النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

في ضياع شبابنا وضيعته..

البحث عن إجابات من خارج فضاءات الإخفاق

رابط مختصر
العدد 9733 الأربعاء 2 ديسمبر 2015 الموافق 20 صفر 1437

بالعودة الى استشراء ظاهرة الإرهاب المنتشر هنالك سؤال لا بد من الإجابة عنه بكل جدية، وهو: لماذا يندفع الآلاف من الشباب الى الانخراط في هذه الجماعات الإرهابية والخضوع بسهولة فائقة الى عملية غسل الادمغة، ليتحولوا الى قنابل موقتة متنقلة، يفجرون أنفسهم في الأماكن العامة دون تردد؟؟ سؤال مهم جدًا يتجنبه الجميع في الغالب الاعم، لأن الإجابة عنه تضعهم على منصة الاتهام: الاسرة، المدرسة، الجمعية، النادي، المسجد، والدولة في النهاية. فلماذا هذا الإخفاق؟
-أولاً: الشباب يبحث عن دور لا يجده في الغالب الاعم في المؤسسات القائمة التي لا يبدو انها تشبع طموحه، خاصة في البلدان التي تعاني من البطالة ومن الفوضى أو من انتشار الجماعات الدينية والطائفية التي تمنح هؤلاء الشباب اجابات من خارج سياق التاريخ، والجماعات الإرهابية تجعل من هذا الوهم حقيقة، إذ تنقلهم من حالة التهميش والضياع الى حالة واقعية أخرى ترفعهم إلى درجات (عليا)، حيث يصبحون قوادا وامراء حرب ولديهم جوارٍ وحوريات وسلطات واسعة، يصدرون الاحكام والقوانين والتشريعات ويصفون (المرتدين والمنافقين) على الهواء، أي ان الحلم اللاتاريخي الذي كنا نقول إنه غير واقعي، في السبعينات القرن الماضي اصبح واقعاً بالنسبة اليهم (الدولة الإسلامي) أو (الخلافة الإسلامية).
- ثانياً: الخطابات الموجهة حاليًا الى شبابنا هي خطابات خوية بلا معنى او تأثير؛ لأنها تكرارية نمطية إنشائية، سواء في ذلك الخطاب الرسمي او الخطاب الأهلي او الخطاب المدرسي او الخطاب الإعلامي او الثقافي. فالشباب لا يستمع لها، كما أن المثقفين لم يعد لهم أي تأثير على الشباب، ولا يستمع إليهم أحد.
- ثالثاً: ضعف الدولة الوطنية وفشلها في بناء المواطنة المتساوية، وغياب أي مشروعات وطنية او قومية كبرى، المجتمعات العربية أنهكت ولم تعد قادرة على الاستجابة لطموحات الشباب الذي انسدت امامه الافاق، وانهاك المجتمع وتشظيه نشط بني ما قبل الدولة الوطنية القبيلة والطائفة، فأصبحت المجتمعات خاوية على عروشها.
- رابعاً: انعدام العقل النقدي والعقلاني وانتشار الفكر الخرافي وقيم التقديس للأشخاص والنصوص الجامدة، فتح الباب أمام تدعيش المجتمع والشباب بوجه خاص، ولذلك كان من الطبيعي سحب الشباب نحو أيدولوجية الوهم، وكانت النتيجة أن انقلب الشباب على المجتمع وعلى المنظومة التي انشأته، واصبح في قطيعة معه. ولأن هنالك «دولة جديدة اسمها دولة الخلافة الإسلامية» لها جيشها وقياداتها واقتصاد واعلام وتعليم، فلم يبقَ أمام الشباب الضائع، إلا الهجرة اليها لممارسة «فريضة الجهاد».
إن الذين عاينوا في عصر اليوتيوب النقال الانتقال من حالتي العنف والإرهاب الى لحظة «التوحش»، والعودة الى عصر الرمح والنشاب، عبروا عن دهشتهم من هذه العودة الموغلة في الظلام، يعمدون على صعيد الخطاب بفصل التوحش من جذوره ويقفزون به الى النتائج فلحظة التوحش لا ترتبط عندنا بنوعية التعصب الديني المولد للقتل فحسب، وانما أيضا بلحظة تفكك الاستبداد، بسقوط الدولة او ترهلها، فيصبح التوحش بديلاً عن الاستبداد، وتلك مفارقة نكاد نختص بها على الصعيد التاريخي.
صحيح ان خطاب التطرف الديني عندنا لا يطرح في العادة سوى الأسئلة البعيدة عن حقيقة أزمة المجتمع، فيتحدث عن الهوية والتغريب والإيمان والكفر والخلافة والأمة وقطع اليد والرقاب، بدلاً من الاستجابة لتحدي واقع معقد تتقاذفه مصادر تأثير مختلفة متباينة، تتصدرها أسئلة التنمية والتحرر وهموم الناس ومصاعب التنمية وتفشي البطالة والأزمات المالية والاقتصادية المتكررة وعدم الاستقرار الاقتصادي وصعوبة توفير لقمة العيش..
وصحيح أيضا ان أسئلة الهوية المرتبطة مباشرة بالانشغال الديني لا يمكن ان تلح علينا كأفراد او كمجتمع مسلم، بل ان هذه الاسئلة ما فتئت تتوسع وتتجذر في مواجهة تحديات الحداثة والتقدم والمواطنية العالمية وليس بموازاة الكفر والايمان مثلما يحاول الضالعون في طرح الاسئلة المزيفة، فهذا المجتمع المسلم ليس في حاجة الى من يذكره بحقيقة هويته، فقد حافظ على الاسلام 15 قرناً في العقول والقلوب في مواجهة حملات المغول والتتار والصليبيين والاستعمار، ولذلك لسنا في حاجة لمن يعلمنا ديننا او حتى كيف نحافظ عليه لأنه أصبح جزءاً من نسيجنا وجيناتنا.. حتى في ضوء تنامي التأثير الإعلامي الذي بات ينسج بقوة سطوته عالم «الحقيقة» في الأذهان كما يريدها أصحاب المصلحة والتخطيط والتمويل لتتحول هذه «الحقيقة» إلى مقدس لا يرتقي إليه الشك في نظر وعي عام يمتلك استعدادا تلقائيا للتسليم والتصديق في ظل خفوت الوعي الفكري الحي وسيطرة نوع من «الفكر» الديني – الطائفي ضيق الأفق والذي يجر الناس إلى التقاتل بترسيم حدود وأسوار بين المواطنين على أساس ديني وطائفي. وفي ظل هذا الواقع المرتبك بات الخطاب الديني يمتثل في الافكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية (الدينية) للتيارات والجماعات الدينية والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الاسلام السياسي التي وسمت العقدين الاخيرين بسمات التطرف وتبرير العنف في إطار رد الفعل على التدخل الخارجي في بلاد المسلمين، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الاحباط بين الجماهير. وإذا كنا ندرك هذه الحقيقة فان ما يتم تغييبه - تضليلاً - هو التوحش الاخر الذي يدفع نحو أعماق الهمجية.
إننا مطالبون بخلق توليفة جديدة من المعالجات الجاذبة للشباب والمساعدة على دمجهم في الحياة العامة، واخراجهم من حالة التهميش، مما يتطلب معادلة تجمع بين المضمون القيمي وبين طاقة الجذب في اللغة السياسية والإعلامية والدراسية، تقوم على الأسلوب المقنع للوصول إلى عقول الشباب ونفوسهم في ذات الوقت، كما يجب أن نتحرر من أية أحكام سلبية مسبقة تتعلق بالشباب وميولاتهم وتوجهاتهم واهتماماتهم والتي لا يمكن ولا يجب ان تكون متطابقة مع ميول واهتمامات جيل الكبار، وبالعكس من ذلك يجب ان ننظر إليهم نظرة إيجابية، فهم (خير) إذا توفقنا في خلق ما به نخاطب عقولهم دون تعسف او تعالٍ على عقولهم، ونقدم لهم في نفس الوقت المتعة الجمالية والفنية والترفيه المفيد، ويجب ان نغير اساليبنا في غرس القيم الفاضلة والتشجيع عليها، بالطف والتلطف والاقناع والتواضع والمشاركة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها