النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

البحث خارج السياق

رايات وسناجق الهلاميات والأوهام!!!

رابط مختصر
العدد 9726 الأربعاء 25 نوفمبر 2015 الموافق 13 صفر 1437

هنالك اليوم من يحاول جاهدا، وبلا هوادة، استبعاد المواطنة كأساس للتعايش والعيش المشترك، ويقترحون علينا حلولا بديلة يحتمون بها ويرفعون راياتها وسناجقها، ولذلك يعمدون، في سبيل تكريس مصالحهم الضيقة أو رؤيتهم العابرة للواقع، إلى تخويف الناس من أن يكونوا مواطنين أفرادا أحرارا، يتمتعون بحرية فكرهم واختيارهم، ويدعونهم في المقابل إلى انتماء هلامي خارج سياق الواقع وطاقة احتماله. إنهم لا يريدونها «مواطنية» بل يريدونها إما طائفية محصنة ضد «دولة الوطن»، وإما أيديولوجية عالمية، عابرة للزمان والمكان. وحين تبدأ المجتمعات بالتعبير عن نفسها بهويات دينية أو طائفية خارقة للواقع ومتجاوزة له تبدأ الأوطان بالانتهاء، وتبدأ الدول بالتفكك والاضمحلال والدخول في النفق المظلم من الانقسامات والصراعات والمواجهات الكراهيات المنظمة، ووقتها، ومهما بالغنا في الحديث عن الحوار والتسامح، فإننا في ظل هذه البنى الصاعدة، وما تولده من خطاب استعلائي، ومن ممارسات عنيفة، لن نستفيد من اطروحات الحوار والتسامح مهما خلصت النوايا، لأننا سنكون وقتها كمن يعالج «السرطان» بالبنادول. ففي ظل هكذا ثقافة وهكذا خطاب ورؤية، يتم تعميق أسباب التصنيف الفئوي، ولن نجد قاعدة للمساواة بين المواطنين على أساس هوياتهم الوطنية، في مفارقة عجيبة بين رفع شعارات الدولة المدنية الديمقراطية وبين تكريس الطائفية فكرا وشعارا وممارسة وانعزالا وتحالفا.
إن المشتغلين بهذه المفارقة العجيبة دون ان يشعروا بأنهم في مأزق فكري وأخلاقي وسياسي، موجودون اليوم في جميع الطوائف، يتعيشون على المخاوف التي يزرعونها في الطريق، مشكلتهم أنهم عندما يصوغون المبادئ والقيم، يحاكون أعلاها وأرقاها، وأكثرها علواً، وهم في أعماق أعماقهم يضمرون نقيض ما يعلنون، يراهنون على الغائب، يعلنون أنهم الأعلون وأنهم الأدرى بمصالح الأمة، والأعلم بالمقاصد الكبرى، وأنهم الأكثر فهماً ووعياً وحرصاً على مصالح البلاد والعباد في الوقت الذي يفرشون فيه للفوضى والحروب الطائفية وللنعرات التدميرية فراش الخطيئة الكبرى، من خلال طباعة ونشر قاموس المزايدة والشطط والتهويم والكذب على التاريخ ولي عنقه من أجل تمرير أفكار ورؤى بائدة انتهت صلاحية استخدامها من قرون.
يؤثرون الحلول العدمية، انسجاما مع الحل العدمي للذين يتبرعون بتقديم الخدمات الجاهزة للبيع والتسويق، لتتكشف بذلك حقيقة مفزعة هي وليدة الإفلاس الفكري والسياسي، بأن نسق القيم الثقافي الذي نشأ ونما مع نشوء الشعور الوطني والقومي والإنساني التحرري يتعرض اليوم للانهيار في الحياة العامة، وفي الإعلام، في ثقافة التحقير المتبادل، وعدم القدرة على رؤية الأشياء كما هي، من خلال انفصال المعرفة عن الأخلاق وعن قضايا الناس وعن تحولات المجتمع والتحديات التي تواجهه، وعن العقلانية والوطنية والقومية والثوابت الجامعة.
إن هذه الكائنات الهوائية الهبائية الغارقة في الفقاعة الطائفية قد حولت الفكر إلى شعار عدمي، واستمرأت العيش في فقاعة الشعار، مستعيضة به عن الانخراط في التاريخ، وتحولت بعض شرائحها العدمية إلى تنفيذ عملية انتحار جماعي، بممارسة التطرف والعدمية وزرع التدمير الذاتي في أركان الأمة.. فالمسافة الفاصلة بين المذاهب الإسلامية (القديمة والحديثة) على سبيل المثال، على الصعيد الفقهي الصرف (تقنيا) لا تبدو - في تقديري كبيرة، بل إن القواسم المشتركة عديدة (بل لعها الأوسع نطاقا)، إلا أنها على اتساع نطاقها تصبح أقل أهمية أمام الاختلافات البسيطة أو المحدودة التي يتم التشبث بها وتضخيمها من أجل أن تكون مشكلة للهوية الفاصلة القاطعة (وهذه مفارقة غريبة). وصحيح أيضا أن معظم الجماعات الإسلامية (على الصعيد الفقهي والاعتقادي) متقاربة في معظم الأحيان، بل إن الاجتهادات الفقهية المرتبطة بتنظيم حياة المؤمنين متقاربة إلى حد كبير، إلا أن المحور الفارق بينها يرتبط بالدرجة الأولى بالإطار الثقافي والاجتماعي المرجعي، وبالمخيال المنقول جيلا بعد جيل (رواية التاريخ الخاص- أو القراءة المخصوصة للأحداث والاختلافات والمعارك والصراعات...)، حتى ان هذه الذاكرة التي يتم تكرارها والحرص على نقلها عبر الأجيال، لتتحول إلى صندوق مغلق على الجماعة، بل ومفتاح الانضمام إليها، ومع أن هذه الذاكرة ترتبط بالماضي وأحداثه وآلامه الخاصة، فإنها تؤثر بشكل كبير في الحاضر، باعتبارها مفتاح الخلاص (في الدنيا وفي الآخرة). ومن هنا تنشأ الحروب استنادا إلى ما أسميه بـ (ذاكرة الآلام والصراعات الميثيولجية) والتي لا تمت للواقع أو للحاضر بأي صلة، لأن الصراع الحالي هو في الواقع صراع اجتماعي - سياسي بالدرجة الأولى. وهذا وجه من وجوه إيثار العيش في فقاعة الوهم والايهام.
إن مثل هذا النوع من الخطابات وهذا النوع من العقلية، جعلتنا اليوم نبدو في أنظار العالم كمن ينتابهم شعور جارف ولا عقلاني، بأننا مختلفون عن بقية خلق الله، هذا الشعور اليوم يكتسح الإعلام والفكر والخطب والشعارات المنتجة من جماعات متطرفة، ممن تأسست ثقافتها في الظلام، وراء الأبواب المغلقة، فتوهموا أنهم وحدهم في هذا العالم الفسيح، وان على العالم ان يستجيب لرؤيتهم لإعادة بنائه وتأسيسه على المنوال العابر للزمان والمكان والإنسان، بعكس حركة التاريخ الإنساني في مشارق الأرض ومغاربها، والتي لا نكتشف من خلالها سوى القواعد الناظمة للاجتماع الانساني وللتاريخ البشري التي لا يرونها، لأنهم يعيشون في فقاعة الوهم، ولأنهم يفضلون العيش في عالم من الخيال والميثيا، عن معايشة الواقع والتفاعل معه والعمل على التأثير فيه.
همس
* نفاجأ في بعض الأحيان أن بعض الذين نثق في عقولهم أو نفترض - بحكم قاماتهم الثقافية أو مواقعهم ومسؤولياتهم السياسية أو الإعلامية أو الإدارية - أنهم ملمون بما يدور في البلد إلمام فهم وإدراك، وليس إلماماً قشرياً سطحياً هزلياً اختزالياً برقيا في بعض أوجهه. جرني إلى هذه الخلاصة ما يلاحظ من أن بعض المواقف والتصريحات والكتابات تصدر عن أناس يفترض امتلاكهم ما يكفي من العلم والاطلاع والمعرفة والحصافة والقدرة على بناء الآراء وإنجاز التحاليل والمواقف على المعلومات الصحيحة الدقيقة الموثوقة، والتي يتطلب أمر الحصول عليها جهداً جهيداً وكدحاً وبحثاً، فإذا بنا نكتشف أنهم يخبطون خبط عشواء في الصحراء، أوانهم مثل الأطرش في الزفة، أو أنهم يبنون مواقفهم وآراءهم وتحليلاتهم على «طراطيش كلام» أو على انصاف الحقائق او على الترهات والاوهام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها