النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10968 السبت 20 أبريل 2019 الموافق 15 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:04PM
  • العشاء
    7:34PM

كتاب الايام

معــــاني الحـــــــــب

رابط مختصر
العدد 9743 السبت 12 ديسمبر 2015 الموافق غرة ربيع الأول 1437

انشغلنا على مدى الأسابيع الماضية مع تفجيرات باريس وإسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي التركية، وشغلنا أيضا تنظيم «داعش» الإرهابي على مدى السنوات الماضية لدرجة أصبحنا لا نفكر سوى في كيف بدأ وترعرع، غير واعين حتى يومنا هذا كيف سنقضي عليه؟ وربما الى هذا الحين سواء آتانا قريبا أم بعيدا، فليس أمامنا سوى العودة الى موضوع محبب إلى وهو الصداقة والحب والفراق والسعادة، وهل السعادة في الصداقة أم الحب، أسئلة كثيرة تدور في خلدنا وإن كنا سنركز اليوم على لوعة الفراق وما يسببه بين المحبين أو حتى الأصدقاء، وكيف يعود المحبون الى بعضهما البعض، وأمامنا أغنيتان رائعتان تتحدثان عن لوعة الفراق واللهفة للحبيب حتى وإن كان هناك بعض التمنع.. الأولى لشاعر الحب أحمد رامي «رق الحبيب» الذي تحدث فيها بصدق عن حقيقة مشاعره ليلة مقابلته حبيبته التي غابت عنه فترة ثم رضت عنه ووعدته بلقاء «غدا» فماذا عساه فعل رامي عشية هذا اللقاء الدافئ الذي جمع فيه كل كلمات الحب والغرام والهيام ليضعها في أغنية واحدة بعنوان «راق الحبيب» التي غنتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم.. وثاني أغانينا اليوم هي رائعة نزار قباني شاعر العشق والهوى الذي طالما تعذب المحبون بكلماته وأشجانه، وأطلقت أشعاره وقصائده ألسنة العشاق لتنهل من كلماته وروافده العاطفية لتنقلها الى الحبيب، حاضراً كان أم غائباً.
نبدأ برائعة أحمد رامي «رق الحبيب» التي تنقل لنا ولكل العشاق العرب قصة حب حقيقية أخفاها شاعر الحب رامي عن الجميع ولكنه لم يستطع إخفاءها عن حبيبة روحه أم كلثوم، التي تغنت بكلماته لتنقل لنا حالة فريدة من العشق الروحي. وكما تقول الروايات الكثيرة عن مبعث «رق الحبيب» التي لحنها محمد القصبحي وهو المحب الآخر وليس الأخير لأم كلثوم، لتتلاقى فيها الكلمة مع النغم، لتكون في النهاية قصة حب مغناة وملحنة، ألقتها أم كلثوم على جمهورها العاشق لها ولأغانيها وقصائدها، وجعلتهم يتمايلون بخفة مع كل كلمة وكأنهم يشاركون في تلحينها أو إعادة تنغيمها، فخرجت لنا هذه القصة الرائعة من رحم حالة «فراق» بين حبيب وحبيبته، ليضعنا أحمد رامي جميعا أمام حكايته ولنتعاطف معه، ولم لا.. فالحبيب عاد ورق.
تقول الروايات أن لأغنية «رق الحبيب» قصة، حيث حدث سوء فهم بين أم كلثوم وأحمد رامى أدى الى حدوث خصام بينهما وقطيعة قصيرة، فعاشق الروح لا يستطيع الخصام أو حتى الفراق، فإذا فعل العاشق هذا فهو ليس بعاشق، ولمن يكون العشق إذا تمادى في فراقه وخصامه، فهو يحن للهواء، للنفس، لنظرة من حبيبه كل لحظة ولا يعيش الأخرى إلا إذا تنفس هواء حبيبه وطالت نظرته أيضا ليمتع بها بصره.
لقد تعذب رامي في رحلة فراق حبيبه عنه بسبب سوء الفهم الذي تحول لخصام وقطيعة، وتألم كثيراً من الهجر وعدم قربه ممن يهوى قلبه ويلين معه فؤاده. وفي يوم رن تليفون أحمد رامي، وفوجئ بأن أم كلثوم على الطرف الآخر تدعوه الى أن يأتي إليها في منزلها في اليوم التالي، لم يصدق رامي أذناه، فالمتحدث هو حبيبه الذي غاب عنه وعن نظره وأذنيه وقلبه وأشجانه، ومن هول فرحته طار قلبه الى حبيبته سالكاً طريق كلمات «رق الحبيب»، فالحبيب رق ولان قلبه ودعاه لمقابلته غداً. طار قلب رامي غير مصدق نهاية الخصام والفراق، وبمجرد أن جلس على مقعده في منزله، نحت قلمه رائعة شعرية أضيفت الى تاريخ الشعر العاطفي في عالمنا العربي، فحكى حالته الغرامية الفريدة وهو الذي سيقابل حبيبته غداً.
وفي يوم اللقاء، وبينما كان يسير رامي فوق نهر النيل في طريقه للقاء أم كلثوم حسب الموعد، تخيل من فرط خوفه ضياع الحبيب منه إن الكوبري (الجسر) سيفتح ويقع في النهر قبل أن يرى حبيبته، لينظم حينذاك رائعته أو رائعتنا التي طالما استمعتنا بها «رق الحبيب»، التي تعبر بصدق وإحساس مرهف حالة العاشق وهو يسير نحو حبيته، فقال «رق الحبيب وواعدني وكان له مدة غايب عني، صعب عليا أنام أحسن ماشوف في المنام غير اللي يتمناه قلبي، سهرت أستناه وأسمع كلامي معاه وأشوف خياله أعد (قاعد) جنبى».
هكذا خاف رامي أن ينام ويطول منامه خشية أن يرى شخصاً آخر غير حبيبته، وليتخيل أحاديث مضت بين الروحين، ثم يتحفنا بقوله «من كتر شوقي سبقت عمري وشفت بكرة والوقت بدري، وإيه يفيد الندم مع اللي عاش في الخيال واللي قلبه سكن، وأنعم عينه بالوصاااااااااااااال».
لم يصدق رامي عينيه ولا حالته وهو الذي سيرى المحبوب بعد لحظات وإن كانت مثل الدهر، حيث عانى الآلام والفراق، ومن كثر وجده، شعر العاشق بخوف من عيون الحاسدين، ومعه كل الحق في خشيته من سرد حكايته أمام الأصدقاء والخلان، ليكون أحدهم واقع في حب حبيبته ليحسده.. وهنا يواصل حكايته قائلاً «طلع عليا النهار.. سهران بنور الأمل، وغنت الأطيار لحن الهوى والغزل، وفضلت أفكر في ميعادي وأحسب لقربه ألف حساب، وكان كلامي مع أصحابي عن المحبة والأحباااااااب، من فرحتي بدى أتكلم وأقول حبيبي مواعدني، لكن أخاف ليكون منهم مظلوم في حبه يحسدني».
ربما نكتفي بهذا من «رق الحبيب» الذي صور فيها رامي صوراً بليغة من الحب والشوق واللهفة للقاء المحبوب، ونتوجه الى كلمات أخرى صاغها أشهر شعراء الحب في العصر الحديث نزار قباني في قصيدته الشهيرة «أيظن»، والتي غنتها المطربة نجاة الصغيرة وتألقت فيها وكانت باكورة أغنياتها من القصائد، حيث لاقت نجاحاً كبيراً في أداء القصيدة. وهنا تتلاقى كلمات قباني مع «رق الحبيب» في المعنى ولكن مع اختلاف المضمون. فقد صور نزار قباني «تمنع» الحبيبة عن حبيبها ورغبتها «الشكلية» برفضه وعدم العودة اليه عندما عاد هو إليها، فتقول القصيدة «أيظن أني لعبة بيديه، أنا لا أفكر بالرجوع إليه، اليوم عاد كأن شيئا لم يكن، وبراءة الأطفال في عينيه».
وبينما أشتاق رامي لمحبوبته وأظهر تلهفه على رؤياها وتخيل أن الوقت مر حتى حان موعد اللقاء، فإن نزار قباني لم يرد أن يظهر هذه اللهفة في البداية حتى وإن كان الحبيب قد عاد لتوه لعاشقته التي قالت عنه: «ليقول لي إني رفيقة دربه، وبأنني الحب الوحيد لديه، حمل الزهور إلى كيف أرده، وصبايا مرسوم على شفتيه».. وفجأة تلتهب العاطفة بمجرد رؤيته لتنسي مباشرة ما سببه لها من آلام ومأسٍ وأحزان: «ما عدت أذكر والحرائق في دمي، كيف إلتجأت إلى زنديه، خبأت رأسي عنده كأنني، طفل أعادوه إلى أبويه».
لقد نسيت الحبيبة كل ما مضى، لتتذكر فقط حبها ولهيبها الى قبلات وأحضان محبوبها، وهنا يصور نزار قباني في رائعته «أيظن» أبلغ معاني الحب والعشق والهيام، فتخرج الكلمات بانسيابية من نجاة وكأنها تعلن للعالم أنها قد غفرت لحبيبها وسامحته لتبدع ناقلة كلمات قباني في وداعة ورقة: «حتى فساتيني التي أهملتها، فرحت به.. رقصت على قدميه، سامحته وسألت عن أخباره، وبكيت ساعات على كتفيه».
ونقترب من النهاية، طبعاً نهاية الفراق لتبدأ مشاعر الحب تتوهج من جديد، حتى أن الحبيبة لم تكد تشعر بيديها إلا وهي في يدي الحبيب، ولنكمل معاً ما قاله نزار قباني وأنشدت به نجاة وبدون أن أدري تركت له يدي، لتنام كالعصفور بين يديه، ونسيت حقدي كله في لحظة، من قال إني قد حقدت عليه، كم قلت إني غير عائدة له، ورجعت ما أحلى الرجوع إليه.
نعم، عادت الحبيبة الى حبيبها بعد هجر ونسيان منه في حكاية جميلة صاغ كلماتها نزار قباني ونقلتها لنا بصوتها الدافئ نجاة الصغيرة لتنهي حديثها «فما أحلي الرجوع اليه».. وقبلها عاد الحبيب الي حبيبته بعد شوق ولهفة، في قصة مبدعة وحقيقية لأحمد رامي واتحفتنا بها أم كلثوم، صورت أروع قصة حب ولهفة وشوق والعودة للحبيب، ونختم معا بما شعر به رامي لتنقله أم كلثوم الى مسامعنا في تحفة غنائية: «هجرت كل خليل ليا وفضلت عايش على ذكراه، ولما قرب ميعاد حبيبي ورحت أقابله، هنيت (هنئت) فؤادي على نصيبي من قرب وصله، ولقيتني طاير بالدنيا بكل الللي أهواااااااااه، بس اللي كان فاضل ليا...، بس اللي كان فاضل ليا.....، أسعد بلقياااااااااااااااااااااااااااااه، ولقتني خايف على عمري ليرووووووح مني، من غير ما شوف حسن حبيبي».
إنه الحب الذي يشرق مع نسمات الفجر الرقيقة وهي تهل علينا حاملة أشعة الحنين واللهفة والأشواق لمن تحب القلوب وتسعد برؤاه الأبصار وتطير به ومعه الأرواح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها