النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

نذر حربٍ باردةٍ.. أم حرب عالمية

رابط مختصر
العدد 9729 السبت 28 نوفمبر 2015 الموافق 16 صفر 1437

بينما فكرت في رصد الحروب المحتملة بين الولايات المتحدة ومعها الغرب – الاتحاد الأوروبي – وبين روسيا من جهة أخرى على الأراضي السورية والعراقية بحجة محاربة تنظيم «داعش» الإرهابي، وما إذا كان هذا سيقود العالم الى حرب كونية جديدة أم لا؟.. باغتتنا موقعة إسقاط القاذفة الروسية «سوخوي 24 إم» على أيدي القوات التركية، وإن كان لا يهمنا هنا أقوال هذا الطرف أو ذاك بشأن موقع سقوط الطائرة أو ما إذا كانت المقاتلة سوخوي تطير بعيدا عن المجال الجوي التركي كما ذكرت الرئاسة الروسية في بيان لها عقب الحادث مباشرة، في دلالة لتوجيه تهمة إشعال الحرب الى الجانب التركي الذي سارع بالرد هو الآخر بأن من حقه الدفاع عن سيادته بعدما وجه تحذيراً شديد اللهجة في السابق ولم يلتزم به الطيران العسكري الروسي.
نعود للوراء نوعاً ما لإلقاء الضوء على الموقف الروسي من التدخل في الحرب الأهلية الدائرة على الأراضي السورية ليس لمواجهة الإرهاب الداعشي وغيره من التنظيمات الإرهابية التي ابتلينا بها في سوريا والعراق وباتت تهدد الإقليم والشرق الأوسط والعالم أجمع، وإنما لحماية الرئيس السوري بشار الأسد الذي قتل أكثر من ربع مليون مواطن سوري حتى يومنا هذا بالأسلحة الروسية ناهيك عن ملايين المشردين.. والعجيب أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دخل هذه الحرب بينما اقتصاد بلاده متدهور وجيشه ليس على أهبة الاستعداد للتدخل في حرب أهلية أو مواجهة حرب عصابات.. وطبعاً كان الهدف من قرار الكرملين هو التحكم في رسم مسار الأحداث الجيوسياسية في المنطقة، ليكون الروس أصحاب اليد العليا، وفي مناوئة دائمة مع الولايات المتحدة التي تريد هي الأخرى اختطاف الكعكة بكاملها لوحدها.
ربما يكون بوتين اتخذ قرار الحرب انطلاقا بما هو معروف عنه من تجربته الخاصة بنجاحه في استغلال كل ما بحوزته من أوراق بمهارة استثنائية، ناهيك أيضا عن أنه شخص يعرف تماما ما يريد وكيف ينفذه.. وقد نقتبس هنا ما ذكرته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس لدى وصفها بوتين بأنه شخص يتميز بحنكة سياسية ويستغل كل ما جعبته لتحقيق ما يريد.. انتهى اقتباسنا عن رايس لنتوجه مباشرة الى الرئيس الروسي نفسه الذي قال بحزم عن قرار الحرب في سوريا: «كل العمليات العسكرية للقوات الروسية في سوريا هو نتاج اعداد دقيق، وما يجري على الأرض هناك ليس مجرد عمليات عفوية بل تنفيذ لخطط جرى تحديدها مسبقا». وحتى العملية البرية التي سبق واستبعدها بوتين وأركان جنرالاته في تصريحات كثيرة، قد أصبحت واقعاً في سوريا، حيث قرر مد المقاتلين هناك بأسلحة تساعدهم على الدخول في حرب برية لمساندة قوات بشار في حربها ضد المعارضة المسلحة، وهذا ما ساهم في استعادة نظام الأسد الكثير من الأراضي مؤخراً.
كل ما سبق يأتي تمهيداً لوجهة نظرنا بأن الروس قد دخلوا الحرب في سوريا جواً وبراً وهم واهمون أنهم سيسيطرون على التطورات والأوضاع تماماً وأنهم بعتادهم العسكري لن يتعرضوا لخسائر مثلما كان الحال للأمريكان في العراق وأفغانستان. وحتى عندما لم يتوقعوا حدوث أية اخطاء عسكرية في الجو بين الطيران الروسي والأمريكي والأوروبي، فكان خطأ كبيراً من جانب الروس، لأن الحوادث تكررت خاصة وأن سماوات المنطقة مثل برها مليئة بالمقاتلات من كل حدب وصوب وعلى اختلاف المصالح والحسابات السياسية والاستراتيجية المتضاربة. وبينما حاول كل من الروس والأمريكان تفادي أو تجنب أي اصطدام عسكري في الأجواء السورية، إلا كل طرف سارع بتعزيز موقفه عسكرياً تحسباً لإمكانية حدوث مثل هذا الاصطدام نتيجة خطأ عسكري أو سياسي، في وقت عادت فيه أجواء الحرب الباردة بينهما.. وها هي الحرب تضع أوزارها على الأقل بين تركيا وروسيا على خلفية سقوط القاذفة «سوخوي 24 إم» رغم محاولات الجميع تهدئة الأجواء ومطالبة موسكو وأنقره بضبط النفس وعدم التسرع باتخاذ اجراءات عسكرية مضادة.
ومع هذا فإن الولايات المتحدة قررت زيادة عدد مقاتلاتها في المنطقة وتحديدا في سوريا والعراق، وامدت «قوات التحالف» بمقاتلات من طراز «إف 15 سي إيجل» المخصصة لعمليات الاعتراض والقتال الجوي، وتتمركز هذه المقاتلات في قاعدة أنجيرليك التركية. ووفقا لما ذكرته المصادر العسكرية الأمريكية، فإن مهمة المقاتلات ليست لدعم «قوات التحالف» أو حمايتها خلال الغارات التي تشنها على مواقع «داعش» سواء في سوريا أو العراق، لأن التنظيم الداعشي وغيره لا يملكون أنظمة طيران عسكري للرد على قوات التحالف.. ويالتالي فإن ما تبتغيه واشنطن من إضافة المقاتلات «إف 15 سي إيجل» هو اعتراض المقالات الروسية التي تحلق في الأجواء السورية وربما تخترق الأجواء التركية، وما سبق أكثر من مرة وكان آخرها سقوط المقاتلة السوخوي. هذا ما العلم بأن المقاتلة «إف 15 إيجل» مخصصة لعمليات الاعتراض والقتال الجوي، ومزودة فقط بصواريخ «جو – جو»، وإرسالها إلى قاعدة «أنجيرليك» التركية يعني أن العسكريين الأمريكيين ينظرون بجدية إلى احتمال حدوث مواجهة متعمدة أو بالخطأ في أجواء المنطقة بين الطائرات الأمريكية وكذلك طائرات التحالف من جهة وبين المقاتللات الروسية من جهة أخرى.
إذن وقع الخطأ الذي تتحسب له الولايات المتحدة وقررت لتفاديه إرسال المقاتلات «إف 15 إيجل»، وهذا قد ينذر باندلاع حرب، لا نقول حرب عالمية ثالثة، ولكنها ربما تصل لحد الحرب المدمرة على المستوى الإقليمي فقط، خاصة وأن جيوش الاتحاد الاوروبي تحت لواء التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تحارب في المنطقة التي سقطت بها المقاتلة الروسية ولا أحد يعلم رد فعل الكرملين.. هذا مع العلم بأن روسيا لم تقف مكتوفة الأيدي، لأنها قررت أيضا نشر مقاتلات «سوخوي 30» المنافسة الحقيقية للمقاتلات الأمريكية في الأعمال الجوية، وهو ما أثار حفيظة وقلق الغرب، فالمنطقة لا تتحمل مثل هذه المقاتلات لأنها «جو – جو»، وهو ما دفع بعض الاستراتيجيين الغربيين الي الإفصاح صراحة عن مخاوفهم علنا من احتمال أن تكون موسكو وضعت في حساباتها منذ البداية إمكانية حدوث اصطدام بين مقاتلاتها وطائرات التحالف، مستبعدين في نفس الوقت أن يكون الهدف هو استعراض العضلات.
وما يؤكد أهمية ما سبق هو إعلان هيئة أركان القوات المسلحة الروسية بعد ساعات من سقوط القاذفة «سوخوي 24 إم»، أن طائرات مقاتلة سترافق كل المهمات التي تقوم بها القاذفات الروسية ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا، وبالطبع فإن ما لم تتحدث عنه القيادة العسكرية الروسية أن الطائرات المقاتلة هي «سوخوي 30» التي سبق وتحدثنا عنها، وهي أيضا كانت سببا في إرسال القوات الأمريكية دعما لوجستيا لقوات التحالف ممثلا في المقاتلة «إف 15 سي إيجل» التي من مهامها الإساسية اعتراض المقاتلات الروسية، بما يعني أن سموات المنطقة ستكون صراعاً مفتوحاً بين مقاتلات الجانبين.
اجمالاً.. تنذر واقعة اسقاط القاذفة الروسية وما أعقبها من أدانة الكرملين وإعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غضبه بشدة من الحادثة ووصفه لها بأنها «طعنة في الظهر» من «شركاء الإرهابيين»، أن المنطقة دخلت فعلاً في المرحلة الصعبة أو العصيبة، إذ بدلا من اتحاد العالم في قوتهم لمحاربة «داعش» والقضاء عليه، كانت الحرب البينية هي النتيجة، خاصة في ظل تحذير بوتين إنه ستكون هناك «عواقب وخيمة» للعلاقة بين موسكو وأنقره. كما يزيد الموقف اشتعالا، موقف واشنطن وتحديدا الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي أعلن تأييده للموقف التركي من اسقاط القاذفة الروسية باعتبارها انتهكت المجال الجوي التركي، هذا رغم دعوته لموسكو وأنقره الى تجنب التصعيد بينهما. كما أن حلف الأطلنطي لم يبعد نفسه عن الأجواء الملبدة بالغيوم بصفة أن تركيا أحد أعضائه، أعلن هو الأخر وقوفه مع تركيا قلباً وقالباً في اجراءاتها العسكرية.. مما قد يستدعي مشهد أجواء الحرب الباردة، حيث تتوفر عناصرها في الوقت الراهن، فمن أبرز عناصر الحرب الباردة كانت الحروب تشتعل بالوكالة عن القوتين العظمتين، وقد نجح العالم في الماضي في تجنب اندلاع الحرب العالمية الثالثة حيث تحكم الجميع في عدم انفلات في أيا من المواجهات السياسية التي تم سابقا، وتم وأد كافة النزاعات.. وهذا ما يتمناه الجميع حاليا خاصة في ظل أن الوضع يتشابه نوعا ما في أن سوريا أصبحت ساحة للحروب بالوكالة وتتقاطع فيها مصالح أطراف إقليمية ودولية كثيرة، بغض النظر عن الهدف الرئيسي من انتشار تلك الجيوش وهو محاربة «داعش».
ومن المؤسف أن ما حدث سيؤثر بشكل كبير علي مستقبل اجتماع فيينا المقبل حيث أن روسيا وتركيا من الأطراف الرئيسية المشاركة في المباحثات، وبالتالي فإن حادث سقوط القاذفة الروسية قد يقلب الأوضاع تماما بما يؤدي الي اندلاع مواجهان بين الأطراف الدولية وهو المطلوب في الوقت الراهن، تجنبا لحرائق نحن في غني عنها جميعا. ناهيك عن نهاية الأمل في حل سياسي للأزمة السورية المستمرة منذ 5 سنوات وقضت على سوريا، بشراً وحرثاً وزرعاً وأرضاً واقتصاداً ووطناً، فلم تعد هناك أرض الشام التي كنا نعرفها قبل 2011 البغيض.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها