النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الحداد على الحقيقة

حول فن إدارة الكذب وتدويره

رابط مختصر
العدد 9740 الأربعاء 9 ديسمبر 2015 الموافق 27 صفر 1437

لماذا يمتلك البعض القدرة العجيبة على ممارسة فن «تدوير» الكذب إلى ما لا نهاية، ليصير حقيقة ساطعة؟ من أين يمتلكون هذه الطاقة العجيبة لجعل نصف المائة عشرين، وضعف الخمسة سبعين، ومجموع واحد وواحد ثلاثة وثلاثين، وواحد ضارب واحد يساوي صفرا؟ من أين لهم مثل هذه العبقرية الفذة التي لا مثيل لها في العالم وفي الحضارات القديمة والجديدة؟
إذا كنا قد تعودنا على ان يكون الكذب جزءاً من خطابات السياسيين الذين يضطرون الى تمريره وتبييضه، بتسميته بفن المناورة او التفاوض او الواقعية، لأن فن السياسة يكاد يكون ابن عم فن الكذب، فإن ما يدعو للدهشة أن تنتقل العدوى إلى بعض المثقفين الذين نحسب ان بعضهم غير قادر على إجراء عمليات الجمع والضرب والقسمة وفق المنطق الرياضي البسيط؟ فاذا بهم يتلاعبون بالكلمات والبيانات المتعالية المنمقة، تداهن وتوارب في لعبة التوصيف الثقافي الجدي والهزلي على حد سواء، بما يفتح الباب مشرعا أمام فنون تطوير الكذب وإدارته.
لقد بينت تجارب التاريخ الإنساني القديم والحديث أن المثقف لن يكون في موقع الهادي المنير المستنير، إلا إذا كان «مستقلاً» ليس بمعنى العزلة أو الجلوس على الربوة، الاستقلالية تعني الاستقلال عن الهوى والطمع المحسوب والاستقلال يعنى الانحياز للحق لأنه حق في ذاته، والاستقلال يعنى القدرة على ممارسة النقد الذاتي أولا، والنقد في موقع النقد، والثناء في موقع الثناء، وأن يكون المثقف هادماً لما يجب هدمه، وبناء في موقع البناء. وذلك لأن المثقف لا يكون مؤثرا إلا إذا كان مستقلا، ولن يكون مستقلا إلا إذا كان مستور الحال مقضي الحاجة، لا تضطره الفاقة والعوز إلى إراقة ماء الوجه، والتكفف الفاضح، وبيع النفس والعقل والروح. لذلك تنبهت السلطة المستنيرة على مدار التاريخ، إلى ذلك، فأعطت للمثقف (إذا كانت له قيمة معرفية في مدارج الحكمة) كل به يكون مستقلا، وما يضمن استقلاله -تماما مثل القاضي - لتستثمر فيه العلم والحكمة، بدلا من أن يكون مجرد مزين لها، لأنها تعلم علم اليقين أن المثقف إذا دار في فلكها، وتمتع بنعيمها وجاهها، أصبح مسلوب إرادة العقل، تروضه «الأشياء» وتراوده على نفسه الأمارة بالتسول، خصوصا عندما تداويه بالتي كانت هي الداء، فتسطر له خطوط طول العقل، وخطوط عرض القلم وألوان بنات الأفكار، وسواء أكان خطابه مقنعا أو مقنعا، فغايته الأولى والأخيرة إرضاؤها، لا تنويرها وبالتالي إنارتها، وعندما يعمل على إرضائها، فان الأشياء والمواقف والاقوال والخطابات، تترجم إلى منافع وفوائد منثورة، قد تصرف أوراقا نقدية أو صكوكا بنكية، وقد تصرف في شكل مناصب أو كراسي، فلكل مجتهد نصيب، ولكل عرض طلب، وفق قانون سوق الأخلاق المنقولة، وفي هذه السوق نرى لزاما التوقف «دقيقة صمت» حدادا وترحما على قيم الحقيقة والحرية والموضوعية والصدق، وهنا تبدأ ماكنة تدوير الكذب وادارته، وهو كذب منمق مرسوم بدقة وبالألوان الزاهية، إلا أنه يبقى في النهاية كذبا.
فإذا عاش المثقف في الركاب، صار بوقا، محسوبا، تابعا، يلحقه ما يلحق المتبوع من انتكاسات ومن عداوات طالما أنه يتطابق معه ويتماهى معه، وأعرب عن استعداده ليكون الوجه الثاني للعملة، وسواء طال زواج المتعة بينهما أو قصر فلا بد أن ينتهي بطلاق التراضي إذا افترضنا أننا إزاء علاقة لا تلتهم أبناءها، وعندما يفقد المثقف مصداقيته لا تعود هنالك حاجة له ولخدماته لأنه يصبح اسما عاريا عن كل حقيقة، وكل أوراقه مكشوفة، ولأنه خبر كواليس السياسة ودهاليز صنع القرار لن يرضى في كل الأحوال بشرف المحاولة، بل سيظل يناور ويساوم، عله يظفر بما يؤثث به عزلته، ويؤمن شيخوخته المبكرة، لأن أقلام الحراسة لا تحرس سوى مصالحها قبل أن تحرس مصالح الحقيقة، وتحمي قلاعها قبل أن تحمي قلاع المصلحة العامة، وتدافع عن شرعيتها قبل أن تدافع عن كل شرعية، فهي المنطلق والمنتهى والباث والمتقبل، والسائل والمسؤول، والفاعل والمفعول، ولله مرجع الأمور.
لقد جرني إلى هذا الحديث مقال قرأته مؤخرا لمثقف عربي حول الأزمات المستشرية في الوطن العربي، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية وانخفاض العوائد وتراجع دولة الرعاية واستشراء الإرهاب والترهيب والفوضى، حيث كتب صراحة: «إن مشاكلنا ليست فكرية أو ثقافية، وإنما هي اقتصادية عاجلة، الناس تبحث عن لقمة العيش، هذا همهم وهذه قضيتهم وما عدا ذلك فلا أهمية له».
وأول ما يثيره كلام من هذا القبيل أن أهم ما يفتقده عدد من مثقفينا هو شمولية النظرة، ولهذا تراهم كلما حدثت أحداث، أو قامت احتجاجات، انشغلوا بها وبأهدافها وأسبابها القريبة والمباشرة، ولم يغوصوا في أعماقها وخلفياتها، فيبقى الحدث معلقا، بلا أرضية وبلا جذور، وغالبا ما يأتي التحليل سطحيا مسطحا، او مؤولا على قياس المنظومات الأيديولوجية التي ينتسبون إليها، أو وفق ماكنة تدوير الكذب وإدارته على نحو فاضح مفضوح.
همس
بعد انتهاء «حرب اللحم» التي ألهت العباد ردحاً من الزمن، انطلقت معركة أسمتها بعض الصحف بكارثة الأمطار، مع انها «مطرة» واحدة وحيدة، طالما انتظرناها، فلما حلت اختفت، من كثرة البكاء والعويل وشكوى من آثارها. مع أن العرب هم أكثر من يحب الأمطار ويشتاقون لها، بل وتفننوا في إطلاق الأسماء والاوصاف عليها، تتبعا للحظاتها وأحوالها، فإذا أحيت الأرض بعد موتها فهي الحيا. فإذا جاءت عقيب المحل أو عند الحاجة إليه، فهي الغيث. فإذا دامت مع سكون، فهو الديمة، فإذا زادت، فهو الهتلان، والهتان، فإذا كان القطر صغارا كأنه شذر، فهو القطقط، فإذا كانت مطرة ضعيفة، فهي الرهمة، فإذا كانت ليست بالكثيرة، فهي الغيبة، والحفشة، فإذا كانت ضعيفة يسيرة، فهي الذهاب، فإذا كان المطر مستمرا، فهو الودق. فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع، فهو الوابل. فإذا انبعق بالماء، فهو البعاق. فإذا كان يروي كل شيء، فهو الجود. فإذا كان عاما، فهو الجدا. فإذا دام أياما لا يقلع، فهو العين. فإذا كان مسترسلا سائلا، فهو المرثعن، فإذا كان شديد الوقع كثير الصوب، فهو السحيفة. فإذا كان شديدا كثيرا، فهو العز والعباب، فإذا أتى المطر بعد المطر، فهو الولي. فإذا رجع وتكرر، فهو الرجع. فإذا تتابع، فهو اليعلول... وهكذا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها