النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

كمال الذيب.. سؤال الثقافة البحرينية والعربية الموجع والخلاق

رابط مختصر
العدد 9753 الثلاثاء 22 ديسمبر 2015 الموافق 11 ربيع الأول 1437

لم يشاخص أحد المشهد الثقافي في مملكة البحرين من الكتَّاب والمثقفين العرب الذين سكنتهم البحرين قلباً وروحاً، ويقرؤها بوعي نقدي رُؤيوي مشرطي حاذق، بالقدر الذي شاخصه وقرأه الصديق الحميم الكاتب المفكر المستنير كمال الذيب الذي ينتمي حقاً لزمن الوعي العربي الجميل..
ففي كتابه التحليلي الأخير الذي صدر تزامناً مع العيد الوطني المجيد 44 والذي حمل عنوان (مساءلات في الثقافة البحرينية... عشرون عاماً في الصحافة الثقافية).. لامس مفكرنا كمال الذيب، وجاس بعمق الرؤى الثقافية الجريئة والناقدة والرائية التي رسمت آفاق الوعي المستنير في مملكة البحرين، ممثلة في أدبائها وكتابها وفنانيها ومثقفيها ومؤسساتها الثقافية والفكرية منذ نشوء الوهج التنويري في سبعينيات القرن الماضي وأسباب نضوجه حتى ما قبل هذه الفترة الى تسعينيات القرن نفسه..
في الصحافة الثقافية أعاد المثقف المفكر كمال الذيب، إنتاج فكر مشاكس التقى به فعلاً وحياة من خلال ممارسة فكرية جدلية مع من يعنيه شأنه من المثقفين والأدباء والفنانين والمفكرين، وأسهم بفاعلية في رسم وتأجيج وهجه الثقافي والفكري الراهن والمستقبلي، وكان نموذجاً استثنائياً في قراءة المشروع الثقافي والتنويري الذي يقترحه من يعنيه شأنه في تلك المرحلة الباحثة والمؤسسة في البحرين..
إنه بثقافته الموسوعية الخلاقة، عرَّف وشخَّص برؤيته الثقافية التي استقطرت واستقطبت جواهر الوعي الثقافي والفلسفي من عاصمة النور بفرنسا ومن عاصمة الوعي العربي المديني تونس، الثقافة البحرينية بمختلف أنواعها واتجاهاتها، فكانت هذه الثقافة المصدر والتأثير، زاداً لرؤيته الفكرية وكانت معيناً لا ينضب نهل من معينها الغزير والمؤثر الكثير من كتاب ومثقفي البحرين وإن لم يعلن بعضهم تأثرها بها، فرسم آفاقا مهمة فيها لم يرسمها من كان من مثقفي الوطن نفسه..
إن كتابه الثقافي الفكري (مساءلات في الثقافة البحرينية)، يعتبر بجانب كونه وثيقة فكرية نادرة وفريدة لثقافتنا البحرينية، فهو رؤية عميقة لقراءة دقيقة وفاحصة لواقع هذه الثقافة في البحرين، تطرح أسئلتها المتشظية والتفكيكية في الخطابات والرؤى الثقافية في البحرين والتي ستسهم لمن ينظر إلى أهميتها واستباراتها المقلقة والمؤرقة بعمق، إلى إعادة إنتاج وقراءة مشاهدنا الثقافية والفكرية ما بعد الألفية الثانية..
مفكرنا الكبير كمال الذيب (بو وليد).. مفكر ينتمي إلى زمن النور والمستقبل.. هذا الزمن الذي يقلق الحدود باتساع رؤاه ويظل مواكباً لأزمنة تنويرية مستقبلية قادمة..
في هذا الكتاب.. لم يحلل مفكرنا وناقدنا (الذيب) أو يوثق ثقافتنا البحرينية المستنيرة إبان سبعينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته فحسب، وإنما كان يضفي بوعيه النقدي المستنير، على من كان يجري حواره معهم من المثقفين البحرينيين، بمراوغاته الأدبية والفكرية، روحاً رؤيوية مخاتلة في بعدها التنويري المستقبلي، مقترحات لمشروعات ثقافية وأدبية جديرة بالاهتمام والتبني من لدن من يعنيه شأنها ثقافياً وفكرياً على الصعيد الرسمي والمؤسساتي والفردي، ولو كانت هذه الرؤى المقترحة محل اهتمام من قبل من يعنيه شأنها، لكان حالنا الثقافي بخلاف ما هو عليه..
إنه يختبر في كل لقاء وسؤال وعينا وبوصلة تفكيرنا، ورؤيتنا، دون أن يزعم ذلك ودون أن يجبر الآخر على تبني ما يقترحه من مشروعات ورؤى..
إنه لا يدفع بالسؤال من أجل إجابة جاهزة أو سائدة، إنه يروم وراء كل سؤال أو استفسار أو تعليق، تشظي حجر يولد في معمله أفكارا تقود إلى رؤى جديدة لا تنتمي إلا للمستقبل..
كثير من المفكرين والنقاد خانتهم الفطنة عن الوقوف أمام (وريقات) عابرة تأتي تعليقاً أو تعقيباً من هذا الأديب أو ذاك الكاتب أو الهاوي أو الواعد، إلا كاتبنا ومفكرنا القدير كمال الذيب، الذي أولى كل صغيرة وعابرة وطارئة كبير اهتمامه، فقد وقف عليها محللاً ومثمناً ومتأملاً، بل أولاها مكان الصدارة في كتابه، كرسالة الشكر والتقدير التي وصلته من الشاعر الكبير والمبدع قاسم حداد يشكره على كبير اهتمامه باللقاء الذي أجراه معه بجريدة أخبار الخليج..
هي وريقة ولكنها بحجم وثيقة تحتمل النقاش والحوار والاهتمام بالنسبة لمفكرنا كمال الذيب..
إننا لو تتبعنا الرؤى الثقافية والفكرية التي ينشرها مفكرنا كمال الذيب في صحافتنا المحلية بدءاً من مجلة صدى الاسبوع مروراً بصحيفة أخبار الخليج عبر الملحق الثقافي فيها، والذي كنا نتزامل الكتابة فيه سوية من خلال المشرف عليه الأديب الصديق الراحل عبدالله خليفة من سبقه من الكتاب والأدباء الذين أشرفوا على هذا الملحق أيضا، ووقوفاً عند صحيفة الايام، لوجدنا أن مفكرنا كمال الذيب كان يرسم استراتيجية لثقافتنا البحرينية والعربية بشكل عام، وها نحن نجد تجلياتها بوضوح ساطع من خلال دعواته للجهات المعنية بالثقافة في دول مجلس التعاون الخليجية بأن يلتفتوا لأولويات الثقافة والمثقف في خليجنا العربي وأن يكون مساهماً فاعلاً في صناعة القرار في هذه الدول بوصفه حاملاً لمشعل الثقافة والتقدم فيها، لا بوصفه على هامش الجغرافيا والتاريخ والوعي والمستقبل..
وما أكثر الرؤى الاستراتيجية للثقافة التي اقترحها مفكرنا الذيب على الصعيد العربي.. والتي توازي في أهميتها رؤى كثير من كبار المفكرين في الوطن العربي بل والتي تتقاطع مع رؤى ثقافية نفذت بعض المؤسسات الرسمية جزءاً منها..
إنه يقدم قراءته منفرداً، مؤمناً بأن الثقافة والفكر المستنيرين هما همه وحلمه وشغله الشاغل..
فإذا كان مفكرنا وناقدنا الدكتور عبدالحميد المحادين أسهم بفاعلية وبحب في رصد المشهد الثقافي في مملكة البحرين من ستينيات القرن الماضي وحتى وهج سبعينياته وثمانينياته وتأسيس قراءة واعية لحداثوية الإبداع الكتابي في البحرين، فإن مفكرنا وناقدنا كمال الذيب، أعاد انتاج قراءة البنى الحداثوية لهذا المشهد من رؤية متشظية تتقاطع فيها رؤى وثقافات فكرية وفلسفية، مصادرها لا تتخطى حدود البحث في المصدر العربي فحسب ولا تقف عند تطور مساحات الفكر والثقافة في الغرب الفرنسي أو بمن تأثر به غرباً أو شرقاً، إنه يرى ثقافتنا وفكرنا من منطلق ما فلتره واستخلصه وعيه، وليس من منطلق مطابقات نقدية وفكرية لا تحيد عن القياس أو التقويم..
انطلاقاً من هذه القراءة الاستثنائية المغايرة والمشاكسة والمتجددة باستمرار، تأتي أهمية إصداره الجديد (مساءلات في الثقافة البحرينية)..
إن أهمية هذا الإصدار تكمن في كون منتجه، محيطاً ومتشرباً وناقداً للثقافات المتعددة من مختلف الرؤى والفلسفات بمختلف تناقضاتها وتبايناتها وأزمنتها التي شغلت رؤى وأفكار المفكرين والمثقفين في العالم ردحاً طويلاً من زمن مضى وزمن نعيشه راهنا، وعليه ومن منطلق قدرته التحليلية على فك رموز هذه الأزمنة، ينبغي أن نستوعب قدرته على استشراف مستقبل هذه الأزمنة في زمن أصبحت فيه كل الأزمنة ملتبسة في ماضويتها وراهنها ومستقبلها..
ولقد جسد المفكر الذيب هذا المستعصى في هذه الأزمنة، من خلال قراءته في هذا الكتاب لرؤى وآراء بعضها يذهب حتى آخر اليمين وبعضها يلوذ باليسار بوصفه حلاً لكل الجهات وإن كان هذا اليسار أكثر تشددا من اليمين، وبعضها التبست عليه الرؤية في كل الاتجاهات، ولكن مفكرنا الذيب يرى في كل هذه الاتجاهات حالة صحية لحوار مجد وخلاق بين جميع الأطراف مهما اختلفت مشاربها واتجاهاتها..
لو تأملت حوارات مفكرنا كمال الذيب في كتابه (مساءلة في الثقافة البحرينية)، لوجدت أو اكتشفت أنها تتجه باتجاه النور والتفكير المستنير، وتستفز فيك السؤال التنويري المرجأ أو المؤجل في خلايا ذاكرتك ووعيك، إدراكاً منه بأن الأسئلة الخاملة والبليدة لا تنتج إلا وعياً كسولاً ومتآمراً على التقدم والتنوير والحضارة..
لذا هو يذهب بمحاوره نحو أسئلة الخلق والتكوين، فيكون منتجاً معه لرؤية جديدة تروم المغايرة بشكل ديناميكي لكل ما هو سائد في واقع التفكير في أغلب مجتمعاتنا العربية..
 إنه في هذا الكتاب، لم يكن معيداً لإنتاج لقاءات أجراها مع عدد من نخبة مثقفي وأدباء ومفكري هذا الوطن فحسب، وإنما تجاوز بجهده البحثي الاستقصائي هذه الحدود، ليكون قارئاً وناقداً لنتاجات هذه النخبة الأدبية والفنية والثقافية والفكرية، تجلت في دراسات متعددة لدواوينهم الشعرية ولقصصهم ورواياتهم وخطاباتهم الأدبية والنقدية والثقافية، نشرها في العديد من الملاحق والدوريات الثقافية المحلية والخليجية والعربية، ولم تخطئ بصيرته أسماء مهمة مؤسسة في مشاهدنا الثقافية، من أمثال المفكر محمد جابر الأنصاري والأدباء محمد عبدالملك وعبدالله خليفة وعبدالقادر عقيل وغيرهم من الأدباء والشعراء والمسرحيين والفنانين والنقاد..
إن مفكرنا كمال الذيب بهذا الجهد يعيد إنتاج ما أعاد إنتاجه عبر اللقاءات في قراءات نقدية أسهمت في التعريف بهذه النخبة التي أثارت جدلاً ساخناً وثرياً ومؤثراً في ساحتنا الثقافية بشكل عام.
إن قدرة المفكر الناقد الذيب في معاكسة ومشاكسة ما استخلصه من إجابات وأسئلة وملتبسات فكرية احتواها كتابه الأخير، قمينة بأن تجعلنا أسرى قامة فكرية تتملك رؤية توليدية تعيد إنتاج ما استقر في العقول من مفاهيم ومصطلحات لفترة ليست بقليلة، وتضيئها بمقترح نقدي وفكري جديد يحفز الآخر على الاختلاف معه أو تبنيه أو استيلاد رؤى وأفكار حداثوية جديدة منه..
يجب أن نعترف كمثقفين ومفكرين، بأننا مقصرون في حق هذا المفكر كثيراً.. وأننا لم نجس عميقاً في تربة كتاباته الصحفية الشاخصة التي ترى في الأفق ما يتجاوز حدود الوعي السائد عن الكتابة الصحفية، والتي للأسف الشديد تفتقر إليها أغلب صفحاتنا وملاحقنا الثقافية اليوم..
ألف مليون مبروك هذا الإنجاز الإضافة لوعي جديد في مملكة البحرين والوطن العربي، فلن نجد مثلك أيها المفكر من يستحق من المثقفين النقاد العرب الذين سكنتهم البحرين روحاً وثقافةً وفناً وفكراً، من يكون سفيراً لثقافتنا في أقطارنا وأقدارنا العربية مثلك.. كل عام ووطن الحب والثقافة والفكر يزهو ويفتخر بك أيها المفكر العربي الذي أثرى بغنى رؤاه المستنيرة ساحة الثقافة والفكر وساهم في إطلاق أجنحتها في فضاء الكون الإبداعي على مختلف الصعد والمجالات والحقول..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها