النسخة الورقية
العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (19)

رابط مختصر
العدد 9748 الخميس 17 ديسمبر 2015 الموافق 6 ربيع الأول 1437

] لنكد نيل بوب
قبل الدخول في انتفاضة مارس 65 لابد وأن نتوقف عند رجل المخابرات، الذي كان دوره كبيراً في إخماد الانتفاضة وضرب كل العناصر النشطة فيها، وقام بتدمير حركة القوميين العرب بشكل كبير منذ تأسيسها، بحيث باتت في وضع لا يمكنها الوقوف على رجليها تماماً، بل ونجح بزرع عناصر أمنية اكثر بكثير من مرحلة التأسيس للحركة. فمن هو لنكد نيل ببوب المشهور في الشارع السياسي البحريني باسم «بوب» وهل بوب فعلاً قبرصي أم انجليزي، أم لا هذا ولا ذاك؟ جميعنا من حقق معه بوب في 65 أو قبلها، يلمس من اللحظة الاولى انه ما بين عمر 35 ـ 40 سنة (بعد التشاور مع من حقق معهم بوب نتفق بذلك التقدير العمري) وأن لكنته ونبرة اللغة العربية ودقّته في لفظها ونطقها وروحها، لا يمكن أن تكون إلا لشخص من أصول عربية، وقد يكون من تلك العائلات الفلسطينية، التي من المحتمل ان تكون عائلته خرجت الى لبنان مع التقسيم (وقيل عن انه من عائلة البابا الفلسطينية وعن أن اسمه الحقيقي جورج بطرس البابا، رغم أننا لم نجد وثيقة واحدة عن تلك الحقيقة او الشائعات)، التي ارتبطت بالانجليز في فلسطين وضمن الكنيسة الارثوذكسية في القدس، وهاجرت الى لبنان أو قبرص مع تقسيم فلسطين 1948، إذ نقل الانجليز طواقمهم الامنية والادارية والاعلامية من فلسطين الى قبرص كمركز جديد لنشاط الانجليز في المنطقة بما فيهم طاقم اذاعة البي بي سي، وظلت تلك الطواقم العربية والبريطانية في الحرب العالمية الثانية تخدم «السيد الانجليزي» اينما تنقل، بل ولا زالت وجوه وأسماء فلسطينية في محطة قناة الجزيرة من مخلفات تلك المرحلة، وعاشوا دهراً في بريطانيا يخدمون في البي بي سي بكل حرفية ووفاء سياسي ومهني، جميع هولاء العرب المهجنين، حملوا معهم الدم العربي والولاء البريطاني، فحملوا جنسيات مستعمراته الموجودة في بقاع الارض، يكون الجواز القبرصي هو التذكرة السرية التي حملها «بوب» كاسم سري أمني حتى لحظة موته ضمن اللعبة الاستخباراتية البريطانية الخطرة.
ولا يمكن أن يكون بوب قبرصيا بالاساس فالاسماء القبرصية عادة تنقسم الى نوعين، الاول مرتبطة بأسماء القديسين وحواري المسيح أو اسماء مستمدة من التاريخي الاغريقي وثقافته. لا يمكنني نسيان وجهه الوسيم والحليق ونظارته باطارها الذهبي وجسمه الرياضي اللائق بجسم رجل الاستخبارات، ولا يمكن نسيان سيارته «الهيلمان» بلونيها الابيض والاخضر، ولا نسيان شقيقه «وليم» الذي كان يسوق نفس الموديل مع لونين وردي وابيض.
بوب الذي في ذاكرتي هو الذي كان ينادي شاكر «انت يا السلحوت» (وهو طير رمادي بأقدام نحيفة ونحن في البحرين نطلق على كل شخص ضعيف جدا، ذلك التشبيه أما الصعوة أو السلحوت وكان شاكر يومها في 65 مثل السلحوت صوته أثخن من شكله وجسمه!!). فمتى وصل بوب من قبرص المستعمرة البريطانية في البحر الابيض المتوسط الى البحرين المستعمرة في الخليج العربي؟ (للعلم مع الانفراج في عهد الاصلاح قدم لي بعض الاصدقاء في أحد جلساتنا بعد عودتي من الخارج في فندق منامة تاور شخصًا اسمه حسن الوزير من المحرق، كبير في السن وعمل في الجوازات، فوجدتها فرصة، وسألته عن ان هناك اشاعة بأن بوب قبرصي، فأجاب ليست اشاعة فأنا شاهدت شخصيا جوازه القبرصي، وكان الفضول اوسع من ذلك، فسألته من يا ترى يعرف المزيد من حياة بوب في البحرين، فنصحني برؤية صديقه الحميم ولكنه سيرفض الكلام في الماضي، لهذا توقفت في تتبع خيط السيرة الذاتية لبوب في خيوطها البحرينية، في وقت كنت في قبرص أفتش عن جذوره في خيوطها القبرصية، فذاكرتنا لا تنسى أيام الانتفاضة اثناء التحقيق والاستجواب، وجه تلك السيدة الجميلة وهي تتردد على مكتب زوجها في العصريات ممسكة بيديها طفليها، فلما سألنا من تكون تلك المرأة اجابنا من هم اكبر منا في السن «أنها زوجة بوب القبرصية».
بإمكان شاب مثلي أن ينسى كل الوجوه إلا وجه امرأة جميلة، فهي تصحب مخيلتك داخل الزنزانة وخارجها. بدا بوب في زمن الانتفاضة رجلاً ما بين عمر 35 ـ 40 عامًا بلكنة شامية قريبة للهجة الفلسطينية. ولكننا باستخدام علم الاحصاء سنجد اننا نقترب من ميلاد بوب المجهول. يقول عبدالرحمن الباكر في مذكراته «في العاشر من ديسمبر (1956) جاء الضابط البريطاني الموكل لحراستنا وطلب مني أن اصحبه فخرجت معه، وأدخلني على شخصين في بيت مستشار حكومة البحرين القائم على مرتفع عالٍ في الجزيرة (وكل من زار جزيرة جدا يعرف ذلك المكتب» بيت العلية! «كما يمزح تشيكوف) فعرفت من بين الشخصين ـ يقول الباكر ـ الضابط القبرصي الذي جاء مع الميجر الانكليزي لاعتقالي. وبعد التحية والمجاملة عرفاني بأنفسهما بأنهما انتدبا للتحقيق معنا. كان أحدهما انكليزيًا والآخر قبرصيا وكلاهما يعرفان العربية، إلا أن القبرصي يتكلمها بطلاقة» ص 195 (للمزيد انظر الباكر، من البحرين إلى المنفى) لنتوقف عند مفردتين طلاقة اللغة العربية والانتداب، وكأنما كان على الانجليز في 54 ـ 56 في أمس الحاجة لجهاز استخباراتي جديد وجهاز شرطة اقوى يناسب المرحلة، ومن قرأ تاريخ تطور جهاز الشرطة، يدرك المدى المختلف ما بين الثلاثينات ونهاية الخمسينات ومنتصف الستينات. كما يذكر الباكر مرة اخرى عبارة القبرصي في الصفحة 226 حين قال: «تتألف هيئة الادعاء من المستر (بن) المدعي العام وهو مدير الهجرة العامة وليس له أدنى صلة بالمحاكم. والكولونيل (رايت) وهو نائب قومندان الشرطة، وصف الضابط قبرصي يتكلم العربية كصفته مترجماً للمدعي العام».
ومن المعروف أن من يترجمون في المحاكم ونتيجة مسؤولية المهنة، فإن فهمه للغة العربية سيكون محكماً ومتقناً، غير أن رتبة ذلك القبرصي كانت معلنة بأنه صف ضابط! وخان الباكر أن يقول لنا هل حضر القبرصي بملابس مدنية ام عسكرية بحيث شاهد رتبته؟ أم انه استقاها من هنا وهناك. ولسرية العمل الاستخباراتي في حينه حول ذلك المحقق /‏ المترجم القبرصي الشاب، الذي كان حاضراً في اعتقال الباكر، فإن اسمه غير معروف بينما يعرف الباكر الاسماء الاخرى برتبها!! تلك الاسماء الثلاثة (بن) و(رايت) والقبرصي سيظلون مع بعض «ترويكا» تتكرر اسمها، حيث بعد محاكمة البديع تعرف علي مدان على بوب منذ سجنه الاول 1957، والثاني 1960 كما قال لي عبدالله راشد البنعلي، إن بوب كان منذ 56 و57 معروفا اسمه وملاحقاته وحركته، وكنت اشاهده ـ والكلام للبنعلي ـ في شارع البديع عند مصنع الكندراي في تلك الفترة، حيث كنت اتردد على تلك المنطقة ضمن عملي السياسي السري، بل ويؤكد (بوغسان) أن بوب حقق بنفسه معه في اعتقاله الاول عام 1958، ولما طلبت منه ان يقدر عمره اثناء التحقيق أجابني بكل ثقة ما بين 28-32 سنة (مو اكثر).
هل نحتاج الى ذكاء حاد، بأن القبرصي في زمن الباكر 56 هو نفسه بوب في زمن علي مدان والانتفاضة، إذ من المستحيل أن يكون هناك وفي فترة قصيرة قبرصيان، لهما ميزة واحدة بتلك الطلاقة في اللغة العربية، غير أننا سنظل نبحث عن سر هويته العرقية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها