النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي «17»

رابط مختصر
العدد 9741 الخميس 10 ديسمبر 2015 الموافق 28 صفر 1437

بدت الحركة عام 1964 من الخارج جثة منتفخة ولكنها من الداخل كانت تمر بفترة عصيبة، منهوكة القوى تحاول استنهاض طاقتها وقدراتها بالعناصر الطلابية الجديدة، وقد ازعجها في الشهور الأولى من السنة، إشاعة خبر موت عيسى حسن الذوادي في المعتقل نتيجة التعذيب، فانتشر مناخ من الرعب وحسب قول علي الشيراوي: «سمعت وأنا في القاهرة ان – عيسى – استشهد تحت التعذيب 64، ونشرت الخبر مجلة الحركة (الحرية) وبناء عليه اخذنا في الرابطة موقف الاحتجاج ومنه إرسال برقية الى الامير». لقد تميزت الفترة من 62 - 64 تراجع انخراط العناصر المهنية الاخرى، وتحول الجسم التنظيمي بعد 63 - 64 بغالبيته العظمى لعناصر طلابية فيما عدا الصف القيادي، الخط الاول والثاني، بينما كل القواعد والروابط والكوادر المتوسطة والدنيا، طلبة ثانويات واول اعدادي، وكأنما الحركة تقود «اتحادا للطلبة !» اكثر من كونه تنظيم سياسي جماهيري متنوع يستقطب في داخله الموظفين والعمال والمستخدمين، اللهم نماذج أسماء عمالية قليلة من بابكو من مثل راشد القطان ومبارك العطاوي وماجد فرج واحمد صالح (على سبيل المثال لا الحصر) هؤلاء دخلوا الحركة في مرحلة ما قبل الضربة 62 وخلالها ولكن بعدها لم نشهد توسعا عماليا يستحق الذكر.
هذا اذا ما عرفنا ان حتى وقت قريب من اواخر عام 1963، كان القصاب والشيراوي والشملان كقادة ضمن المناخ الطلابي الخارجي، ولم يعملوا كموظفين إلا الشملان في الكويت لمدة عام ثم عمل في البحرين في مصنع الكوكا كولا من أواخر 64 لغاية مارس 65، فيما القصاب والشيراوي عملا مدرسين في سلك التعليم في العام الدراسي 1960- 1962، وظل عنصرا حركيا مهما من جيل القيادة، هو عيسى حسن الذوادي الذي خرج من السجن في منتصف عام 1964 لينضم للعمل في مصنع الكوكا كولا ضمن كوكبة الملاحقين والمنبوذين، وعاش بحذر واتصالات تنظيمية فردية.
وللخروج من الازمة ومرحلة ما بعد اعتقال دينامو الحركة عبدالله المعاودة، فقد كلف المعاودة علي الشيراوي قبل اعتقاله بشهور بمهمة تاريخية اساسية، بتشكيل اتحاد طلابي للحركة، والمهمة التاريخية الثانية انيطت على كاهل الشيراوي هو إعادة تشكيل قيادة تنظيمية جديدة للحركة، وقد ذكر لي علي الشيراوي في المقابلة والاحاديث المتداولة على الدوام، من خلال سيرة حياته السياسية، عن تلك المحطات والتعرجات التي عاشها.
بعد أن دفعت الحركة (والكلام لنا) ثمن الخطيئة الكبرى في تاريخها السياسي بقبول تهريب عبدالله الزياني ومن ثمة انكشاف مخابئ ورموز قيادية للامن، وبدفع الامن لحالة الاستنفار بتكثيف مراقبته لبقية الخيوط المتعلقة بحادثة الهروب تلك، في هذه الفترة ما بين الشهرين الاخيرين من سنة 64 لاعتقال عبدالله المعاودة حتى منتصف فبراير 1965، كانت الحركة تشعر بأنها بحاجة لبناء قيادة جديدة، وكانت أمام الحركة مهمتان عسيرتان، مهمة بناء الحركة من جديد والمهمة الثانية تفعيل الحركة كتنظيم سياسي بآلية مختلفة وطرح مختلف.
ووفق المقابلة مع الشيراوي قال: «في منتصف فبراير 65 دعا البعض إلى تأسيس الحركة فطرح علي لتأسيس قيادة جديدة مشكلة من عبدالله القصاب، فيصل فالح، جاسم نعمة، عيسى الذوادي، احمد الشملان وأنا (الشيراوي)» ولكن حدث اختلاف على طريقة الطرح. (من الملاحظ تقارب الاعمار ماعدا عيسى الذوادي اكبرهم سنا). تلك المهمة الاولى أما المهمة الثانية فلم يتح الوقت للقيادة الجديدة النهوض بذاتها كقيادة وتنظيم باستهاض عمودها الفقري باستعادة انفاس البنية التنظيمية وحلقاتها وخلاياها إلا في نطاق ضيق ومحدود.
إن ذلك التوقيت الحرج بشهور وبتكليف من المعاودة قبل اعتقاله، فقد كلفت الحركة الشيراوي صاحب الخبرة الطلابية في الخارج بتشكيل اتحاد طلبة البحرين، وكان الشيراوي نفسه المسؤول التنظيمي عن مجموعة القيادة الحركية لاتحاد الطلبة المؤلفة من جاسم الخاجة، والقاضي المرحوم أحمد يعقوب كمال، وشاكر عبدالله عقاب.
بتلك الصورة الواضحة كانت الحركة تلملم نفسها من الداخل، وكان التاريخ يخفي لها بعد شهر تقريبا حراك شعبي واسع فاق طاقتها التنظيمية، فساهمت الحركة بصب الزيت في لهيبه، دون أن يكون لها قدرة على احتواء الشارع المنفلت، فسحبها المد العاطفي العارم والحماس السياسي للجماهير بعفويتها للمتاهات البعيدة، دون ان تتمكن قيادة الحركة من بناء «قيادة ظل بديلة» عند الضربات، ولا بناء تنظيمي حديدي تحكمه ضوابط تنظيمية..
وإنما سيكون مصيره ورطة الحركة في الانتفاضة، حيث انها كانت بعقل قيادي مرتبك، مشوش، ثم صار مهزوزا، بعد التتابع والتسلسل في تعقب الوجوه القيادية وقصم عمودها الفقري تدريجيا، ليتحول برؤية متطرفة جديدة تصعيدية في مرحلة من مراحل تطور الانتفاضة، تتحمل الترويكا (القطان والشملان وشاكر عقاب، الذي لم يكن قياديا ولكن سخرية التاريخ والصدفة التاريخية وضعته في مهمات كبرى بدت وكأنها مهمات زعامية) يشاركهم التصعيد ونزعته، محمد جابر صباح ومحمد عجلان (الثوريين العرب) ومحمد بونفور (الشباب الناصري) المسؤولية التاريخية لتبعاتها، ولو لم يعتقل علي ربيعة مبكرا فسيكون حتما مع التصعيد باعتباره توجه في الاساس ثوريا وعنفيا مع فكرة المقاومة الشعبية المسلحة والكفاح المسلح.
ليس من مهمتنا التوثيقية للتاريخ، الصمت والنقد والمحاسبة وحسب ولا بالتصفيق والتلميع المطلق للبطولة أو التقليل من ايجابياتها وايجابية دور حركة القوميين العرب والحركة الوطنية في انتفاضة مارس وفعلها ومؤثرها السياسي ونتائجها اللاحقة، وإنما بالسؤال التاريخي الهام هل كان بامكان الحركة الوطنية اولا وحركة القوميين العرب ثانيا، تجنيب البلاد والتنظيمات الاخرى تلك الخسائر والتضحيات؟! وكالعادة لم يتوقف أحدا ليشير بأصبعه للارث الوطني من منظور نقدي تاريخي، وكأنما تاريخ البحرين السياسي يفضل اللغة الاخلاقية سياسيا بعبارة «عفا الله عما سلف» أو اغفال الملف والصمت عنه نهائيا، وكأنما التهمة وحدها تقع على طرف واحد هي السلطات المحلية، وحكم الاستعمار البريطاني البغيض، ونعلق اخفاقاتنا وتورطنا وتوحلنا المؤلم في الانتفاضة تلك «الكارثة الثورية» على الطرف المقابل كمشجب أحادي الجانب، حيث تصبح النظرة الموضوعية للتاريخ من اجل الحقيقة مصابة بالشلل الفكري والمنهجي وعمى البصيرة.
ومن المفترض ان تكون الحركة وقيادتها أول من يدرك قدراتها وامكانياتها الحقيقية في مواجهة السلطة والدفع بتكتيك التصعيد، دون وضع السيناريوهات الممكنة لفن التراجع والتفاوض، بعد أن كانت الحركة الاضرابية العمالية قد استنفذت امكانية المواصلة مع الجناح الطلابي في المواجهة من الاسبوعين الاولين من انطلاقتها في مارس.
وبدون ذلك الذراع الطبقي العمالي المنظم والمؤثر كبابكو تحديدا، مركز الانطلاقات العمالية منذ 1938 تفقد أي حركة سياسية اهميتها وقدرتها على التأثير في القرار السياسي والمطلبي، مثلما كانت الثانوية (العودة) مركز الحراك الطلابي، فلن تستطيع أية حركة مدنية سياسية احتجاجية تغيير ميزان القوى لصالحها بكل سهولة، متوهمة أن الاحتجاجات اليومية الطلابية او الشعبية العفوية نزهة سياسية كافية لا نهاية لمطافها ودورتها.
ثمة سؤال في خضم الانفعال السياسي لنبض الشارع، ماذا بعد الاعياء والافق المغلق المجهول للانتفاضة في اسابيعها الاولى؟ وما ينبغي عمله (مالعمل؟) لتستطيع القوى السياسية مناطحة الجدار الشاهق السميك أم تتراجع تكتيكيا بعد أن باتت «خطوتان للامام» بل وخطوات للخلف، اشبه بالمستحيل لانكماش دائرة الانتفاضة وقيادتها المختفية من الحركة الجماهيرية العفوية المنهكة، وقد كان مطلوب منها التنازل بخطوات كثيرة للوراء لحقن دماء الشعب من جراء التصعيد، منذ الخسائر الاولى من الجرحى في المحرق يوم الجمعة 12 مارس والسبت 13 مارس في المنامة و14 مارس في النويدرات باستشهاد عبدالله سرحان وعبدالنبي سرحان (خال عبدالله) وجاسم خليل الصفار من المنامة، حيث سيسقط اول ثلاثة شهداء للانتفاضة وهي في انطلاقتها المبكرة.
لم يتوقف أحد يومذاك لقراءة ما معنى العنف المتناهي للسلطة المحلية والاستعمارية في التعامل مع حركة احتجاجية سلمية بمطالب عمالية وهي في أيامها الاربعة الاولى!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا