النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

الكويتي المعروف في دبي أكثر من بلده

رابط مختصر
العدد 9742 الجمعة 11 ديسمبر 2015 الموافق 29 صفر 1437

معظم الذين زاروا إمارة دبي لابد وأنهم سمعوا أو زاروا أو ترددوا على «سوق مرشد»، الذي يعتبر من أقدم أسواق الإمارة وأكثرها شعبية وازدحاما.
يقع هذا السوق بمنطقة الراس في بر ديرة بجانب مركز البريد وسوق السمك وأسواق الذهب، ويشتمل على محلات تبيع بالجملة والمفرق مختلف أنواع السلع والبضائع والأجهزة المستوردة من الهند والصين وإيران وتايلاند وهونغ كونغ وتايوان، ولاسيما البخور والعطورات والأعشاب والبهارات الشعبية الهندية ذات الاستخدامات التقليدية في عموم منطقة الخليج، إضافة إلى الملابس والأقمشة والسجاد والحقائب والمستلزمات المنزلية والإلكترونيات.
وعلى الرغم من ظهور أسواق أخرى شبيهة له أو مختلفة عنه في دبي وسط الأبراج الشاهقة، وعلى الرغم من انتشار «المولات» والمجمعات التجارية الفخمة والمريحة في مختلف أرجاء هذه الإمارة التي تسابق الزمن في كل شيء، إلا أن «سوق مرشد» ظل محافظًا على طابعه التقليدي الخاص، يتحدى الأسواق الأخرى لجهة جذب المواطنين والوافدين والسياح من مختلف الأعمار والطبقات والجنسيات، والتفنن في عرض السلع من خلال الدكاكين المصممة بطريقة تبرز الملامح العمرانية القديمة لدبي.


ومن المؤكد أن هذا السوق إختلف عما كان عليه قبل عقود من الزمن ككل شيء في دبي.
وشاهدنا على صحة ما نقول هو رجل الأعمال الإماراتي والتاجر المعروف في مجال تسويق العطور العربية والعود ودهن العود في دبي أحمد فولاذ حسن فولاذ الذي قال في حوار أجرته معه الصحفية الإماراتية موزة خميس لصالح جريدة الاتحاد وتم نشره في 27/‏7/‏2010 ما معناه أن أغلبية تجار سوق مرشد في الماضي كانوا من أهل دبي وبعضهم من بلاد فارس ولم يكونوا من الآسيويين كما هو الحال في الوقت الراهن، وأن السوق كان يسمى بسوق التمر، وكان مكانا يرتاده القادمون من جبال حتا ومن صحراء دبي ومن الجزر للتزود بكل إحتياجاتهم، كما كان مكانا يأتي إليه سكان دبي لبيع منتجاتهم المنزلية أو بيع الفحم والحطب والماعز والسمن وغيره.
غير أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بعد هذه المقدمة الوصفية والتاريخية للسوق هو لماذا سمي الأخير بهذا الاسم؟ فاذا كان «سوق نايف»، وهو سوق شعبي آخر في دبي يقع على مسافة غير بعيدة عن «سوق مرشد»، قد سمي بهذا الإسم بسبب تموضعه حول «قلعة نايف» الموجودة في بر ديرة وهي قلعة أمر ببنائها الحاكم الأسبق المغفور له سمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في عام 1939 ليكون أول مركز لشرطة دبي مع إحتوائه على مكتب القائد العام ومكاتب الشرطة والمباحث والمحكمة وسكن بعض الضباط وغرف التوقيف، فإنه ليس هناك ما يوحي بارتباط اسم «مرشد» بموضع أو أثر مكاني.
والحقيقة أن الكثيرين لا يعرفون أن مرشد الذي أطلق اسمه على السوق هو التاجر الكويتي «مرشد راشد القحطاني» الشهير بـ«مرشد العصيمي»، حيث إن الرجل استعار لقب العصيمي من خاله «دخيل العبدالمحسن العصيمي» الذي تولى تربيته ورعايته قبل أن يستشهد في معركة الجهراء (معركة دارت رحاها في الجهراء غرب مدينة الكويت بتاريخ العاشر من أكتوبر 1920 بين قوات آل صباح بقيادة الشيخ سالم المبارك الصباح وقوات الإخوان البدو المتشددين الموالين وقتذاك لسلطان نجد عبدالعزيز آل سعود بقيادة فيصل بن سلطان الدويش). يقول قيس الأسطى في مقال كتبه في صحيفة القبس الكويتية (21/‏2/‏2015) ان العصيمي تزوج من ابنة خاله بعد استشهاد خاله في معركة الجهراء المشار إليها، خصوصا وأنه كان قد نشأ وتربى في منزل خاله.
أما محمود يوسف الفليج، رئيس مجلس إدارة بنك بوبيان، وهو حفيد العصيمي فيقول طبقا لما أورده حمد الحمد في مقال له بالقبس الكويتية (17/‏4/‏2010) أن جده لأمه مرشد العصيمي ولد في الكويت في العقد الثاني من القرن العشرين، وأنه عاش فيها حتى عام 1944، ومن ثم غادرها إلى دبي بحثاً عن الرزق.
ويضيف الحفيد ما معناه أن جده عاش في دبي ردحاً من الزمن، مارس خلاله الأعمال التجارية والعقارية فحقق نجاحا كبيرا خصوصا وأن دبي في تلك السنوات المبكرة من القرن العشرين كانت تخطو خطواتها الأولى.
وتأكيد للكلام السابق حول ممارسة العصيمي للتجارة في دبي ونجاحه فيها يقول النوخذة الإماراتي المسن علي عبدالله ميرزا المقيم حاليا في خورفكان طبقا لحديث أدلى به لصحيفة «الإمارات اليوم» (19/‏11/‏2010) أنه كان يتوجه إلى بومباي وكالكتا وكيرالا ليشتري من هناك الأخشاب التي تستخدم في صنع السفن والأبوام، و«الجندل» المستخدم في بناء أسقف المنازل والغرف ثم يعود بها إلى دبي ليبيعها على العصيمي، مضيفًا أن الأخير «كان يملك متجرًا كبيرًا في منطقة ديرة» لهذا الغرض.
غير أن نشاط العصيمي لم ينحصر في الأعمال التجارية والعقارية، وإنما تجاوزها إلى الدخول في الصناعة الترفيهية بدليل أنه كان وراء إقامة أول صالة عرض سينمائية في دبي، أي قبل أن تظهر صالات سينما ستراند وسينما النصر وسينما بلازا وغيرها بنحو عقدين من الزمن.
وفي هذا السياق يخبرنا الكاتب إبراهيم الملا في مقال مطول نشره في صحيفة الاتحاد الإماراتية (16/‏4/‏2015) ما يلي: «عرف سكان دبي السينما كطقس فرجوي في الخمسينيات من القرن الماضي، عندما أنشأ رجل الأعمال الكويتي مرشد العصيمي أول دار عرض سينمائي وأطلق عليها (سينما الوطن)، لتتشكل بذلك أول ملامح الترفيه البصري وسط بيئة عمرانية ناهضة»، وليكون ذلك نقطة البداية في المسيرة الثقافية والفنية الطويلة لدبي التي تفردت في عام 2014 بتنظيمها لأول مهرجان سينمائي دولي في منطقة الخليج العربي.
إلى ما سبق عرف العصيمي في دبي باسم «أبو المعلمين»، فما قصة هذه التسمية؟ يقول رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق في دولة الكويت الدكتور محمد إبراهيم الشيباني في عموده المنشور في صحيفة القبس (25/‏4/‏2009) ما مفاده أن المدرسين في دبي أطلقوا على التاجر الطيب مرشد العصيمي هذا اللقب لأنه كان يحل لهم كل مشاكلهم من خلال توليه دفع المرتبات الشهرية للمدرسين الكويتيين والمصريين المنتدبين من الكويت ومصر للتدريس في إمارات ومشيخات الساحل المتصالح (الإمارات السبع المكونة لدولة الإمارات العربية المتحدة). لكن العصيمي لم يكن يدفع الرواتب إحسانا أو صدقة، وإنما يقوم بعد دفعها وتدوينها في سجلاته بتحصيلها في نهاية كل عام دراسي من دائرة المعارف الكويتية التي كانت بمثابة وزارة للتربية والتعليم قبل استقلال الكويت.
وهذا ما أكده استطلاع عن دبي قامت به مجلة العربي الكويتية الشهرية في عددها رقم 22 الصادر في عام 1960.
ثم أكده لاحقا الأديب والدبلوماسي والمفكر الكويتي من أصول حضرمية المرحوم أحمد السقاف في حوار أجراه معه الكاتب حمد الحمد في 30/‏5/‏2009.
فبعد أن وصف السقاف العصيمي بأنه كان صديقا حميما يعرفه تمام المعرفة، وصاحب شخصية جادة في عملها وودودة ومرحة ومحبة للطرفة قال إن: «حكومة الكويت عندما أرادت في أواخر الخمسينات والستينات أن تقدم مساعدات في الخدمات التعليمية إلى إمارات ساحل الخليج، راحت تبحث عن شخصية تقوم بذلك، فلم تجد أفضل من التاجر الكويتي المقيم في دبي مرشد العصيمي، ورغم انه قبل المهمة، لكنه قبلها تطوعا ومن دون مقابل، وقام بالمهمة خير قيام حتى تم انشاء الهيئة العامة للخليج والجنوب العربي»، وهذه الهيئة كانت عبارة عن جهاز مستقل مرتبط بوزارة الخارجية الكويتية، وتأسست في مطلع الستينات بهدف بناء المدارس والمعاهد والمستشفيات والمستوصفات في اليمنين الشمالي والجنوبي وفي البحرين وجنوب السودان ومشيخات الساحل المتصالح كترجمة لقناعة حكام دولة الكويت الشقيقة بمسؤوليتهم الوطنية والأخلاقية والانسانية إزاء دول المنطقة الأقل نموا.
وقتها لم يجد وزير الخارجية (أمير الكويت الحالي) سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح شخصًا أكفأ من السقاف ليوليه منصب العضو المنتدب لـ«الهيئة العامة للجنوب والخليج العربي» بدرجة سفير.
ولا يختلف هذا كثيرًا عما قاله قيس الأسطى في مقاله سالف الذكر.
فقد ذكر أن المساعدات التعليمية الكويتية لإمارات الساحل كانت ترسل من قبل باني نهضة الكويت وحاكمها الأسبق المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح، وكانت تشتمل على رواتب المدرسين المنتدبين من الكويت ومصر والكتب والكراريس والمواد القرطاسية الأخرى مشيرًا إلى أن هذه المعونات كانت تجمع أولاً في منزل مرشد العصيمي بالكويت ثم ترسل بعد ذلك إلى الإمارات، علمًا بأن التعليم النظامي في دبي بدأ في عام 1956 حينما قدمت بعثة تعليمية كويتية للتدريس في المدرسة الأحمدية (أول مدرسة شبه نظامية افتتحت في دبي وسميت بهذا الاسم نسبة إلى بانيها وهو الوجيه الشيخ أحمد بن دلموك)، ثم توالى وصول البعثات التعليمية من الكويت ومن مصر ومن قطر.
وفي عام 1966 أنشأت الكويت أول معهد للمعلمين ملحق بثانوية دبي.
أما التعليم النظامي في إمارة عجمان مثلاً فقد بدأ في عام 1958 بمدرسة أنشأتها الكويت عن طريق مرشد العصيمي، ثم تلتها مدرسة للفتيات باسم «مدرسة خديجة الابتدائية» أقامتها الكويت في عام 1967، وذلك استنادًا إلى ما ورد في كتاب «التربية والتعليم في دولة الامارات العربية المتحدة» من تأليف الدكتور صلاح عبدالحميد مصطفى، والدكتور نجاة عبدالله النابه، والدكتور محمد خلفان الرواي.
وعائلة العصيمي من العائلات الأصيلة المؤسسة للكويت، وهي ذات أصول نجدية.
حيث إن أجدادها نزحوا إلى الكويت من محافظة الزلفي السعودية بحثًا عن العمل ولقمة العيش وطلبًا للعلم أيضًا.
وفي هذا السياق، عثرت في موقع تاريخ الزلفي الإلكتروني ما يفيد أن الزلفي كغيرها من المناطق النجدية واجهت في الفترة السابقة لقيام المملكة العربية السعودية القحط والجوع والفتن والحروب والأمراض والأوبئة، الأمر الذي تسبب في إنقراض بعض الأسر، ورحيل بعضها الآخر إلى الأحساء والزبير والبصرة والكويت، بل وحتى بلاد الشام خصوصا وأن أهل الزلفي اشتهروا منذ القدم بحب السفر والترحال والتغرب لفترات طويلة على نحو ما ذكره المؤرخ بن لعبون.
ويعتقد أن أسرة العصيمي كانت ضمن أكثر من 150 أسرة هاجرت من الزلفي ونزلت حي خيطان في الكويت هربًا من موجة الجوع التي عصفت بعموم نجد في سنة 1328 للهجرة وهي السنة المعروفة بـ«سنة ساحوت». ولعل خير وصف لأوضاع نجد البائسة وقتذاك، والتي أهلكت الكثيرين ودفعت بالبقية الباقية إلى الهجرة، هو ما قاله شيخ عنزة عبدالله بن هذال شعراً:
حلفت أنا يا نجد ما أرخصك عندي
مير الدهر والوقت فينا جار
 سبع سنين ما لمع فيك برق
مات الحلال ويبست الأشجار
ولجهة النسب، فإن العصيمي يرجعون إلى رشيد بن سليمان من بني العنبر بن عمرو بن تميم، وهذا انتقل من قفار (مدينة تقع في شمال المملكة العربية السعودية، كانت مسكنًا وموطنًا لقبيلة بني تميم، وعرفت قديما باسم «الهييماء») إلى الزلفي سنة 1190 للهجرة، ومن الأخيرة هاجروا إلى الأحساء والكويت والشام للاسباب التي أتينا على ذكرها.
وقد أكد ذلك علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر في الصفحة 546 من الجزء الثاني من كتابه «جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد»، وثلة أخرى من المهتمين بالأنساب من أمثال حمد الحقيل وعبدالكريم الحقيل والشيخ محمد العثمان القاضي، والأستاذ ماجد السنيدي.
وممن أتوا على ذكر التاجر مرشد العصيمي الأكاديمي والصحافي الامريكي كريستوفر ديفيدستون صاحب كتاب «دبي..
النجاح غير المحصن» الصادر بالانجليزية عن مطبعة جامعة كولومبيا في نيويورك في عام 2008، وهو الكتاب الذي ترجمه إلى العربية فضل سالم تحت عنوان «دبي.. للنجاح ثمن». يقول المؤلف عن العصيمي أنه تاجر كويتي استطاع أن يبني لنفسه ثروة كبيرة في خمسينات القرن العشرين من خلال إستيراد المواد الغذائية وتسويقها في زمن كانت المنطقة فيه تعاني من نقص شديد في هذه المواد، الأمر الذي جعله يحظى بنفوذ اقتصادي ووجاهة اجتماعية في دبي، معطوفا على منزلة خاصة لدى الحاكم آنذاك المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي إختاره كأحد جلسائه وضمه إلى مجموعة مستشاريه، بل وأوكل إليه أيضا مهمة فض المنازعات على الطريقة القبلية.
وكانت هذه المنازعات في تلك الأيام تسوى من خلال محاكم خاصة كانت تعقد داخل منازل الأعيان والوجهاء كمنزل العصيمي ومنزل بن سليم، ثم انتقلت إلى جزء من المدرسة الأحمدية، فإلى دكان بسوق العرصة في بر ديرة، وذلك قبل البدء في إستحداث المحاكم الرسمية بشكلها الحالي في عام 1956.
ومجمل القول ان العصيمي لعب، دون شك، دورا في تاريخ دبي الحديث قبل أن يعود إلى وطنه الأصلي ومسقط رأسه بصفة نهائية في عام 1972، منهياً بذلك رحلة كفاح ونجاح امتدت لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
غير أن عودته إلى الكويت لم تنسه دبي إذ كان يتردد عليها بين الفينة والأخرى ضمن رحلاته إلى بعض العواصم العربية مثل القاهرة وبيروت إلى أن وافته المنية رحمه الله في الثالث من يناير من عام 1975 في الكويت ودفن فيها، مخلفًا وراءَه ثلاث بنات، حيث إن ولده الوحيد خالد توفي في سن مبكرة.
وأخيرًا فإن البعض تساءل بفضول عن الأسباب التي دعت العصيمي إلى ترك بلاده التي كانت وقت هجرته إلى دبي في منتصف الأربعينات أفضل من الأخيرة بعشرات المرات سواء لجهة الفرص التجارية المتاحة، أو لجهة مستويات المعيشة وتوفر أسباب الرفاهية، فاعتقد هذا البعض أن للأمر علاقة بتجارة الذهب مع الهند والتي كانت تمارس في دبي بصورة أقوى من بقية بلدان الخليج.
غير أني لم أعثر على أي مصادر موثوقة تؤكد مثل هذا الاعتقاد باستثناء ما هو معروف من أن الرجل كان يملك سفنا تتنقل ما بين الهند ودبي.
حيث إن أحد النواخذة الذين عملوا على ظهر سفنه وهو النوخذة الكويتي المعروف وخبير الملاحة التقليدية المرحوم ناصر بن يوسف بن حجي بن ناصر، المتوفى في عام 1997 نقل عنه أنه قاد سفن العصيمي إلى الهند وكذلك إلى موانيء شرق أفريقيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها