النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

مقاربة أخرى.. «عفريت» الإرهاب.. «حضروه» وعجزوا عن «صرفه»!!

رابط مختصر
العدد 9724 الإثنين 23 نوفمبر 2015 الموافق 11 صفر 1437

في كل يوم تقع العديد من الحوادث الإرهابية المميتة والمدمرة في العديد من الدول العربية والإسلامية، يروح ضحيتها المئات والآلاف من الضحايا، دون أن يثير ذلك أي قدر من الضجة أو حتى (التعبير عن القلق)، إذ يبدو أن الإرهاب قد تحوّل في هذه المنطقة إلى حالة بنيوية، ترتبط بفشلها السياسي والتنموي، او بواقعها المركب، أو بالفوضى التي مسّت بنيتها نتيجة التدخل الخارجي العنيف، تحت شعار اسقاط الاستبداد واحلال الديمقراطية، ولكن في الواقع لا الاستبداد سقط، ولا الديمقراطية حلت، بل تشظى الاستبداد ليتحول الى استبدادات، وتطورت الاستبدادات لتتحول الى مليشيات محلية، او عابرة للحدود، في ضوء شعارات: احياء الخلافة الإسلامية، أو بناء حلف الممانعة أو استكمال مشروع الولاية.
المشكلة ان انتشار هذا الإرهاب وتدويله، لم يتم الانتباه إليه او العناية به كظاهرة عابرة للحدود، إلا عند وصوله الى عواصم البلدان الغربية، ومنها باريس مؤخرًا، وهذه العناية تتجسد في الاهتمام بمظاهر الارهاب، ونتائجه الفورية، دون البحث في جذوره واسبابه المباشرة وغير المباشرة، بما يجعل كافة المعالجات غير فعالة، بل وبعضها يبدو مثل ذر الرماد في العيون، فقد مضت سنوات على بدء الحملة الأمريكية الفاشلة على «الإرهاب»، وما يزال هذا «الإرهاب» قائماً، بل ويزداد شدة وانتشاراً. سنوات مضت على هذه الحملة الفاشلة، وها هي طالبان تعود بقوة إلى أفغانستان، وتضرب في كل اتجاه، سنوات مضت بدا خلالها الحلفاء الذين ساندوا الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م الشهيرة متثاقلين في دعمهم لتلك السياسية غير العاقلة، وكثير منهم ابتعدوا عن الحليف الأمريكي، بعد إدراك متأخر بأنه بات يخبط خبط عشواء، في حروب بلا نهاية.. سنوات مضت، والدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية، تغرق العالم في أزمات متتالية، على أكثر من صعيد عسكري واقتصادي وسياسي، وما زالت نفس الأسئلة الحائرة تتردد على ألسنة المواطنين الغربيين العاديين ضحايا الإرهاب الاعمى: لماذا كل هذا الحنق والحقد؟ وماذا ارتكبنا من أعمال مشينة حتى نتعرّض لهذا الإرهاب؟ والحال أننا حماة الحرية والديمقراطية في العالم؟
إن البداية الحقيقية للإرهاب الأسود العابر - لمن يرغب فعلاً في معرفة الحقيقة - ارتبطت بالتدخل العنيف في بلدان مستقلة لها سيادتها، ولها حياتها وخياراتها الخاصة ونمط عيشها، في محاولة عنيفة واستعمارية لاقتلاعها من جذورها، وإجبارها على اتباع نهج او توجه معيّن، لا ينسجم في الغالب الأعم مع واقعها وحياتها وطاقة احتمال واقعها، تحت عناوين ومبررات تتراوح بين نشر الديمقراطية وإسقاط الاستبداد ومساندة (ثوار الحرية) وهي ذات المبررات التي ساقها ويسوقها جميع الاستعماريين في التاريخ القديم والحديث والمعاير، نفس الجمل والشعارات التي حملها نابليون بونبارت وموجات الاستعمار الحديث. ولعل الذين اصروا على احتلال العراق وإسقاط نظامه الإداري والسياسي، وتدمير جيشه وأجهزته الأمنية وتعويضها بالميلشيات المأجورة المتعطشة للدماء والانتقام، لم يكن يدري انه عندما (حضر العفريت)، لن يتمكن من (صرفه) لاحقًا، بحسب تعبير السحرة والمشعوذين..
إن الإدارة الأمريكية - بكذبها على العالم بادعائها، بأنها ذاهبة الى العراق لتدمير أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة، او لضرب القاعدة التي لم تكن موجودة - قد كانت هي السبب الرئيس في (تحضير عفاريت داعش التي تحتل نصف العراق وسوريا اليوم، وتنتشر في اكثر من مكان في العالم كأنها الوباء)، والمشكلة أنها ما تزال لا تعترف بأنها أخطأت في تقديراتها وأن اللعبة قد انكشفت وان التعدي يقود الى الفوضى والانتقام..
إن الإرهاب الذي ترسم صورته السياسات المهوسة بخيالات العنف (الذي ينحصر في المجال الإسلامي) ليس مظهر تحد حضاري، مثلما يكرر اليمين الأمريكي والغربي، إنما هو تعبير حاد وجذري عن أزمة تواصل وتفاهم وعدم قدرة أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على فهم العالم وعلى التعامل معه على نحو حكيم ومنصف، وهي القوى الفاعلة وبالتي بيدها الحل والرط، وهي ترى الفلسطينيين يتعرّضون الى الإعدام اليوم ويحرمون على مدار 67 سنة من أبسط حقوقهم التي نص عليها القانون الدولي، وهم يرون الظلم الفظيع الذي حل بالعراق، والتعدي العنيف وغير الحصيف على الدولة السورية والتعدي المفجع على ليبيا، وتهشيم نظامها وتحويلها الى دمار سياسي شامل، وإلى غابة من الفوضى والاقتتال.
من الوجهة الأخلاقية لا يمكننا، بأي حال من الأحوال تبرير أي عمل إرهابي مهما كانت دوافعه ومهما كانت ظروف القيام به، ومهما كانت جنس او جنسية أو دين الضحايا الذين سقطوا جرّاءه، فلا شيء يبرر قتل الأبرياء حتى لو كانت القضية عادلة، ولا يمكن القبول بأي حل على حساب موت الآخرين وعذاباتهم. لكن من الوجهة السياسية فإن الذين حضروا عفريت الإرهاب والتوحش بإسقاط الدولة في العراق وفي ليبيا وسوريا (والعمل على اسقاطها في دول عربية أخرى لولا لطف الله..) هم اليوم عاجزون عن صرف هذا العفريت الذي نما وكبر وتمدد، وتتجند لهم اعتى الجيوش في الدول دون جدوى..
إن الفارق بين الإرهاب السياسي والجريمة العادية يبدو اليوم واضحًا بصورة خاصة بعد اسقاط الدول المستقرة النامية، وتغيير أنظمتها التي كانت موسومة بالاستبداد، يختزله بوضوح وصول عدد من إرهابيي الأمس ورؤساء المليشيات الى سدة السلطة في بعض هذه الدول، وجعلهم الممثلين المحترمين لبلدانهم، لأنهم اكتسبوا بالرغم من أفعالهم الشنيعة السابقة مشروعية نابعة من أوضاع الظلم التي ثاروا عليها فقط، ولكنهم عندما امسكوا بالسلطة اعادوا انتاج أبشع اشكال الاستبداد والظلم والتعدي.
في مواجهة هذا السيلان المخيف للإرهاب، لا يجب ان يطرح سبل التعاون في المعالجة الأمنية والعسكرية والمالية والاستخبارية فحسب، وإنما سبل البحث والفهم للأسباب الحقيقية والعميقة لهذا الإرهاب الذي بات يعشّش في عقول الملايين من الشباب الضائع في متاهة العولمة والظلم؛ لأن العنف لا يولد سوى العنف إلى ما النهاية، والعنف هنا ليس ماديًا فحسب، بل هو معنوي أيضا، وهو اجتماعي - اقتصادي، وهذا ما يجعله بنيويا، اعتادت عليه هذه المجتمعات من خلال التفاوت الاجتماعي المذل، والتمييز المهين، والإفقار المنظم، والتهميش لقطاعات واسعة من الناس. ولذلك سوف تبقى القوانين والاجراءات الدولية العسكرية والأمنية الهادفة إلى الحد من الإرهاب، محدودة الفعالية، ولا تكاد تلعب سوى دور ثانوي، لأن منطق القوة والطمع والجشع هو الذي يهيمن والتحالفات والمصالح السياسية هي الفيصل، وليست القيم الأخلاقية والسياسية والقانونية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها