النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

بؤس الخطاب ومنتجه..

مشروع الاستبداد يصنع مادته الإعلامية

رابط مختصر
العدد 9745 الإثنين 14 ديسمبر 2015 الموافق 3 ربيع الأول 1437

وصلني من أحد الأصدقاء تعقيب على مقالتي (هوامش على ميثاق الشرف الإعلامي) المنشور في هذه المساحة الأسبوع الماضي، جاء في اهم فقراته ما يلي: «أوافقك الرأي تماماً في أن المهنية الإعلامية لا تحتاج الى ميثاق، بل الى أمرين مهمين: الأول هو المهنية في حد ذاتها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والثاني الالتزام بالقانون واحترام ضوابطه بشكل دقيق، وذلك لأننا لا نطلب من القضاة التوقيع على ميثاق شرف لإقامة العدالة، ولا نطلب من المعلمين توقيع ميثاق شرف للالتزام بمهنية التدريس... الخ السلسلة». وأضاف: «حالات الكذب والفبركة التي شهدنا بعض فصولها أيام الأزمة الطاحنة في 2011 وما تلاها، ما تزال ذكراها عالقة في أذهاننا، هذا الكذب الذي ورطنا في حرب كلامية طائفية كنا في غنى عنا هو ما يقلقني..». انتهى التعقيب.
والحقيقة أننا لسنا في حاجة إلى أي تعليق على هذا النوع من الكذب الممنهج والمقصود لمجرد هتك صورة السلطة على حساب الحقيقة وشرف الكلمة المسؤولة، وعلى حساب واقع الحال في مجتمع يعلي من شأن الشرف والأسرة، أكثر من إعلائه لأية قيم أخرى!! كما أن الذي يقدم على مثل هذا النوع من الكذب الأسود هو أول من يعلم أنه يكذب، لأن كل كلمة في هذا الزمان موثقة ويمكن استعادتها صوتاً وصورة في أي وقت ويمكن مقارنة الوقائع بالتصريح لإدراك مرارة الحقيقة. لقد تفوق الكاذب هنا على جوبلز (وزير الدعاية النازي) والذي يعتبر إحدى الأساطير في مجال الدعاية الكاذبة، من خلال شعاره الشهير: «اكذب حتى يصدقك الآخرون»!. ولعل هذا التدني في الخطاب الإعلامي السياسي يعكس الأداء السياسي الكارثي لبعض المعارضين، الذي من بين أسوأ مظاهره الكذب الفاضح والابتذال في العمل الإعلامي، فأي خطاب لا يتحلى أصحابه بالنزاهة والمهنية، ولا يتقيد بضوابط القانون، لا يمكن أن يحمل مشروعاً لبناء المجتمع وإصلاح أحواله، ولذلك لا يمكن أن يكون منتج هذا الخطاب البائس جاداً أو حتى جديراً بالثقة.
إن أول شروط المعارضة هو الصدقية والنزاهة وعدم الكذب على الناس أو خداعهم، وبقدر ما ترفض أن تكون كذلك، تكون من حيث المبدأ والممارسة رافضة لأي نوع من تزييف وعي الناس وتزييف الانتخابات للاستيلاء على المنظمات الأهلية (مثلاً)!! فإذا وجدنا معارضة تفتقر إلى جميع هذه القيم أو حتى بعضها، ومستعدة لممارسة التزييف والدجل العلني والفبركة الممنهجة، فمن حقنا أن نتساءل حول حقيقتها كقوة معارضة بديلة، ومدى جديتها، فما بالك بمدى جدارتها بالاحترام والثقة، خصوصا وأنها تقدم نفسها بوصفها معارضة ديمقراطية استمدت شرعية حضورها وتميزها من وضوح برامجها السياسية ومن اعتمادها منظومة قيم ديمقراطية تنشد العدالة والإنصاف والصدق في نضالها السياسي والإعلامي.
إن ما كشفته أيام الجمر والتجربة العملية الموثقة صوتاً وصورة أن بعض المعارضة تفتقر إلى النزاهة، بقدر ما تفتقد إلى الرشاد في الموقف والفعل الممارس على الأرض، وكان أسوأ ما في ذلك أمرين: الأول: هو الكذب والفبركة والاستعداد في هذا المجال بالذهاب بعيداً إلى الدرجة التي أشرنا إليها في مقدمة هذا المقال، وهي درجة متدنية جداً من الممارسة السياسية غير النزيهة. الثاني: المحاولات المكشوفة والمحمومة لدمج العنصر الخارجي في الداخل حتى اصبحت تلك المحاولة مثيرة للاستغراب والاستهجان لمفارقتها للثقافة السياسية الوطنية المعادية لأي نوع من التدخل الخارجي. بل هنالك من حاول تبرير الحاجة إلى العامل الخارجي على أنه دور أساسي، بحيث تسهم المساندة من الدول الديمقراطية «الصديقة» في نشر الديمقراطية وترسيخ احترام حقوق الإنسان. !!!
إن أزمة هذا الخطاب تتمظهر في استباحة «الكذب» في معركته من أجل السلطة، بما أفضي إلى تقرير فشله على صعيد بناء ذاته المعقولية، وعلى صعيد مصداقيته الداخلية والخارجية على حد سواء، ومثلما يصنع الاستبداد مادته الإعلامية «بما في ذلك الفبركة» على حساب الحقيقة والقيم، فإن الذين يواجهونه اليوم يستفيدون هم أيضا من تقنيات الاتصال والتواصل ليدخلوا على خط الفبركة والتزييف وانتهاك القيم، في حين كان يفترض بالخطاب المعارض ألا يكون مشاركاً في معركة الفبركة والمشاركة في سلب الناس وعيهم، لأن معركته الحقيقية هي ضد تزييف وعي الناس.
همس
الصفحات الثقافية عندنا جزء من الظاهرة الثقافية، يعوزها الكثير من الإمكانيات، بالرغم من توافر الطاقات البشرية والإبداعية المتميزة. وهذا النقص في الإمكانيات مرده بالدرجة الأولى إلى أن الكائن الثقافي، في هذه الأمة، منبوذ من كل الفئات والطبقات الاجتماعية، متآمر عليه من كل الجهات، لأنه يبحث عن الحقيقة، في ظل حالة من الإثم الجماعي، فالكل يخاف من كشف عوراته أو الوقوف لحظة أمام المصباح الثقافي الكاشف، لذلك يتفق الجميع على خنقه ونفيه أو تدجينه وتقليص دوره وتأثيره في أحسن الأحوال. وعليه فماذا نتوقع من صفحات ثقافية يمكن للإعلان مثلاً أن يلغيها جملةً وتفصيلاً أو يقصف اجنحتها في طرفة عين في حين لا أحد تقريبا يجرؤ على إلغاء صفحات الرياضة أو المنوعات او السياسة مثلاً، وبالرغم من أن المساحة الثقافية عندنا هي الأضيق والأقل تواتراً حتى بالمعايير العربية، فما بالك بالدولية، فإن التعدي عليها أمر عادي ومتواتر ومتكرر، ومن هنا نتساءل كيف يعيش او ينمو ويرتقي كائن تتناوشه الرماح من كل جانب؟؟ والمسألة لا تمس الثقافة والصفحات الثقافية فحسب، بل إن المثقف نفسه، عندما تتنازعه قوتا الثقافة والمال، فإن النتيجة معروفة سلفاً في اغلب الأحيان بما يشكك في المثقف نفسه، وفي مدى أصالته واقتناعه بدوره الثقافي في المجتمع... ومن هنا لا غرابة ان تكون اغلب صفحاتنا الثقافية - إلا في حالات واوقات استثنائية - مصابة بالإعياء والفتور، خاصة في إطار ما ينبغي أن نقوم به من دور في الساحة الثقافية. فهي منزوعة الوظيفة تعيش في حالة من الهلامية، تصنع لها جسداً بلا قوام، وتظل دائماً مرهونة بالظروف، ولذلك فإنه، وقبل أن تصبح الثقافة ضرورة حياتية للفرد والمجتمع والدولة على حد سواء، فلن تنمو لها عظام، ولن تتحول إلى مشروع برؤية باستراتيجية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها