النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (16)

رابط مختصر
العدد 9738 الإثنين 7 ديسمبر 2015 الموافق 25 صفر 1437

تكملة لمسألة الازمة التنظيمية في 64، رأينا كيف كبرت كرة الثلج بلعبة لم تحسب الحركة سيناريوهاتها ونتائجها العكسية، نتيجة المستوى السياسي والفكري للقادة الشباب (اعمارهم كانت ما بين 22-23 سنة، الشملان والقصاب مواليد 1942، الشيراوي 1943 والمعاودة مواليد 1941)، إذ كانت الاجهزة في هذا العام هادئة حتى لحظة اندلاع لهيب تلك الاقواس المشتعلة.
عندما هرب الزياني من زنزانته «اتصل بمسؤوله التنظيمي عبدالله المعاودة، وقد تدبر المعاودة أمر إخفائه حتى تقرر تهريبه خارج البحرين» ص141، وتسترسل فوزية مطر بنوع من العاطفية: وحينما اتخذت الحركة قرار تهريب الزياني الى الخارج (ويا له من قرار حكيم للقيادة !!) كان أحمد الشملان قد عاد لتوه للوطن، وقد وجدت الحركة في أحمد «ضالتها!!» لإنجاز هذه المهمة، فأحمد لم يكن «مكشوفا !» مقارنة بالمقيمين من قيادي وكوادر الحركة في البحرين، كما أنه وصل كادرًا مؤهلاً ص141 وفي مواقع اخرى قالت المزيد عن احمد «شابًا متعلمًا مثقفًا واعيًا وكادرًا سياسيًا مؤهلاً لتبؤ أدوار قيادية في صفوف الحركة الوطنية» ص83، هذا الشاب البالغ من العمر 22 عامًا وجد نفسه في ورطات سياسية عدة، غير اننا لم نقرأ حسًا ولا رأيًا نقديًا لكلا الحدثين، كما ان الحركة يبدو لم تكن تعرف حجم الفخ، الذي نصبته المخابرات وتابعته منذ هروب الزياني من زنزانته، فترك الخيوط ممدودة تظل دومًا اللعبة الكبرى للعقل الامني، من اجل صيد ثمين لاحق خاصة وإن الحركة كانت مخترقة.
دعونا نفكر بطريقة امنية لو كنا فعلاً تنظيمًا سياسيًا محكمًا ولديه اجهزته الامنية المتخصصة؟ دون شك يصبح الهدف المستهدف أو الطعم هو الزياني وتبدأ الاسئلة المتعددة أين سيذهب الزياني منذ لحظة خروجه؟ دون شك لن يذهب للسلام على بيت امه فالامن لحظة الاستنفار سيكثف مراقبته لتلك النقطة، اين الاماكن الاخرى المحتملة التي ستكون ملجأ الهارب؟ رفاقه ودائرة الاصدقاء الضيقة، وهؤلاء سيكونون هدف اخر للمراقبة.
قد تغيب خيوط صغيرة عن لوحة المراقبة، سيتم تركيبها بربط الاسئلة الاخرى بحجم المعلومات المتوفرة عند جهاز الامن.
لنسلم ان عبدالله المعاودة العنصر الوحيد، الذي لم يكن حتى 64 واضح المعالم لدى الامن، لهذا لم يتم اعتقاله طوال تلك الفترة، وتدرج في الهرم التنظيمي للقيادة بعد ضربة 62، كما كان من حظ المعاودة أن الحلقة الثلاثية التي تشاركت معه في تهريب الزياني كانت جديدة على دخولها البحرين، فعلي الشيراوي الذي وصل صيف ذلك العام من القاهرة، والذي وفر شقة والده في السوق عند لحظة هروب «الثعلب» لم يكن منتظما في الحركة في الداخل، وانما نتيجة علاقة تنظيمية قديمة، فاتصل المعاودة بالشيراوي، فقام بدور لوجستي هو توفير الشقة وتأمين مراقبة الشارع، فيما حركة المعاودة اللولبية ظلت مع القصاب والشملان، باعتبارهما في خلية واحدة يربطها، فكانت الترتيبات الضرورية ان يوفر الشملان المخبئ للزياني في ام الحصم ويوفر عبدالله القصاب عنصر الاتصال في دبي لاستكمال تهريب «الشاب المناضل!» بين «الترويكا» القصاب والشيراوي والشملان، تحرك المعاودة كأهم رأس في الحركة في ذلك الوقت، وكانت المخابرات تدرك تلك الاهمية، تاركة الخيوط السرية تتمدد حتى تبلغ لحظة الصفر، فليس مهما في حسابات الامن ان يهرب الزياني، فدعه يخرج لعدم اهميته بقدر ما هو مهم معرفة الاصابع والعقول الموجودة في الداخل، بتلك المعايير الامنية تتدبر الاجهزة حركتها ورصدها ومتابعاتها.
وجدنا في المعلومات ومقابلتي مع الشيراوي منذ عام 2000 وحديثنا المتواصل، كيف تحرك بوب لمعرفة أولاً اين تم اخفاء الزياني عند هروبه؟ كيف تم تهريبه للخارج؟ ومن هم تلك العناصر والاسماء؟ توصلت المخابرات الى الضلعين الاساسيين شقة والد علي الشيراوي واليراوي نفسه، والمعاودة كضلع ثانٍ في المثلث، لأن قدرات العنصر الامني في المعلومات توقفت عند ذلك الضلعين، فيما الشملان ظل كالحلقة المفقودة، لأن التهريب والاخفاء الاخير عند الشملان ودور القصاب كان معتمًا وسريًا (هذا حسب ظننا فلربما المخابرات حساباتها مختلفة فلا احد يستطيع ان يجزم او ينفي لعبة هروب الزياني من الاساس). وحالما غادر الزياني في 6 اكتوبر1964، وتأكدت المخابرات من خروجه، تحركت من اجل اصطياد الرأس الاساسية.
فقد كان عبدالله المعاودة في اكتوبر - نوفمبر الشخص الاول في الساحة الداخلية ورأس هرم الحركة، وإن اعتقاله مهم لهيبة الامن في نظر الحكومة بعد حرق الاقواس، ومن اجل انتزاع معلومات جديدة ومهمة بحجم ضربة 62. نجح بوب في جعل «الثعلب» كعنصر حركي مخترق أن يقنع المعاودة، بأنه مطارد ولابد من تهريبه، وخان المعاودة أن يطرح على نفسه اسئلة عدة ضرورية حول التوقيت، ولماذا يخاف الحركي الاعتقال وماهي أهميته، ذلك الطعم كشف بالكامل، وكرا والطريقة التي تم فيها تهريب الزياني بل وتم اكتشاف دور المعاودة والشيراوي؟.
بعد اعتقال المعاودة تسربت اخبار عن ان المعاودة تم تعذيبه (بالكهرباء) ولم نتحقق منها، ولكن خارج ذلك فعلا، تم تعذيبه بشراسة ولكنه صمد بجسمه الناعم النحيل، وكنت يومها معنيا بنقل رسالة شفهية من اخي محمد الى جاسم نعمة اخبره بأن عبدالله المعاودة بخير، ولم ينجحوا في معرفة وضع التنظيم الحركي الجديد، وكان محمد في السجن بعد انتهاء الزيارة ذهبت الى جاسم في بيتهم بالفاضل واخبرته بما اوصاني اخي، حول اسئلة الامن عن جاسم وغيره، وكان نعمة كثير التردد على اخي ويعرفني بشكل حركي لموقعه القيادي وبشكل رياضي أيضا، فقد كان جاسم نعمة يلعب مع فريق الترسانة مع اخي عمار كابتن ومدرب الفريق، وكنت لاعبًا في فريق العربي.
بعد الاختراق الامني خلال اسبوعين من هروب الزياني، ومعرفة صاحب الشقة والمعاودة كدينامو التهريب والاتصالات والمدبر لكل اللعبة التنظيمية، فإن الصيد الثمين للمخابرات لقيادي مثل (المعاودة) بات اعتقاله مهما وانتزاع الاعتراف منه لمعلومات جديدة يشكل قيمة سياسية وامنية، فيما ترك بوب علي الشيراوي كخيط رفيع، لمعرفة اين سيصبح موقعه الحركي بعد عودته من القاهرة كطالب ممنوع من السفر.
لم يقطع الامن خيطه بترك الشيراوي لغاية يجهلها، فهو الحلقة الضرورية بعد اعتقال المعاودة، الذي لم يعترف بتفاصيل كيفية تهريب الزياني، ففي الوقت الذي كان لدى الامن ثغرة متى وكيف تم تهريب الزياني للخارج؟ ولعدم اهمية الزياني بقدر اهمية من الذي هربه للخارج؟ فقد كانت تتصدر امور امنية اهم لدى جهاز المخابرات، هو مواصلة الحفر والاختراق بدس عناصر امنية عديدة وليس مجرد عناصر محدودة في جسم الحركة كتنظيم سياسي.
وبعد فراغ المعاودة التنظيمي، بات الشيراوي ونعمة والقصاب والشملان وعيسى الذوادي كقيادة جديدة للحركة، يحاولون الاستنهاض بالحركة في حلتها الجديدة من القيادة، والتي كانت مكشوفة كلها للمخابرات كوجوه وملفات، حيث كانت تلك القيادة الجديدة المكلف علي الشيراوي بتشكيلها، وظلت تلك الحلقة القيادية مستهدفة بالمراقبة غير المنظورة، دون أن تزعج اجهزة الامن نفسها بمزيد من الاعتقالات، فقد كانت تدرك أن قيادة الحركة في حالة وهن، ودع المولود التنظيمي الجديد يخرج من ازمة القيادة، بعد أن اعتقل الأمن، المعاودة دينامو الحركة بين العناصر القيادية في مدينة المحرق والمنامة في تلك الفترة، في وقت بدت منطقة الريف بملامح تنظيمية حركية كجسد مقطوع، متناثر جامد في نشاطه ومتراجع عن حيويته في الانتشار والتوسع، ومخترق افقيا وعموديا، فعاشت على تلك الاسماء، التي كان الامن يعرف اغلبها كأسماء مهمة تحت المراقبة، فعاشت الدراز وتوبلي وسنابس وجدحفص والديه وسترة والمالكية، مرهونة حيويتها بحيوية المحرق والمنامة، وخمولها وانكماشها بانكماش تلك المدينتين تنظيميا وسياسيا، حتى لحظة الانتفاضة التي حركت المياه الراكدة في اغلب مناطق البحرين، فوجدت الحركة نفسها داخل تيار نهر صاخب اقوى من سواعد قيادتها الشابة الجديدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها