النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

حرية الإعلام بين الحق في التحرش والحق في الخصوصية

رابط مختصر
العدد 9719 الأربعاء 18 نوفمبر 2015 الموافق 6 صفر 1437

لأن معظم النار - حتى الصديقة منها - من مستصغر الشرر، فقد اشتعلت النيران - الصديقة وغير الصديقة - في الأسبوع الماضي، بين الفضائيات المصرية ومواقع التواصل الاجتماعي، وبينها وبين بعضها البعض، وبينها وبين الرئيس عبدالفتاح السيسي.
بدأت أولى شرارات هذه النيران، بالحادثة التي جرت لفتاة المول، وهي شابة مصرية تعرضت لحادث تحرش في أحد المولات التجارية، وحين حاولت أن توقف المتحرش عند حده، صفعها على وجهها، ورفض قسم الشرطة المختص طلبها بتحرير مذكرة تكون بداية لاتخاذ الإجراءات القانونية ضده، فنشرت الفتاة وقائع ما جرى لها على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي، ودللت على صدقها بمشاهد مصورة سجلتها كاميرا المول التجاري التي جرت في ساحته..
ولم يكذب رواد مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى خبراً ونهضوا للقيام بواجبهم القومي في التضامن معها، فأعادوا بث مشاهد الواقعة على أوسع نطاق، وشنوا هجوماً كاسحاً على المتحرش وفصيلته البشرية، وشمل هجومهم الشرطة التي تقاعست عن القيام بواجبها.
وحتى لا تقصر الفضائيات في القيام بواجبها، فإنها لم تكتف بإعادة بث فيديو الواقعة والتعليق عليها، بل استضافت الفتاة لكي تشرح للمشاهدين ما جرى لها، وتتيح لهم الفرصة لإبداء آرائهم فيه..
وهو ما أسفر عن نتيجة إيجابية، إذ قامت الشرطة بضبط المتحرش، وإحالته للنيابة العامة للتحقيق معه.
وكان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، بعد أن أصبح في يد القضاء، لولا أن «ريهام سعيد» - مقدمة برنامج «صبايا الخير» على شاشة «النهار» - رأت من واجبها أن تقدم «الرأي الآخر» في هذه القضية، فاستضافت الفتاة لتجري معها تحقيقاً اشبه بتحقيقات النيابة، فسألتها عن علاقتها بالشاب الذي تحرش بها، وعما كانت ترتديه أثناء الواقعة وعن السبب الذي دفعه للتحرش بها، ثم فاجأت الجميع بنشر مجموعة من الصور للفتاة، بعضها وهي ترتدي المايوه على شاطئ البحر، أو تتبادل اللعب مع شاب يطاردها على الشاطئ، من بينها واحدة وهو يحملها بين ذراعيه..
لتؤكد بذلك وجهة نظر اجتماعية محافظة، يتكرر بثها في كل مرة تثار فيها واقعة من وقائع التحرش، يذهب أصحابها إلى أن التحرش هو مسؤولية النساء المتحرش بهن، وليس مسؤولية المتحرشين من الرجال، وأن الفتاة المتبرجة التي ترتدي ملابس غير ملائمة، هي التي تحرض بطراز ملابسها وسلوكها الرجل على التحرش بها.
وقالت فتاة المول إن الصور كانت مسجلة على هاتفها المحمول، الذي تركته مع معاوني «ريهام سعيد» - بناءً على طلبهم - قبل دخولها إلى الاستديو، وأنهم قاموا بنقل الصور منه أثناء إذاعة الحوار معها وبثوها دون إذن منها.
وهكذا اشتعلت نيران الحرب بين مواقع التواصل الاجتماعي وبين القنوات الفضائية، بعد أن تحولت إلى صراع بين الحق في التحرش، والحق في الخصوصية، وشن المتعاطفون مع فتاة المول - باعتبارها ضحية في الحالتين - حملة عنيفة ضد «ريهام سعيد»، لأنها ارتكبت خطأً مهنياً جسيماً ينطوي - كذلك - على مخالفة جنائية يؤثمها القانون، إذ انتهكت حرمة الحياة الخاصة للفتاة، باختلاس صور شخصية لها وبثها دون إذن منها..
وذهبوا إلى أن شركات الإعلان التي ترعى هذا النوع من البرامج، هي التي تشجع، أو بمعنى أدق «تورط» بعض الإعلاميين فتدفعهم إلى اللعب في ملعب الثالوث المحرم الذي يضم الجنس والدين والسياسة، بطريقة إثارية تستهدف جذب المشاهدين خاصة الفئات الأقل وعياً وثقافة، بنشر الفضائح، وافتعال المشكلات والترويج للخرافة والدجل وتفسير الأحلام وعلاج الأمراض المستعصية بالأعشاب أو بالرقي والتعاويذ.. إلخ.
وانطلاقاً من ذلك بدأ هؤلاء حملة تطالب بمقاطعة السلع التي تنتجها الشركات التي ترعى برنامج «ريهام سعيد»، إذا لم تتوقف عن الإعلان في البرنامج، وباتساع الحملة، وانضمام أنوف من المشاهدين إليها، أسرعت هذه الشركات تتنصل من مسؤوليتها عن محتوى البرنامج، وتعلن توقفها عن رعايته بالإعلان في سياقه، وعندما وصل عددها إلى 15 شركة، اضطرت القناة التي تبثه لاتخاذ قرار بوقفه مؤقتاً.
ولم تكن «ريهام سعيد» وحدها هي التي طالتها نيران المعارك التي اشتعلت في كوكب الإعلام المصري في الأسبوع الماضي، فقد طالت هذه النيران كذلك رئيس نادي الزمالك، لأنه هدد إحدى الإعلاميات المرموقات في اتصال هاتفي بإحدى القنوات الفضائية بأنه سيفضحها، لأنها كانت - في الوقت ذاته - تستضيف في برنامجها الذي تقدمه على قناة cbc منافس ابنه في الانتخابات البرلمانية..
إذ أصدرت غرفة صناعة الإعلام قراراً بمنع ظهوره على الشاشات الأعضاء بها..
وانضمت إليها نقابة الصحفيين التي سبق لها أن اتخذت قراراً مشابهاً بشأنه لأسباب تتعلق بإهانته لأحد الصحفيين..
أدى إلى غياب اسمه وصورته من كل الصحف وكل الشاشات لعدة شهور، إلى أن تمت تسوية الأزمة.
وما لبثت النيران تجددت، بعد أن وجه الرئيس السيسي عتاباً للفضائيات المصرية، بسبب مبالغتها في الحديث عن تقصير الحكومة في مواجهة الأمطار الغزيرة وغير المسبوقة التي تعرضت لها الإسكندرية، على نحو يفتقد للتوازن، ويتجاهل العوامل الموضوعية التي أدت إلى ذلك، ومن بينها، ما تراكم من إهمال وبناء عشوائي خلال الأعوام الأخيرة فضلاً عن أن كمية الأمطار غير مسبوقة، ومع الرئيس اكتفى بالعتاب ولم يطلب وقف البرامج..
أو يهدد باتخاذ أي إجراء ضد أصحابها فقد نهض الإعلاميون للدفاع عن أنفسهم وبرروا موقفهم بأنهم كانوا يمارسون حق النقد.
ما فات على الجميع أن حرية الإعلام، لا تعني حرية تبرير التحرش، وحرية الرأي لا تعني حرية التهديد بالفضح، وحرية النقد لا تعني قول نصف الحقيقة.
والعجز عن التمييز بين هذه المفاهيم هو المشكلة الحقيقية التي يواجهها الإعلام المصري الآن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها