النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

أدبيات الصحافة.. وتقاليد القضاء

رابط مختصر
العدد 9754 الأربعاء 23 ديسمبر 2015 الموافق 12 ربيع الأول 1437

جدد الحوار، الذي أجرته جريدة «الوطن» القاهرية، مع رئيس محكمة جنايات جنوب الجيزة، المستشار ناجي شحاتة، الجدل حول مدونة السلوك المهني للقضاء من جانب، ومدونة السلوك المهني للصحافة والإعلام من الجانب الآخر، إذ يبدو أن ضغوط العمل وحالة التشوش العام التي تسود الأمة والعالم، تنسى بعض هؤلاء وأولئك أن للمهنة التي يمارسونها تقاليد وأخلاقيات لا يجوز أن يتجاهلوها أو أن يخرجوا عنها..
في هذا الحوار المثير للدهشة، صدرت عن المستشار الجليل آراء تقحمه في مجال الصراع الحزبي والسياسي والإعلامي المحتدم الذي تشهده مصر الآن.. واستخدم في وصف بعض الأحداث والتيارات والشخصيات المتصارعة والمختلفة، الأوصاف التي يطلقها عليه خصومه، ومن بينها - على سبيل المثال - وصف ثورة 25 يناير بأنها «ثو ة 25 خساير» ووصف جماعة «6 إبريل» بأنها «جماعة 6 إبليس».. وإبداؤه آراء قد تبدو للبعض منحازة أو متحاملة على عدد من الإعلاميين الذين يقدمون برامج سياسية تنتمى إلى هذا الطرف أو ذاك من أطراف المصارعة الحزبية، فقد أشاد بأداء الإعلامى «أحمد موسى» لأن قلبه على البلد، وأداء «توفيق عكاشة» لأنه مسل، بينما هاجم «تامر أمين» لأنه «متلون» ووصف «شريف عامر» بأنه برادعاوي - أي من المتعاطفين مع د. محمد البرادعي - وأعلن أنه يكره «منى الشاذلي» مؤكدا أنه يكرهها لأنها «برادعاوية» هي الأخرى، مؤكدا أنه يفضل الموت عن الحديث في برامجها!
والمشكلة تكمن في أن القاضي الجليل، قاض جالس، أي أنه لا يزال ينظر قضايا ويصدر أحكاما، وليس قاضيا جالسا على المعاش، تقاعد ليشتغل بالسياسة أو يخوض الانتخابات العامة أو يكتب المقالات في الصحف، ومن الوارد طالما أنه لا يزال قاضيا جالسا أن يمثل أمامه في قفص الاتهام أحد هؤلاء الذي اعترف في حواره بأنه يحبهم أو يكرهم، متهما بارتكاب جريمة نشر، أو بالانتماء إلى أحد التيارات التي وصفها بما ورد في حواره.. وفي مثل هذه الحالة، عليه أن يتنحى عن نظر القضية، لأنه سبق أن أبدى رأيه في شخص المتهم، وعبر عن حبه أو كراهيته له، فإذا لم يستشعر الحرج وتنحى من تلقاء نفسه عن نظر القضية، فيجوز لدفاع المتهم أن يرده أي أن يطالبه بالتنحي عن نظر الدعوى لأن بينه وبين المتهم خلافا في الرأي يجعله غير محايد معه.
وفضلا عن ذلك، فإن الطريقة التي تحدث بها القاضي الجليل عن الإعلاميين الذين يكرههم أو يرفض ما يقدمونه، تعطيهم الحق في أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يردوا لسيادته «التحية» التي وجهها لهم على صفحات الصحف، بأحسن منها، فهل سيعتبر سيادته ذلك دفاعا شرعيا عن النفس، وممارسة لحق الرد الذي يكفله لهم قانون الصحافة، أم يعتبره ممارسة لجريمة الإخلال بمقام قاض التي ينص عليها قانون العقوبات؟
من بين تداعيات هذا الحوار، الذي ينبغي أن يدرج في مدونة جينيس للأرقام القياسية باعتباره الأول من نوعه في تاريخ القضاء المصري وربما العالمي هو أنه ما كاد ينشر، حتى أسرع المستشار الجليل «ناجى شحاتة» ينفى ما ورد فيه على لسانه. ليأتيه الرد خالصا على لسان «محمود مسلم» - رئيس تحرير «الوطن» - الذي لم يؤكد فقط أن الحديث مسجل بالصوت والصورة، وأن كل ما نشر فيه ورد على لسان المستشار «شحاتة»، بل إنه استعمل سلطته كرئيس للتحرير في تخفيف بعض العبارات القاسية التي تناول فيها سيادته محكمة النقض، تقديرا منه بأنها تسىء إلى العلاقات بين الهيئات القضائية التي تقف محكمة النقض على قمتها.. وأنه حذف فضلا عن ذلك ما يصل إلى ثلث الحوار، لأسباب تتعلق بما ورد على لسانه من أوصاف تمس شخصيات أخرى.
والذي لا شك فيه أن «محمود مسلم» قد أحسن التصرف حين حذف العبارات التي تناول فيها المستشار شحاتة محكمة النقض، وأدى واجبه المهني كرئيس للتحرير، حين حذف ثلث الحوار، الذي رآه غير ملائم للنشر لتناوله شخصيات عامة بما يسىء لها دون مبرر، ولكن ذلك لا ينفي أنه أخطأ حين لم يراجع المستشار «ناجي شحاتة» - قبل النشر - في القسم الذى نشر بالفعل من الحوار ويمس آخرين، إذ كان من واجبه المهني أن يتأكد من أن القاضي الجليل يرغب بالفعل في نشره، وأنه لم يصدر عنه كدردشة عابرة، أو لأنه خضع لمخاطر الارتجال، وأن ينبهه إلى الآثار الضارة التي قد تترتب على نشره، بل ويتمسك بحقه فى أن يحذف من الحوار ما يسيء إلى الآخرين، إذ ليس من مهمة الصحافة أن تتيح لمن يشاء الفرصة لكى يسب من يشاء، لأن المثل الشعبى المصري يقول «ما شتمك إلا اللي بلغك» ومن باب أولى حين تستهدف هذه الإهانات الانتقاص من قدر زملاء له فى المهنة، ولأن كل مدونات السلوك المهني وأدبيات الصحافة والإعلام، تلزم العاملين في هذه المهنة بمراعاة حقوق الزمالة!
ويبدو أن ضغط العمل، وحالة التشوش التي تعيشها الأمة، حالا بينه وبين أن يتذكر ذلك، كما حالا بين المستشار شحاتة وبين تذكر تقاليد وأدبيات القضاء!.

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها