النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

عقلــــــيات..!!

رابط مختصر
العدد 9754 الأربعاء 23 ديسمبر 2015 الموافق 12 ربيع الأول 1437

أثار انتباهي عنوان أوردته الصحف يوم الأربعاء الذي صادف تاريخ 15 ديسمبر، أي بعد أربعة عشر يوماً من احتفالنا بيوم المرأة البحرينية، وقبل يوم واحد من احتفالنا بعيدنا الوطني المجيد. العنوان، عزيزي القارئ، كان جزءاً من مداخلة لأحد نوابنا الأفاضل في البرلمان أثناء مناقشتهم المرسوم بقانون بشأن التعديل على اتفاقية «السيداو»، ونص العنوان يقول الآتي: «لدينا بحرينيات يبلغن 21 عاماً يذهبن للفنادق ولا يجرؤ أباؤهن على إخراجهن..». قد يكون هذا الجزء من القول منزوعاً من سياقه، وقد لا يكون، إلا أنه في كل الأحوال قد استوقفني طويلاً وتأملته ملياً، فوجدت فيه تهجماً صريحاً على الحياة المدنية، وفيه نية جر مقصود للمجتمع البحريني إلى الوراء، إلى الماضي المطبوع في رأس بعض من لا قيمة للمرأة في فكره إلا أنها قاصرة عن الوصول إلى رجاحة عقل الرجل وينبغي أن تكون تابعة وإمعة!
الحقيقة، ما قرأته كان سبباً في أن أسأل نفسي بعد أن تعذر عليَّ أن أسأل من نسب إليه هذا القول، فقلت: «أيذهب البحرينيات، بشكل عام، واللاتي يبلغن الـ 21 عاماً، بشكل خاص إلى الفنادق هكذا دونما سبب، كأن يكون تلبية لدعوة إلى حفلة عرس مثلاً، أو أن بعضهن مشتركات في نوادٍ صحية لممارسة صنوف الرياضة.. أو.. أو؟ ثم هب أن ذلك حصل وذهبن، كما يحصل في كل يوم وساعة ودقيقة، فما الذي يمنع آباءهن من إخراجهن منها وفق ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده؟ وسؤالان أخيران وليسا نهاية للتساؤل، على أية حال، «لم على الآباء أن يخرجوا بناتهم من الفنادق إذا انتفى المسوغ المنطقي الذي عادة ما يسقطه البعض على الأخلاق؟ فهل يكفي ما ران على أفئدة البعض من سوء ظن في المرأة والآخر كاد يكون فطرياً أو الشك وحده في أن ندين سلوك بناتنا؟ صرفت النظر عن التفكير في الإجابات، وأوقفت تدفق الأسئلة بصمام التجاهل، واكتفيت بالتعليق على هذا العنوان بالقول بيني وبين نفسي «والله بلوه، اشهل نواب هذوله اللي يهدون جوهر الموضوع ويتمسكون بالقشور لإظهار أنفسهم حراسا للفضيلة؟»، متى ينتهي تقمص هذا الدور؟!
القول السالف نسبته الصحافة إلى النائب جمال داوود. حتى تلك اللحظة لم أترك قول النائب الكريم يستبطن تفكيري، ولم أدعه يستولد أسئلة منه أكثر، فتناسيته لأنني وجدته كلاماً خارج السياق، وبه تهويمات وظنون لا حصر لها. ولكني تذكرت بمنطق التداعي طيب الذكر نائبنا السابق جاسم السعيدي الذي صال وجال في قاعة المجلس وفي رواقه وخارجه حاملاً لواء الفضيلة والطعن السافر في توجهات المجتمع المدنية. كان الرجل مهووساً بمحاربة كل من يختلف معه في الفكر والمذهب. لست في وارد مناقشة أكان محقاً أم مخطئاً، فهذا شأن آخر وسياق مختلف. جئت على ذكره فحسب، لأن الشيء بالشيء يذكر، ولأن مواقف كهذه تكشف ما ينتظرنا من جهود لتغيير ما ببعض الأنفس ونفض غبار القراءات المشبوهة عن التفكير الديني أو من يزعمون تمثيله في مجتمعنا، فأنا أؤمن أن التشريع تنظيم قانوني للمجتمع ينبغي أن يتطور بتطور البشرية، وأن يكرس في المنظومة الفقهية مقاصدها الإنسانية التي لا أعتقد معها أننا يمكننا أن ننعت الله بالظلم أو الحط من شأن بعض مخلوقاته. إني أعتقد جازماً أن محاربة المرأة في العموم لما يندرج ضمن سوء فهم النصوص المرجعية للمنظومة التشريعية والسياسية والقيمية للمجتمع البحريني، وضمن التمييز الاجتماعي الذي تجاوزته المجتمعات الإنسانية وينبغي مواجهته.
النائب جمال الداوود، بصفته التمثيلية كنائب، لم يثر لدي فضول لمعرفة الدائرة الانتخابية التي هو يمثلها أو أي منطقة، وإن كانت قد تكرست فكرة من واقع الطرح والتناول إلى أي مجموعة بحرينية هو ينتسب، فكان متاحاً لي معرفة ذلك بمجرد «كليك» واحدة في «غوغل» لأعرف، لكنني اكتفيت بالقول الله يعين الدائرة التي يمثلها هذا النائب إذا كان هدفه من دخول البرلمان هداية المجتمع البحريني ومنع البنات ممن يبلغن 21 من دخول الفنادق!
في مساء اليوم الذي وقعت عيني على الخبر الذي تقاسمته معكم، قرائي الأعزاء، أرسل إليَّ صديق وجدته مصدوماً مثلي بما قرأ وحائراً مما يفرزه مجتمعنا البحريني من أصوات قادمة من غياهب كهوف فقه البوادي والحال أننا نعيش في ظرف تاريخي أتاح فيه جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه للمرأة أن تتمتع بكامل حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. صديقي هذا يمنحك الثقة في مصادره، ويبرهن عليها بالدليل، فأرسل إليَّ برابط هذا الخبر لأقرأ ما قيل وأشاهد من قال. بعث الرابط من دون أن ينسى أن يضع عليه تعليقه الشخصي فكتب: «عقليات (..) ويطالبون بديمقراطية ودولة مدنية...». أرسل إليه من هنا موافقتي على كل كلمة قالها.
ما ينبغي قوله حيال مثل هذه الطروحات هو أن المواطن البحريني فطن، وهو متشرب بالانفتاح على الثقافات والحضارات. وما يعزز هذا الطرح هو، أن عاهل البلاد أطال الله عمره، إدراكاً منه بالدور الاجتماعي المفصلي للمرأة، قد أصدر في أغسطس من العام 2001 أمره بإنشاء «المجلس الأعلى للمرأة»، الذي يتبع صاحب الجلالة، ليكون المرجع لدى جميع الجهات الرسمية فيما يتعلق بشؤون المرأة، ويختص في إبداء الرأي والبت في الأمور المرتبطة بمركز المرأة بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وعلى كافة الجهات الرسمية أخذ رأي المجلس الأعلى للمرأة قبل اتخاذ أي إجراء أو قرار بذلك. لذلك، دعوا المجلس يمارس اختصاصاته، فصاحبة السمو قرينة العاهل صاحبة حرص على مصالح المرأة، وعلى سمعتها أيضا، ولا يمكن لكائن من كان أن يزايد عليها في هذا الأمر.
فلا يظنن أحد أن مثل هذه التهويمات التي مسعاها الأول والأخير هو جر المجتمع إلى خانة يأنس لها من لهم أجندات إيديولوجية تلغي الآخر، قادرة على تغيير المسار المدني الذي اختاره المواطنون. إن مثل هذه الأفكار تقود بما لا يدع مجالاً للشك إلى ما أفرزته بالأمس القاعدة، واليوم داعش التي تعاني أمم الأرض منها. نسأل الله الهداية للجميع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها