النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

خالد البسام قبل الترجل (2/1)

أيقظ الأوراق النائمة ورحل بهدوء..

رابط مختصر
العدد 9717 الإثنين 16 نوفمبر 2015 الموافق 4 صفر 1437

الذين عرفوا الكاتب والباحث الراحل خالد البسام عن قرب، لمسوا بكل تأكيد مدى ما كان يتسم به من هدوء إنساني، ومن دقة علمية، و«خفة دم» في الكتابة، يكاد يتفرد بها وتمتع بها صحفياً وموثقاً وباحثاً.
خالد البسام - رحمه الله - كان خلال سنوات عديدة يحاول إيقاظ الأوراق النائمة من سجلات التاريخ المنسي وهوامشه التي عادة ما يسقطها المؤرخون والباحثون من حساباتهم، ويحولها بما يمتلكه من «مكر» الصحفي المتمرس إلى «حكايات» وإشارات دالة على طريق التاريخ المروي والمكتوب، فتتحول بقلمه إلى إضاءات تجمع بين حقائق التاريخ ولعبة الكتابة الأدبية الرشيقة الشيقة، ولو أنه اكتفى بذلك لكان اسمه انضم إلى عشرات الأسماء التي انشغلت بالوثيقة التاريخية المتداول منها والمنسي، إلا أن البسام، بما يمتلكه من حس صحفي ومهارة في الكتابة استطاع أن يشق طريقاً مختلفاً حوّل فيه الهوامش إلى متون، وابتعد قدر الإمكان عن الرواية التاريخية السائدة والرسمية، وما فيها من وقار زائف، ومن تفاصيل روتينية محفوظة عن ظهر قلب، وسلك منهج من يلتقط التقاطاً مدهشاً تلك الهوامش والتفاصيل الصغيرة ليحولها إلى كتابة تستحق القراءة، والاختفاء في الزوايا اليومية أو الأسبوعية في الصحافة ليجعل من «التاريخ الآخر» المهمل نقطة جذب وتساؤل ومدار حوار وبحث..
ولا غرابة إذن أن تتجمع تلك الحكايات التي ألفها أو ترجمها بطريقته، أو التي أعاد إنتاجها وفق «مكر» الصحفي في العديد من الكتب الصغيرة الطريفة والمشوقة، في «القوافل» و«حكايات من البحرين» و«مرفأ الذكريات» و«نسوان زمان» وغيرها من الكتب التي تلقى رواجاً كبيراً في زمن تتكدس فيه الكتب في رفوف المكتبات تكدساً..
والمفارقة في تجربة الكاتب خالد البسام في هذا النوع من الكتابة التي يكاد يتميز بها في البحرين والمنطقة الخليجية، أن «كرهه» لمادة التاريخ كما كانت تدرس، بإيقاعها الممل وتعاليها عن المجتمع، وعن تفاصيل حياة الناس اليومية، عن المقاهي والشوارع والحوانيت، والأسواق والمستشفيات، الأطباء والمكتبات، والصور والرحلات والمرافئ، الرجال والنساء والأطفال، الأعراس والأفراح والمظاهرات والجمعيات والصحف والمدارس...
هذا «الكره» ولد لديه عشقاً للتاريخ الآخر، تاريخ المهمشين والهوامش، كما ولد رفضه للصياغة المتعالية للتاريخ، مما دفعه إلى البحث عن صياغة «شعبية» لتاريخ الهوامش إن صح التعبير... وجدنا ذلك في إصداراته التي تابعناها بشغف ومحبة، منذ «تلك الأيام» في 1986، و«رجال في جزائر اللؤلؤ» في 1991، و«القوافل» في 1993، و«خليج الحكايات» في 1993، و«مرفأ الذكريات» في 1995، و«صدمة الاحتكاك» في 1998، و«نسوان زمان» في 2002، بالإضافة إلى نوع آخر من الكتابات ذات الطابع الأدبي والتأملي: «بريد القلب» في 2001، و«بساتين» في 2000، و«عزف منفرد» في 2000 أيضا...
لقد كان واضحاً أن كتابات خالد تترسخ مكانتها، مع الزمن، وتجذب إليها آلاف القراء في الداخل والخارج، فقد حصل كتابه «خليج الحكايات» عام 1993 على المرتبة الأولى بين قائمة الكتب الأوسع انتشاراً في بريطانيا، واحتل «صدمة الاحتكاك» شهادة أكثر الكتب انتشاراً في بريطانيا حسب تقييم الجرائد العربية اللندنية، كما فاز عموده الصحفي بالمركز الأول في استفتاء كتاب الأعمدة المفضلين لدى القراء في الصحافة البحرينية عام 1999.
وتقودنا هذه الملاحظات إلى اعتبار الكاتب خالد البسام ظاهرة متميزة فيما اختص به من كتابة «الحكايات» التي تكشف عن مدى عشقه للوطن البحريني وللمكان الخليجي، ولناسه وتفاصيله المهملة في التاريخ.
التقيت خالد البسام عدة مرات وتناقشت معه حول نتاجاته العديدة، وكنت اسأله: كيف وصلت الى محطة البحث في الأوراق النائمة، والاهتمام بالتاريخ والوثائق؟ فكان يرد علي:«منذ نشأتي الأولى كانت لدي ميول أدبية، ولأنني عشت وتربيت في عائلة لها اهتمام كبير بالثقافة والأدب والصحافة، وفي بيت يحب الثقافة ويحترم الكتاب والجريدة والمجلة ويوفرها دون قيود، فقد نشأت على حب القراءة والكتابة... لقد كان والدي يمتلك مكتبة كبيرة وأعمامي جميعهم من المهتمين بالثقافة..
فقد تسنّى لي النهل من المعرفة والآداب في وقت مبكر جدًا، وكان مجال المعرفة مفتوحاً في أسرة ميسورة الحال، المجلات الأدبية المصرية والبيروتية كانت موجودة في مكتبة البيت، ولم أكن في حاجة للخروج إلى المكتبات العامة للبحث عن ضالتي، كل ما كنت أبحث عنه كان موجوداً في البيت، ولذلك لم يكن غريباً أن أتجه في دراستي الجامعية إلى الأدب، ولم يكن غريباً على من تربى على حب القراءة والكتابة أن يجد طريقه بعد التخرج إلى الصحافة، بل إنني بدأت في نشر بعض المقالات عام 1976 في مجلة «صدى الأسبوع» وأنا لا أزال طالباً، وعملت مراسلاً صحفياً في مكتب «الخليج» بالبحرين، وكانت هذه التجربة الهامة في حياتي ذات تأثير حاسم في توجهي إلى الصحافة واعتبارها خياراً مهنياً نهائياً، فقد انخرطت في العمل الصحفي في هذا المكتب مع الزميل الصحافي إبراهيم بشمي، وكان كل من يعمل في هذه الصحيفة «الخليج» الإماراتية مضطراً للعمل على الإجادة الكاملة، فقد كانت الصحيفة يومية وذائعة الصيت وتستقطب أقلاماً عربية متميزة، ولم يكن من الممكن إلا أن نسعى إلى التميز والجودة.. فانكببت على القراءة بكل جدية وإخلاص..
قرأت في الموسيقى والفلسفة والفكر والسياحة والرياضة والطب والتاريخ والأدب..
وكلما كنت مقبلاً على موضوع معين، كنت أعد العدة وكأنني مقبل على امتحان حاسم في حياتي: أطالع، أسأل، أحاور، استخرج المعلومات الصحيحة... لقد كانت تجربة متميزة تماماً، سمحت لي أن أبدأ بداية قوية، لم يكن بعد ذلك أن أنزل إلى ما دونها.. وأضيف هنا بأننا، بعكس الجيل الجديد من الشباب، كنا حريصين على أن نقدم عملاً متميزاً متكاملاً من النواحي المهنية واللغوبة، ولا شك أننا تربينا على أيادي جيل من الصحفيين البحرينيين المتمرسين والذين قدموا لنا الدعم والتشجيع والتوجيه، ولا أستطيع أن أنكر في هذا السياق دور الزميل إبراهيم بشمي.
والحقيقة أنني لم أكن أحبّ مادة التاريخ كما كانت تدرس لنا آنذاك، كانت مادة ثقيلة مملة وغير جذابة، وهذا ما قادني ربما إلى البحث في الهوامش والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والتقاطها ووضعها موضع المتن: كنت أعشق البيوت القديمة والروائح الساحرة، الأماكن والناس البسطاء والحكايات الضائعة في زحام التاريخ المثقل بقصص الفتوحات والحروب والسلاطين... وقادني هذا العشق إلى إيقاظ الأوراق النائمة في الغرف المظلمة والمهملة تماما..».
وللحديث عن بسام صلة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها