النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الأمة العربية وظاهرة التقدم إلى الخلف!

رابط مختصر
العدد 9740 الأربعاء 9 ديسمبر 2015 الموافق 27 صفر 1437

من ألغاز التاريخ العربي المعاصر التي شغلني البحث عن تفسير لها خلال السنوات الخمس الأخيرة على الأقل، ظاهرة التقدم إلى الخلف التي تميزت بها حركة هذا التاريخ.. إذ كنت - كغيري من المتابعين لهذه الحركة من جيلي - نؤمن إيمانا جازما بأنها تسير وفقا لحقيقة تاريخية صارمة، تقضي بأن نتطور من مجتمعات إقطاعية تقيم أنظمة حكم ثيوقراطية استبدادية، إلى مجتمعات رأسمالية تحكمها أنظمة قومية ليبرالية، تقود - بالضرورة - إلى مجتمعات اشتراكية تحكمها أنظمة حكم ديمقراطية شعبية، لولا أن سببا ما قضى بأن يحدث العكس فإذا بحركة هذا التاريخ تقودنا بعد أنظمة إقطاعية ثيوقراطية إلى أنظمة رأسمالية استبدادية، وإذا بها تترك الساحة، في أعقاب ما يوصف بثورات (الربيع العربي) خالية وليس هناك ما هو مرشح لكي يشغلها سوى قوى وتيارات ثيوقراطية تعود بنا خطوتين إلى الخلف بدلا من أن تتقدم بنا خطوة إلى الأمام.
تلك حقيقة تؤكدها ما انتهت إليه الأوضاع في قطرين عربيين خضعا على امتداد ما يزيد على ثلاثة عقود، لحكم حزب البعث العربي الاشتراكي «أكبر الأحزاب القومية العربية وأكثرها نفوذا»، فقد تولى الحزب الحكم في كل منهما، لكي يحقق شعاره الذي يقول «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» وها هو يغادره وقد أوشك كل قطر منهما أن يتحول إلى عدة أقطار، تاركا الساحة لتنظيم «داعش» وإخوته، لكي يقوم بإتمام رسالة حزب البعث الخالدة.
وبينما أبحث عن تفسير لهذا اللغز، عثرت هذا الأسبوع على صفحة من التاريخ المعاصر للدولة القومية العربية، تضم واقعة ربما تساهم في تفسيره وتكشف بعض الغموض عن أسبابه.
والشاهد الذي يروي هذه الواقعة، الأستاذ «فايز فرى» وهو كاتب وسياسي لبناني، من قادة حزب البعث اللبناني كان في موقع أتاح له أن يكون على صلة وثيقة بالدوائر الحاكمة في العراق خلال حكم البعث.. وهو يقول - في مذكراته التى نشرت فصول منها أخيرا - إنه كتب لـ «صدام حسين» رسالة حملها إليه المسؤول العراقي عن مكتب سوريا في القيادة القومية، أخطره فيها بأن صديقا لبنانيا له، علم من أحد المهندسين اللبنانيين الذين يعملون مع الشركة الفرنسية التي نفذت المفاعل النووي العراقي، وأن هذه الشركة سلمت نسخة من مستندات المشروع إلى إسرائيل، تكشف عن موقع وتفاصيل المفاعل، ربما تسهل لإسرائيل قصفه قريبا.. وأن هذا المهندس يعرض تزويد العراق بنسخة من هذه الوثائق مقابل مليون دولار.
وما كادت الرسالة تصل إلى «صدام حسين»، حتى طلب من صاحبها، أن يطير إلى بغداد لمناقشة الموضوع مع أخيه «برزان التكريتي» رئيس الاستخبارات العراقية.. على أن يصطحب معه صديقه اللبناني الذي أبلغه بالعرض، وفي اللقاء الذي جمع بينهما مع رئيس الاستخبارات العراقية، طلب «برزان» إحضار المهندس اللبناني الذي يحوز الوثائق لدراستها وتقدير محتواها، فإذا كانت مفيدة، فلن يختلف الطرفان على تقدير الأتعاب التي يستحقها.
ورفض المهندس الذي يحوز الوثائق أن يسافر إلى بغداد، وعرض على الوسطاء أن يتم اللقاء فى مكان محايد، في لندن أو باريس، على أن يتم تسليم الوثائق وتسلم المبلغ فور الاتفاق.. وفي اللقاء الذي جرى في العاصمة الفرنسية، وحضره مندوب عن الاستخبارات العراقية نيابة عن «برزان التكريتي» فضلا عن الوسطاء، أصر المندوب على أن يتسلم قسما من الوثائق أولا لفحصها قبل دفع أي ثمن.. ورفض المهندس الذى يحوزها العرض.. وبعد أن تدخل الوسطاء، تم الاتفاق على أن يجري تسليم قسم من الوثائق، مقابل تسلم صاحبها قسما من المبلغ، وبعد أن تتحقق الاستخبارات العراقية من أهمية الوثائق، يتبادل الطرفان بقية الوثائق، مقابل ما تبقى من المليون دولار.. وبالفعل تسلم المهندس اللبنانى 350 ألف دولار، وسلم قسما من الوثائق.. حملها مندوب الاستخبارات العراقية إلى بغداد، على وعد بأن يعود بعد أيام لكي يتسلم بقية الوثائق.. ويسلم بقية المبلغ.
ومرت أيام دون أن ترد بغداد، وعندما سأل «فايز فرى» عن السبب قيل له إن دراسة الوثائق كشفت أنها غير مهمة وغير مفيدة لأن العراق لا يملك مفاعلا نوويا من الأصل، ولأن المستندات تتعلق بإنشاء فرن آلي لصناعة الخبز، وبالتالي فإنها لن تدفع بقية المبلغ، وليست ملتزمة بسداد مبلغ الـ 350 ألف دولار، الذي كان «فايز فرى» قد دفعه من رصيده، باعتباره طرفا ضامنا للاتفاق.
وهكذا خسر «فايز» صداقة الطرفين، وخسر ثلث مليون دولار دفعه من جيبه.. ولم يكسب سوى غضب صدام حسين.
بعد تسعة أشهر من هذا التاريخ، قامت إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي ودمرته تماما.. وأسرع «برزان التكريتي» بوضع فأس المسؤولية عن ذلك في عنق «فايز فرى» لأنه لم يكمل كشف باقي الوثائق، وأنكر أنه الذي لم يكمل الصفقة، أو أنه تعلل بأن الوثائق تتعلق ببناء مخبز وليس ببناء مفاعل نووي، لأن إخفاء الحقيقة عن «فايز» كان أهم لدى «برزان» من علم إسرائيل بها.
وفضلا عن الـ 350 ألف دولار التي دفعها، صدر قرار بمنع «فايز فرى» من دخول العراق، بينما ظل «برزان التكريتي» في موقعه لكي يستكمل رسالته الخالدة، في تحويل القطر العراقي، إلى أقطار عراقية.. ويقوم بواجبه القومي فى إعادة التاريخ العربي خطوات إلى الوراء.. بدلا من التقدم به خطوة واحدة إلى الأمام.

وتوتة.. توتة.. خلصت الحدوتة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها