النسخة الورقية
العدد 11034 الثلاثاء 25 يونيو 2019 الموافق 22 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

موسوعة الجيب «الكتابة بحبر أسود»

رابط مختصر
العدد 9751 الأحد 20 ديسمبر 2015 الموافق 9 ربيع الأول 1437

«لعبة حسن مدن الخاصة التي تجعل الحديث عن الكتابة يقود بالتأكيد إلى الانشغال بالقراءة ربما، أو إلى التلفت من حولنا، باحثين عن قلم، أو عن إزرار لوحة المفاتيح». هذا ما تقوله كلمة ناشر كتاب «الكتابة بحبر أسود»، لمؤلفه حسن مدن. وفي تلك الكلمة المقتضبة الكثير من الصحة في توصيف ما جدله قلم مدن على امتداد ما يقاب من 270 من القطع الصغير. ولعل تلك الكلمات، تفتح لنا طاقة أخرى نطل عبرها على ما «كتبه» حسن بـ «الحبر الأسود».
أول ما يراود ذهن قارئ الكتاب، وهو يقترب من صفحاته الأخيرة لماذا خرج مدن عن المعتاد، واستغنى عن كتابة مقدمة، او استهلال، أو طلب من شخص آخر أن يقدم لهذا الكتاب، لكن القراءة الثانية، وعادة ما تكون أكثر تمعناً، تعطي الإجابة الشافية، فكما يبدو «هندس» المؤلف كتابه كي يضم أربعة كتب متكاملة، أولها أطلق عليه عنوان «عن الكتابة»، وجاء عنوان الثاني «عن الكاتب»، ثم ينتقل إلى «عن الكتب»، قبل أن يحط رحاله عند الكتاب الرابع والأخير كي يختار له عنوان «عن القراءة». وربما من الطبيعي أن يتساءل القارئ، لماذا اكتفى حسن بالقراءة دون القارئ، ولم يفعل الشيء ذاته عند الحديث عن الكتابة، رغم التلميحات المتكررة للقارئ بين ثنايا صفحات؟
إن جاز لنا تصنيف الكتاب كي يأخذ مكانه الطبيعي فوق رفوف إحدى المكتبات الجامعية، فسيكون بين مجموعة الكتب المرجعية: القواميس والموسوعات، فالكتاب يحمل هذه الصفة من عدة جوانب يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1.    منهجية المعالجة، حيث حرص المؤلف على أن يجمع مادة مشتتة ومتفرقة في صفحات تعتبر قليلة، نسبياً، في عددها إذا ما أخذ بعين الاعتبار كمية المادة المعرفية التي بين أيدينا. فهناك امتداد تاريخي يتجاوز القرون، يرافقه انتشار جغرافي يشمل قارات العالمين القديم والحديث، وتجمع كل ذلك مواد علوم تبدو متنافرة فيما بينها: الأدب والسياسة والعلوم والتكنولوجيا، لكن ريشة المؤلف وضعتها في إطار متناسق أضفى عليها التكامل والترابط، الذي يبحث عنه القارئ الموسوعي، دون أن يفقد القارئ العادي متعته وهو يطالع الكتاب.
2.    غزارة المادة المعرفية، إذ يحوي الكتاب بين دفتيه مادة غنية بالمعلومات والمعارف تأخذ قارئها في رحلة جغرافية سريعة خاطفة، وهذا ما يجعلنا نضعها في الفئة «الجيبية»، تمتد من أبو الطيب المتنبي في فيافي الصحاري العربية، حتى ماركيز في مدن الصفيح في أمريكا اللاتينية، مروراً بـ «تشيكوف» في الصقيع الأوروبي، دون ان ينسى الآخرون في آسيا. يلهث القارئ هنا، لكنه لهاث ممتع ومشوق في آن، كي يلحق بالكاتب وهو يضيف قراءاته الذاتية لمجتمعات تلك البلدان كما جاءت في شهادات الكتاب الذين استعان الكاتب بما جاء في النصوص الأصلية، بعد أن اختارها بدقة، ونقلها بشفافية!! رشاقة قلم الكاتب لم تثقل كاهل القارئ وهو يتنقل بين مواد الكتب الدسمة.
3.    طريقة العرض، فجاء تقسيم الكتاب إلى أربعة أجزاء أولها الكتابة، وثانيها الكاتب، وثالثها الكتب، وآخرها القراءة، كي يحصر مادة الكتاب في موضوع موسوعي واحد هو «الإنتاج الفكري البشري»، دون أن يأتي ذلك على حساب الانتشار الجغرافي الواسع، ولا الخط الزمني الطويل، ولا التنوع الموضوعي الرحب. ورغم أن هذا يقع في خانة الشكليات، لكن التقيد بها يعطي الكتاب نكهة موسوعية خاصة متفردة. بعد الانتهاء من قراءة الكتاب يتساءل قارئه، وهو غارق في بحر مادته، لماذا لم يخصص المؤلف قسماً يتناول فيه «القارئ»، تماماً كما فعل مع «الكاتب»؟ رغم أن في القسم الأخير كانت هناك إشارات في أكثر من موقع تعالج هذه المسألة التي ما تزال بحاجة إلى أن يفرد لها قسماً خاصاً، ربما نقرأه في طبعة ثانية.
بقيت مسألة تلح على القارئ وهو يهيم بين صفحات، او بالأحرى سطور الكتاب، وهو ما علاقة مادة الكتاب بعنوانه، ولماذا أطلق د. حسن مدن العنوان ذاته على أحد فصول الكتاب إن جاز لنا القول، كما يجده القارئ في ص 78 – 81؟ ما يميز مادة هذا الفصل عن سواها، نجده في آخر فقرة منه، عندما يعاقب تلميذ على «الكتابة بالحبر الأسود»، لا لذنب ارتكبه سوى أنه لا يملك ما يمكن استخدامه في الكتابة سوى ذلك القلم بحبره الأسود. هل كان المقصود هنا أن نظم التعليم العربية تجرد مخرجاتها من قدرتها الإبداعية وتحولها إلى مجرد «ببغاوات» مختلفة الألوان لكنها تنتمي إلى فصيلة واحدة، وهذا يفسر تراجع الإبداع العربي في مجالاته المختلفة، ليس الأدب والفن سوى بعض نماذجها؟ أم أن المراد هو الإشارة إلى أن المثقفين العرب، وربما تأتي معهم الحركة السياسية العربية يمارسون دورهم الذي قد يبدو في نظر البعض مريباً ويستحق العقاب، لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم لم يجدوا طريقاً آخر يسيرون فيه سوى تلك الطريق الوحيدة المفتوحة أمامهم؟
كي نترك للقارئ حرية الوصول إلى استنتاجه الخاص نقتطف هنا الفقرة الأخيرة من ذلك الفصل.. يقول مدن «قرأت مرة حكاية عن تلميذ منطوٍ وخجول وصامت لا يكتب دروسه إلا بقلم حبر أسود. الحظ العاثر لهذا التلميذ أوقعه تحت معلمة ترغب في تحليل كل شيء، فأحالته إلى اخصائية نفسية... وبعد تحليل وتحرٍ واستدعاء والديه للمدرسة، كان السبب في منتهى البساطة: ليس لدى التلميذ قلم آخر يكتب به».
هل لدى أي منا نحن العرب سوى قلم واحد؟ ورغم ذلك نعاقب لأننا اضطررنا للكتابة به دون سواه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها