النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

روزاليوسف في سحارة سيد أفندي وحش!

رابط مختصر
العدد 9747 الأربعاء 16 ديسمبر 2015 الموافق 5 ربيع الأول 1437

في صيف العام 1948 كنت في التاسعة، وكانت مجلة روزاليوسف - التي بلغت التسعين من عمرها منذ أسابيع في الثامنة والعشرين من عمرها حين التقينا لأول مرة. وكان أبي هو واسطة التعارف، إذ استدعاني ذات ظهيرة، ليسألني عما إذا كنت قد أتقنت القراءة والكتابة، فأكدت له أنني درست عاماً في كتاب القرية، وآخر في مدرسة «بشلا» الأولية - وهو اسم قريتي - وعاماً ثالثاً في مدرسة «بشلا» النموذجية، فأخرج من جيب المعطف الذي كان يرتديه فوق الجلباب كلما جاء يمضي إجازته في القرية، ما ظننته كتاباً مطوياً، وأخذ يقلب في صفحاته، حتى توقف عند إحداها، وأشار إلى كلام كان مكتوباً تحت إحدى الصور، وطلب مني أن أقرأه، فقرأته بسرعة ودون تعلثم، ولم أخطئ إلا في كلمة أو كلمتين صححهما لي.. ثم طلب إليَّ أن أحضر ورقة وقلماً، وأخذ يقلب بين صفحات الكتاب، حتى توقف أمام صفحة أخرى وأملاني منها عدة سطور، ألقى عليها نظرة، ثم تنهد بارتياح، وقبلني قائلاً إنه سيأخذني معه عند عودته إلى القاهرة، لكي التحق بالمدرسة الابتدائية.
وأسعدني الخبر، إذ كان معناه أنني سأعيش في البندر، وسألحق بشقيقي الأكبر وابن خالي اللذين كانا يكبراني بعامين، سبقاني خلالهما بالسفر إلى المدينة الكبيرة لكي يلتحقا بمدارسها، وتركاني وحيداً بلا أصدقاء في القرية، وسوف أتمتع بما كان يرويانه لي عند عودتهما من مشاهد مبهرة، من الكهرباء التي تضيء المنازل والشوارع، إلى عربات الترام التي ينتقل بها الناس من مكان لآخر، ومن الدكاكين التي تبيع سندويتشات الفول والطعمية، إلى دور السينما التي كانت تعرض أفلاما سينماتوغرافية!
أما الذي أسعدني أكثر، فهو أن أبي ترك أمامي على المنضدة، الكتاب الذي استعان به في اختبار القراءة والكتابة الذي أجراه لي، فأخذت أقلب صفحاته، وأتفرج على ما كان يضمه من رسوم كاريكاتورية، وأقرأ سطوراً من عناوين ومتون موضوعاته، ومع أني فهمت بعضها، إلا أنني لم أستطع قراءة اسم الكتاب، لأنه كان مكتوباً بنوع من الخط لم يسبق لي أن رأيته.. وتطلب الأمر شهوراً أمضيتها في القاهرة، ميزت خلالها بين الكتاب والصحيفة اليومية والمجلة.. وعرفت أن المطبوع الذي اجتذبتني موضوعاته ورسومه هو مجلة أسبوعية اسمها «روزاليوسف» وأنه الاسم الفني الذي عرفت به صاحبتها، حين كانت في بداية عشرينات القرن الماضى، ألمع ممثلي المسرح المصري، قبل أن تعتزل الفن وتقرر العمل بالصحافة.
وهكذا دخلت «روزاليوسف» حياتي ولم تغادرها منذ ذلك الحين، إذ كان أبي حريصاً على قراءتها أسبوعياً، حتى عندما توقف عن ذلك بسبب لا أعرفه، كنت أدخر من مصروفي اليومي ثمن العدد الذي لم يكن يتجاوز آنذاك عشرين مليما، وعلى صفحاتها تعرفت على كل الكتاب الذين أحببتهم، ورحلت مع بعضهم إلى الصحف والمجلات التي تركوا «روزاليوسف» لكي يصدروها أو يعملوا فيها، وتعرفت على أسماء كتاب شبان أصبحوا بعد ذلك نجوماً ساطعة في مجال الأدب والفن والصحافة، وعشقت فن الكاريكاتير واستطعت أن أميز بين خطوط وأفكار نجومه.
واتخذت من روزاليوسف دليلي إلى عالم الصحافة والثقافة والفن والسياسة، واعتبرت كل ما يصدر عنها هو ماركة مسجلة لما ينبغي أن أقرأه، أو أقرأ لمن يكتبه.. وحرصت على أن اشتري كل ما يصدر عنها أو لكتابها.. من سلسلة «الكتاب الذهبي» الذي أصدرتها في يونيو 1952، وخصصتها لنشر القصص والروايات، إلى كتاب «روزاليوسف» الذي صدر في عام 1954 وتخصص في نشر الكتب السياسية والقانونية والتاريخية وقد ظلا يصدران لسنوات كل شهر، إلى مجلة «صباح الخير» الأسبوعية التي صدرت في 12 يناير 1956، لتكون مجلة للشباب والأسرة تتخذ لها شعاراً «للقلوب الشابة والعقول المتحررة»..
وبعد ثماني سنوات من أول تعارف بيني وبين «روزاليوسف» اكتشفت السر في شغفي بها، وفي اعتمادي عليها كدليل لعالم السياسة والفكر والثقافة، كنت أمضي إجازة صيف 1956 ـ كعادتي كل عام ـ في قريتي.. حين وجدت عدداً حديثاً من أعداد المجلة بين يدي صديق لي من طلاب القرية.. وعرفت منه أن والده «سيد أفندي وحش» ـ أحد أعيان القرية ـ يحرص على قراءتها منذ زمن طويل، منذ كان طالباً يدرس في القاهرة، وأنه لا يزال يواصل على قراءتها، بعد أن انقطع عن الدراسة وعاد القرية ليتابع أحوال الزراعة. وأضاف أن والده يحتفظ ببدروم المنزل بسحارة خشبية ضخمة، تضم عدداً كبيراً من مجلدات المجلات القديمة، ومنها «روزاليوسف».. فطلبت إليه أن تتيح لي الفرصة لتفقدها، فقادني إلى البدروم الذي أطلقت عليه بعد ذلك اسم «مغارة علي بابا الفكرية» إذ وجدت أمامي ثروة من مجلدات المجلات الأسبوعية التي كانت تصدر في العشرينات من القرن الماضي، معظمها من المجلات الفنية والأدبية والثقافية، بعضها توقف عن الصدور، والقليل منها كان لا يزال ـ حتى ذلك الحين ـ يواصل الصدور، كان من بينها «روزاليوسف» التي وجدت مجلداتها كاملة منذ العدد الأول الذي صدر في 26 أكتوبر 1925.
واتفقت مع صديقي «عبدالرحيم وحش» على أن يعيرني مجلدات «روزاليوسف» مجلداً بعد آخر، لكي أقرأه، ثم أعيده له لكي أستعير المجلد التالي له، وعلى امتداد أيام وليالي الشهور الأربعة التي استغرقتها إجازة صيف ذلك العام، تفرغت تماما لقراءة أعداد «روزاليوسف» التي صدرت خلال الأعوام الثلاثين التي سبقت تعرفي عليها.. على ضوء الشمس نهاراً، وعلى ضوء لمبة غاز نمرة عشرة ليلاً..
وكانت المصادفة التي قادتني إلى سحارة «سيد أفندي وحش» هي التي كشفت لي عن سر افتتاني بـ «روزاليوسف» منذ أن اتخذها أبي موضوعاً لاختبار مدى تعلمي القراءة والكتابة، فقد كانت منذ صدورها منبراً متحرراً، يحتضن كل الأقلام والاتجاهات التي تتحمس لوطن جديد، متحرر من الاستعمار ومن الجمود ومن التخلف ومن الفقر والحاجة، ويخوض معركة التقدم والاستنارة بكل جسارة ودون تردد، وكان ذلك ما أبحث عنه، وما أتمنى أن أفعله.

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها