النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عن التطرف والإرهاب...

رابط مختصر
العدد 9721 الجمعة 20 نوفمبر 2015 الموافق 8 صفر 1437

من مفارقات الراهن وتجليات بؤسه أننا نتحدث عن التسامح، وندفع في اتجاه تعزيزه سلوكاً لدى الإنسان منذ نعومة أظفاره، ونمعن النظر في تكريس الوئام وسيادة السلام في مجتمعاتنا الإنسانية بمنظار متفائل جدا، في الوقت الذي تتكاثف فيه أمام أعيننا الكراهية وينتعش التطرف في مجتمعاتنا وتترجم أفعاله بالسرعة المطلوبة عنفاً مدمراً واستباحات أخلاقية مخجلة تتراوح بين عنيف الأقوال وعنيف الفعال.
إنه لمن المؤسف حقاً أن يحدث كل ذلك ونحن في القرن الواحد والعشرين، حيث ينبغي أن تكون المجتمعات الإنسانية أكثر قابلية للعيش معاً على هذا الكوكب بسلام وتقاسم خيراته.
أوليست الحوادث الأكثر إدماءً، والأشد إيلاماً تلك التي تتابعت بشكل فاجع منذ أسبوعين تقريباً عندما فجرت بداية الطائرة الروسية في منطقة شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية، لتلحق بها ثانياً بعد أيام قليلة تفجيرات إجرامية مروعة في منطقة برج البراجنة بلبنان، وتتبعها ثالثاً وفي أقل من يومين عملية إرهابية استعراضية عصفت بباريس عاصمة الأنوار من خلال سبع عمليات إرهابية متزامنة جعلت صور الأشلاء المتناثرة تغزو المشهد الإعلامي الدولي، وأضحى العالم مشدوها أمام محنة أخلاقية جديدة أفرزها التطرف المقيت، وأمام موجة جديدة من الإرهاب الخطير الذي باتت فيه التنظيمات الإرهابية تزايد على بعضها البعض تقتيلاً وإجراماً ليعرف العالم أيها أشد قسوةً وأيها أقدر على العبث بأرواح الأبرياء، وهو ما يطرح رهانات وتحديات جديدة تجبر الجميع على النظر إلى وقائع الإرهاب والتقتيل العبثي لأرواح البشر بواقعية أكثر وبعمق أكبر كي نستطيع وضع حد للاستهانة بأرواح البشر باسم تصور مشوه للدين وللمقدسات.
مجموع أعداد القتل عمداً في الحوادث الثلاث التي أسلفت، والتي سيذكرها التاريخ عنواناً لبربرية جديدة وشكل آخر من أشكال التوحش الإنساني فاق الثلاثمائة قتيل، أما عدد الجرحى المباشرين فقد قارب الألف أو ما يزيد، هذا فضلاً عمن نالتهم جروح نفسية غائرة جراء فقدان أعزاء لهم.
لكن، رغم ذلك، فإن المنطق والعقل البشري يأبيان الكف عن الحديث المسالم والحلم بالتآخي بين كافة البشر بمعزل عن عنف الإيديولوجيا وتطرفها وخلافات الأديان وصراع الحضارات الموهوم.
إن الكف عن الحديث عن التآخي والتسامح، والإضراب عن الدعوة اللجوج إلى أن يسود التسامح والمحبة بين بني البشر - إذا قدر لهذا الكف أن يقع - سيحمل على أنه تراجع أمام غول الإرهاب وانتصار له ولرعاته من مصاصي الدماء الذين يعتاشون على مآسي البشرية.
ولهذا فإن الدفاع عن الحق لا يمكن أن يبلغ منتهاه ويحقق رجاه إلا بإسكات أصوات التطرف التي تشغل الناس عن بناء حصون السلام لتحقيق ما يصبون إليه من تقارب وتفاهم واحترام متبادل.
ولعل الأحداث تشير بما لا يدع مجالاً للشك للدول الفاعلة بأن وضع حد للاستهانة بأرواح البشر، يبدأ بالإقرار بحق كافة الناس في العيش بكرامة.
يبدو أن الحديث عن التسامح والمحبة فيه كثير من «الرومانسية» في وقت تتطاير فيه أشلاء البشر، وتسحق كرامتهم على أيادي أناس خلت قلوبهم من الرحمة، وتوغل الغل في نفوسهم ليمارسوا كل ضروب الفظاعة والبشاعة مع بني جنسهم.
فهؤلاء «الدواعش» قد تفننوا في إيذاء المشاعر الإنسانية وفي اعتماد أساليب البطش والتنكيل تجاه بني البشر.
إن المتأمل في التطور السياسي في المجتمعات العربية الإسلامية، منذ نشأة تنظيم الإخوان المسلمين عام 1928، وحتى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على خلفية تواطؤ نظام بشار الأسد في سوريا ونوري المالكي رئيس الوزراء السابق في العراق، واحتلاله هذه البقعة الشاسعة من البلدين لن يفوته ملاحظة أن التطرف صناعة دينية، إيديولوجية في المقام الأول فمن عباءة الإخوان المسلمين فصلت سائر التنظيمات الإرهابية التي اتخذت الجهاد شعاراً مقدساً ارتكبت باسمه وباسم الدفاع عن الله أفظع الجرائم، ولن يخفى عليه كذلك الاستنتاج أن في بؤر التطرف، الديني والمذهبي تحديدا، يتكاثر الإرهابيون.
ولن تنجح كل خطط محاربة هذا الإرهاب واستئصاله من جذوره من دون القضاء على هذه البؤر.
ومن أهم البؤر التي ينبغي القضاء عليها بؤرة داعش المسؤولة عن كل ما يقع من أعمال منافية للقيم الإنسانية.
في ظني أن من الحقائق المسلم بها والتي أفرزتها وقائع التطور المدني، وصارت يقينيات هي أن التطرف وما يسببه من عنف، وعلى مر الأزمان كان مصدره الدين والإيديولوجيا.
ولا ينبغي الفهم من ذلك أن الدين شر ولكنه يبقى كذلك إذا كان التبشير به على أيدي متطرفين لا يعرفون للإنسان كرامة.
ما يجب أن يكون واضحاً لدينا أنه لم يكن هناك سبب في ترك تنظيم «داعش» يتغذى على استمرار نظام عائلة الأسد، ليعيث فسادا في البلدان العربية، ومختلف بلدان العالم ثانيا.
والذي يسمح بذلك هو داعم صريح لهذا التنظيم، وراغب في مشاهدة مزيد الامتهان لكرامة الإنسان، فما تناله البلدان العربية من هذا التنظيم كثير ومكلف، بشراً ومالاً وكرامةً، حتى يأتي الوقت وتقتنع دول فاعلة بأن الأسد أكثر الأنابيب بل والصوامع، فاعلية في تغذية تنظيم داعش في سوريا والعراق.
في اعتقادي أن المعالجة على مستوى البلدان العربية تكمن في العمل وبشكل حثيث على إقامة الدولة المدنية التي تحترم حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية.
وهذه الثقافة يجب أن تنتشر وتسود ليكون كنهها ومقصدها الأكيد إبعاد الدين عن السياسة، على قاعدة الدين لله والوطن للجميع.
إن قبول العيش في دولة مدنية يعني بالمختصر المفيد ابتعاد كل صاحب دين وإيديولوجيا عن تسيير الشؤون السياسية للدولة ومؤسساتها.
وأي شكل آخر متصور للدولة لا أظن أنه سينجح في القضاء على الإرهاب ويؤسس لبناء مجتمعات متعايشة تتبادل ثراءاتها الحضارية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها