليه شراء بعض من اللآليء التي كان يحملها، فأخبر المضيف ضيفه أنه لا يتعاطى تجارة اللؤلؤ، ولا يفهم فيها، ناصحاً إياه بعرض بضاعته على تجار اللؤلؤ المعروفين. لاحقاً اتضح أن الضيف يتاجر باللؤلؤ الصناعي الذي كان محرما التعامل فيه آنذاك كنوع من الحماية للؤلؤ الطبيعي، فتم القبض عليه، كما تم قبض على المعاودة بتهمة التستر.
من أبيات هذه القصيدة:
فلا شيء إلا السجن كالـــــحا
يعج بأنات بأنحــــــائه تتــــــــــــــــرى
يعج بأنات المساجين إنهـــــا
لأنات قوم من كؤوس الأذى ســـــكرى
كأن هواء السجن ريح جهنم
ووحشته كالقبر ضــــــقت بها أمـــــــرا
تمر بي الساعات أرقبها فإن
مضتْ قلتُ على الخير ألقاه في الأخرى
ولشاعر البحرين الكبير إبراهيم العريض رأي في شعر زميله المعاودة أفصح عنه في الكلمة التي كتبها في 1953 كمقدمة لديوان المعاودة الموسوم بـ «لسان الحال». حيث كتب النص التالي:
«قد قلت جواباً على سؤال مرة: إن الشعراء فئات ثلاثة. فأولهم ذلك الذي يصور عصره، كإيليا أبوماضي وفرحات، وثانيهم من يصور بيئته كالجواهري وفؤاد الخطيب، وثالثهم الذي لا يصور إلا نفسه كالشابي وفدوى طوقان، ولكل من هؤلاء في عالمه شأن. فلو سألتني من أي الفئات صاحبنا (يقصد المعاودة) لقلت لك أنه في الوطنية مثل الشاعر الثاني. فإنك لن تجد صورة صادقة لبيئة البحرين والعوامل التي تستفز شبابها وتحركهم كهذه الصورة التي يجلوها لك المعاودة في مواقفه كلها ببيانه الرصين.
اقرأ قصيدته التي يستهلها بقوله:
مجد لنا قد ناطح الجــــــــــــوزاء
 فزكا وطاب وعطـــــّر الأرجاء
أو قصيدته في جبل طارق:
إذا جلّ ماضيه فما قلّ حاضــــــره
وإنْ عزّ مغناه فما هان ناصره
أو قصيدته في صلاح الدين:
يقضي الحياة تفانيا وجهـــــــــادا
بطل حمى وطنا وصان أوطانا
أو قصيدته الرائعة في فلسطين:
تأن يا غرب! واحذر غضبة العرب
واحذر صهاينة أغروك بالذهب»
أما الشاعر اللبناني مارون عبود الذي كتب في 1960 مقدمة ديوان آخر من دواوين المعاودة هو ديوان «دوحة البلابل» فقد قال: «نعم إن الصور الشعرية غير مبتدعة الألفاظ، ولكنها رشيقة كعرائس الباليه. فلا مفاضلة ولا تزاحم بينها. لا تصـّنع ولا تعــّمل. شعر عربي خالص خال من كل حشو إلا بعض كلمات دعاه إليها الوزن. وهو لو تأنى لأدرك ما تمنى، كما يقال. في شعره سهولة أندلسية وقوة يعربية. أجل أن صوره عادية وقد ذهب زمانها، ولكن السلاسة العربية تنقذها من نكبة قدمها».
وبدوره، كتب المفكر الدكتور محمد جابر الأنصاري عن المعاودة في صحيفة الأضواء البحرينية (10/8/1967) قائلاً: «اشتهر الشاعر عبدالرحمن المعاودة باسهامه الادبي في المناسبات القومية والاجتماعية، وما زال الناس يرددون أشعاره المؤثرة في المناسبات الفلسطينية المشهورة التي أقيمت في البحرين لجمع التبرعات أو لشجب قرار التقسيم وما شابه ذلك».
لكن ماذا عن هجرة الشاعر إلى قطر وأسبابها؟
في خمسينات القرن الماضي اندمج المعاودة في الحراك الوطني ضد المستعمر البريطاني والذي كان مجسداً في هيئة الاتحاد الوطني، وذلك من خلال تطويع شعره وقلمه لخدمة هذا الحراك، خصوصا وأنه كان ذا باع طويل في نظم القصائد الملهبة للحماس وتفجير الطاقات الشبابية. هذا ناهيك عن أنه كان وقتذاك مالكا لجريدة «البحرين» ومطبعتها. تلك الجريدة الأثيرة التي ساهم في تأسيسها مع الأديب والصحفي وتاجر اللؤلؤ المحرقي عبدالله الزايد، قبل أن يشتريها من ورثة الأخير في 1945 ويديرها بنفسه مذاك إلى حين إجبارها على التوقف. وحينما ضربت سلطات الحماية البريطانية في 1956 هيئة الاتحاد الوطني، واعتقلت بعض رموزها، ونفت البعض الآخر إلى خارج البحرين قرر المعاودة الخروج من البحرين باختياره، نافيا نفسه إلى أقرب بلدان الخليج لوطنه وهو قطر، كيلا يشعر كثيرا بالغربة. وفي منفاه الاختياري بقطر عاش الرجل حتى تاريخ وفاته التي سبقتها معاناته من المرض ورحلاته العلاجية إلى بريطانيا.. وطن المستعمرين الذين قاومهم سابقا بالكلمة.
لقد حاول بعض المغرضين في كتاباتهم أن يصوروا خروج المعاودة من وطنه البحريني على أنه معارضة واحتجاج على الأسرة الخليفية الحاكمة، فيما الحقيقة هي خلاف ذلك. فالرجل لم يكن يوماً معارضاً إلا للبريطانيين وسياساتهم. أما حكام البحرين من آل خليفة الكرام فلم تنقطع صلته بهم بدليل أنه أشاد بهم شعراً في أعياد الجلوس الميمونة، وعدّد خصالهم وإنجازاتهم في قصائد الرثاء التي خصها بهم. ودليلنا «قصائد العرش» وهو كتيب صغير صدر في الثلاثينات احتوى على قصائد في مدح حاكم البلاد الأسبق المغفور له الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها