النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

يقظة الإمبراطوريات...

إعادة رسم الحدود والوجود في سوريا والعراق!

رابط مختصر
العدد 9731 الإثنين 30 نوفمبر 2015 الموافق 18 صفر 1437

أثارت حادثة اسقاط الطائرة الروسية في منطقة «جبل التركمان» من قبل القوات الجوية التركية، العديد من التساؤلات والتداعيات على الصعيدين الإقليمي والدولي، قد تكون لها تداعيات كبيرة على المشهد الإقليمي، وبعض المخاوف من تفاقم حالة الفوضى والاضطراب التي تعاني منها المنطقة، إذ لم تهدأ حدة التوتر التي سيطرت على المشهد منذ بدء العمليات الروسية في سوريا واعتراض تركيا على القصف الروسي الذي طال مدنيين تركمان في سوريا عدة مرات، إلا أن عملية اسقاط هذه الطائرة - رغم الضجة الكبيرة على الصعيدين الديبلوماسي والإعلامي - لم تتجاوز حدود الأزمة الدبلوماسية كما رأيناها في الأيام الأخيرة.!
وبعيدا عن هذه الزوبعة، فإن هذا الاشتباك وسط تشابك الطائرات في سماء المنطقة - التي تسيطر على أرضها داعش - تؤشر إلى يقظة جديدة للإمبراطوريات القديمة في لحظة مرض الجسد العربي، إذ بدا واضحا ان انهيار الدولة العراقية، وتهشم بنيان الدولة السورية قد فتح شهية الامبراطوريات القديمة (تركيا - إيران - روسيا - فرنسا - بريطانيا) إضافة الى الولايات المتحدة الامريكية، بدخول معركة تقسيم المنطقة التي تسعى الولايات المتحدة الامريكية إلى إعادة هندستها والسيطرة عليها بمفردها، وذلك في سياق قناعة ترسخت خلال السنوات الماضية بأن خارطة ما يسمى بالشرق الأوسط في طريقها الى التغير، ومثلما قال مدير الاستخبارات الفرنسية السيد «برنار باجوليه» في أكتوبر الماضي خلال حضوره مؤتمر حول الاستخبارات تم تنظيمه في واشنطن: أن «الشرق الأوسط الذي نعرفه قد انتهى إلى غير رجعة»، وأن «دولاً مثل العراق وسوريا لن تستعيد أبدا حدودها السابقة». فالمعركة إذن هنا استراتيجية، ليست مثل المعارك والمناوشات الصغيرة. فالحرب الباردة التي بدأ بعيد الحرب العالمية الثانية وانتهت بهزيمة المعسكر الاشتراكي، يعاد رسمها من جديد - في شكل حروب ساخنة - بالوكالة او من خلال الاشتباكات العسكرية المباشرة في أوكرانيا وفي العراق وسوريا، وهي معارك الصراع على النفوذ والتقسيم، على حساب الجسم العربي الفاقد للمناعة.
ويبدو واضحاً أن اتفاقية سايس بيكو الشهيرة قد استنفدت الجيو - سياسي مداها، وان القضايا التي ظلت معلقة على أوراقها السرية تنفتح من جديد، ومثلما يقول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس: «يبدو ان الحروب التقسيمية الجديدة ناجمة عن ان الحربين العالميتين الأولى والثانية قد تركت في سلتها بيضا كثيرا ها هو اليوم يبدأ في التفقيس، في البلقان وفي الشرق الأوسط بوجه خاص». والحقيقة أن ما قاله يورغن ليس ببعيد عن الحقيقة، فنحن نرى سوريا مقسمة على الأرض: النظام لا يسيطر إلا على جزء صغير من البلد: ثلث البلد الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والشمال يسيطر عليه الأكراد، والمنطقة الوسطى تسيطر عليها داعش، والأمر نفسه ينطبق على العراق، ولذلك من الصعب العودة إلى الحدود التي رسمت بعيد الحرب العالمية الثانية، حتى بعد استعادة الاستقرار، لأن كل طرف من القوى الفاعلة إقليميا ودوليا سوف تتوافق على التقسيم الذي يحقق مصالحها، وفقا لأوزانها وأدوارها على الأرض. فتركيا ترفض الدعم الذي تقدمه موسكو لأكراد سوريا الذين يحلمون بإقامة دولة غرب كردستان، ولن تقف مكتوفة الأيدي تجاه ذلك، باعتبار أن إنشاء دولة كردية على حدودها الجنوبية من المحرمات السياسية، ولأن عدواها القومية قد تصل من جديد إلى ديار بكر معقل الأكراد في تركيا. وإيران الطامحة إلى لعب دور القوة الإقليمية الفاعلة والقوية والمؤثرة لن تسمح باستعادة العراق القوي العلماني على الشاكلة السابقة، ولن تتخلى عن تأثيرها في سوريا ولبنان. وروسيا العائدة إلى مسرح الساحة الدولية بعد استعادة القرم وإيقاف الزحف الغربي نحو حدودها في أوكرانيا، لا تريد التفريط في آخر موقع لها في المنطقة، وإذا ما رسخت وجودها في سوريا، فسيصبح من الصعب إقصاؤها عن مسرح الاحداث في المنطقة، حيث تستند إلى استراتيجية جيوسياسية تعول على ضعف الولايات المتحدة وحلفائها، وقلة الجدية في مواجهة الوضع القائم منذ نحو خمس سنوات في سوريا والعراق (الإبقاء عليه على هذا النحو من اجل الوصول حالة الاهتراء الشامل التي تجعل من التقسيم الخيار الوحيد الممكن والمقبول)، ويتضمن التوجه الروسي على ما يبدو الحفاظ على المنطقة الغربية الحيوية، وحماية المنافذ البحرية والجوية التي تعتمد عليها روسيا للوصول إلى سوريا والعمل على توسيعها، وبسط سيطرتها على الوضع حتى تكون قادرة على ممارسة نفوذها في الشرق الأوسط، والحفاظ على مصالحها في المنطقة وأن تكون حاضرة في لحظة إعادة هندسة المنطقة، والأمر لا يختلف كثيرا بالنسبة لفرنسا التي تريد ان تكون حاضرة في وسط هذه الزوبعة حفاظا على بقايا مصالح لها في المنطقة، وهكذا...
وباختصار، إنها لحظة الغياب العربي الدراماتيكي تماما مثلما كان الامر خلال اتفاقيات سايس بيكو الشهيرة، وحتى لا ننسى يجب ان نستذكر أن اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت المنطقة بين الدول العظمى خلال الحرب العالمية الأولى قد كانت تفاهما سريا أبرم في عام 1916، بين بريطانيا وفرنسا، بموافقة روسيا القيصرية، على تفكيك الإمبراطورية العثمانية، وقد أدى الاتفاق إلى تقسيم المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة العثمانية وهي سورية والعراق ولبنان وفلسطين إلى مناطق تخضع للسيطرة الفرنسية وأخرى تخضع للسيطرة البريطانية. وقد سميت الاتفاقية باسمي المفاوضَين اللذين أبرماها وهما سير مارك سايكس البريطاني وجورج بيكو الفرنسي.

همس
ليس من باب التسخيف أو التسطيح وصف الأغلبية الصامتة (غير المتحزبة) بكونها غير معنية في أجندة أولوياتها بالعديد من القضايا التي تحاول النخبة السياسية والحزبية إشاعة بانها (طموحات الشعب)، مثل الانتخابات والدوائر الانتخابية والتعديلات الدستورية الى آخر ما في قائمة الجدول السياسي المعروف. هذه الفجوة لا تعني ولا يجب ان تعني أن جمهور المواطنين (الصامتين) غير معنيين بالإصلاح السياسي او بالحرية والديمقراطية، ولكن المسألة تتعلق بجدول الأولويات، ففيما تركز النحبة السياسية على موضوع السيطرة على السلطة، وما يستدعيه ذلك من التدافع السياسي نحو الصراع والضغط والابتزاز، فإن الأغلبية الصامتة تنشد الامن والأمان والحرية والكرامة وان يكون حالها مستورا، وان تكون في النهاية آمنة من جوع ومن خوف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها