النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

التجارة في خدمة التراث والثقافة والعلم

رابط مختصر
العدد 9714 الجمعة 13 نوفمبر 2015 الموافق 1 صفر 1437

قال عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة /‏ رئيس مجلس الوزراء /‏ حاكم دبي إنه من بين تجار الإمارات الذين تنبّهوا للعمل الخيري وأهمية التعليم، مضيفاً أنه يستحق الاعتزاز والإكبار. ووصفه الروائي الكويتي الدكتور طالب الرفاعي بـ «أحد أولئك القلة الذين آمنوا بالعلم والمعرفة، ووظفوا كل طاقاتهم الشخصية والمالية الخلاقة لرعايتها وخدمتها والحفاظ عليها، وجعلها مبذولة للباحثين والدارسين وعموم الجمهور». وقال عنه مواطنه الدكتور سعيد بن حارب نائب رئيس جامعة الإمارات سابقًا: إنه «أحد الأسماء المتميزة التي برزت في دولة الإمارات، ورسّخت دورها الوطني والثقافي من خلال الأعمال التي قامت بها». أما هو فقد سجلت عنه هذه العبارات البليغة التي تعكس جانبًا من شخصيته الفريدة: «الكتاب ملك للبشرية وينبغي أن يصل لكل إنسان، أنا لا أفرّق بين كتاب وكتاب، وإنما أعمل لإنقاذ الكتاب أينما كان في العالم، بأي لغة وبأي دين. وأنا ضد المنع والرقابة، فليقرأ الناس ويردّوا على الكتاب أو يقبلوه، الكتاب ليس قنبلة». «على الثري أن يستمتع بماله مع الآخرين وليس وحده فقط». «العمل الخيري مثل التجارة يجب أن يقوم على مبادرات». «أتألم وأتحسّر على جيش من العلماء العرب يخدمون في الدول الأجنبية». «المرأة هي المجتمع، وتأهيل الفتاة الإماراتية والخليجية والعربية يعني تأهيل المجتمع، فأم متعلمة نواة لأسرة متعلمة، وهي بالتالي نواة لمجتمع معافى».
حديثنا فيما يلي من الأسطر هو عن شخصية فذّة لا يشقّ لها غبار في مجالات العمل التجاري، والعمل الخيري، ورعاية العلم والمتعلمين، وصيانة التراث والثقافة. ويكفي أن تذكر مجرد اسمها حتى تنفتح أمامك دروب تقودك كلها إلى عبق التاريخ وسير الرعيل الأول من رجالات الخليج الأنقياء البسطاء الذين قاسوا خشونة الحياة وعرفوا الفقر المدقع، وذاقوا ويلات المرض، لكنهم صبروا وكافحوا وتعلموا، وحينما أثروا أبوا إلا أن يخصصوا جزءاً من ثرواتهم لأعمال البر ودعم طلبة العلم.
إنه جمعة ماجد الماجد، رجل الأعمال وأحد أثرى أثرياء دولة الإمارات. وعائلة الماجد التي ينحدر منها جمعة هي من قبيلة آل بومهير، وبالتالي فهي لا ترتبط بصلة قرابة بعائلات تحمل الاسم نفسه في الحد بالبحرين، وفي الدوحة بقطر، وفي الأحساء بالسعودية، وفي منطقة الوسط بالكويت على الرغم من اشتغال معظمها في مهنة الغوص على اللؤلؤ في الماضي، وتجارة المجوهرات حاليًا.
ولد جمعة في منطقة الشندغة العريقة، التي كانت تمثل إلى ما قبل عقود قليلة واجهة دبي البحرية وميناءها ومركز نشاطها التجاري وحاضنة منازل آل مكتوم الكرام.
كان ميلاده في عام 1930 لعائلة كان ربّها (ماجد) يمتهن كغيره من رجالات ذلك الزمن مهنة الغوص على اللؤلؤ من خلال سفينتين كان يخرج بهما إلى البحر بداية كل صيف. أما فيما خصّ دراسته فقد سلك نفس المسلك الذي سار عليه أقرانه في ذلك الزمن، إذ التحق بالكتاب التقليدي (المطوع) لحفظ القرآن الكريم، وكان بمجرد قدوم فصل الصيف يترك الكتاب ويلتحق بوالده في رحلات الغوص، الأمر الذي أسهم كثيرًا في بناء شخصيته وتعويده على المغامرة وتحمّل المسؤولية والصعاب والمثابرة على العمل وهو لم يزل في سن السابعة.
استمرت مرافقة جمعة لوالده في رحلات الغوص أربع سنوات تعلم خلالها الكثير، بل ربما تعلم أكثر مما درسه لاحقاً في المدارس النظامية، وكيف لا يتعلم الكثير وهذه الرحلات كانت تتجه إلى عوالم فسيحة ومليئة بالغرائب والعجائب كالهند وأفريقيا. في حديث له مع صحيفة «ألفا نيوز» الإماراتية (24/‏5/‏2012) يخبرنا جمعة أنه وأقرانه بدأوا دراستهم بادئ ذي بدء عند مطوّع من أبناء عمان كان يدعى «فرج القريني»، وأنهم استمروا عنده لمدة سنتين، لكن تم جمعهم مع طلبة الكتاتيب الأخرى في حدود عام 1938 من أجل إلحاقهم بمدرسة الفلاح. وعن هذه المدرسة قال جمعة (بتصرّف): «كانت عبارة عن أربع خيام مبنية من سعف النخيل بنيت في حوطة زينل وهي قطعة أرض منحها الحاكم الشيخ سعيد آل مكتوم للمرحوم الشيخ محمد علي زينل صاحب مدارس الفلاح المنتشرة في الخليج والهند واليمن ليقيم عليها مباني مدرسته، وقد قام زينل بالفعل بتوكيل رجل من أسرة الشيراوي لإتمام المشروع مع دفع أموال له لهذا الغرض، إلا أن انكسار زينل في تجارة اللؤلؤ حال بينه وبين بناء المدرسة». وبغض النظر عن أحوال مدرسته ومناهجها فإن المهم هو أن الصبي جمعة الماجد تمكن من إجادة القراءة وتفكيك معاني ما يقرأ، وهو ما جعله شغوفًا بالقراءة. يقول (بتصرّف): «كنت شغوفاً بالقراءة والمطالعة. فرغم عدم تفوّقي في الدراسة، إلا إنني كنت أحرص على اقتناء الكتب وشرائها من المكتبات الصغيرة المنتشرة آنذاك في بعض أرجاء دبي وأحرص كل الحرص على قراءتها والبحث عن غيرها من كتب جديدة. كنت أقرأ مختلف أنواع الكتب وشتى العناوين. حتى المجلات والصحف التي كانت تأتينا بين الحين والآخر من الهند والعراق والبحرين كنت أحرص على قراءتها من الغلاف إلى الغلاف، وكنت أقصد أصحاب المكتبات الخاصة لأستعير منهم الكتب، وبعضهم لم يكن يُعيرها فاضطر لقراءة ما أشاء عندهم. وبقي هذا الشغف إلى يومنا هذا، حيث للكتاب مكانة خاصة لدي».
ومما يتذكره جمعة عن دراسته في مدرسة الفلاح أسماء بعض من درّسوه فيقول: «كان الشيخ احمد بن حمد الشيباني يدرسنا الفقه الشافعي، والشيخ احمد بن ظبوي يدرسنا الفقه المالكي، وكان ناظر المدرسة هو الشيخ محمد نور، وكانت تدرّس في المدرسة بالإضافة إلى القرآن والفقه مادة الحساب». ويواصل جمعة ذكرياته عن مرحلة دراسته فيقول إنه في فترة لاحقة التحق مع آخرين بمدرسة افتتحها شخص عماني آخر يدعى أحمد القمبري في منزل الشيخين جمعة وعبيد بن ثاني بمنطقة الغبيبة في بر دبي، حيث كانت مصاريف الدراسة في هذه المدرسة، التي تميزت عن غيرها من المدارس بتعليم اللغة الانجليزية جنباً الى جنب مع اللغة العربية، عشر روبيات شهريا. لكن القمبري أغلق مدرسته بعد عام من افتتاحها ورحل عن دبي لأسباب مجهولة «فانتقلنا إلى مدرسة الاستاذ حسن ميرزا الصايغ التي افتتحها صاحبها في غرفة في منزل عائلته قرب بوابة سوق البانيان عند عبرة بر دبي، بعد ذلك انتقلت المدرسة إلى مكان مدرسة القمبري». ومما ذكره جمعة الماجد في سياق ذكرياته عن مرحلة دراسته أيضا أن الصايغ فرض على كل طالب دفع مبلغ عشرين روبية شهريًا. يقول: «أتيت إلى الاستاذ حسن وقلت له باكياً كنا ندفع للقمبري عشر روبيات، وأنا لا أستطيع دفع عشرين روبية، فلما وجد اصراري وحرصي واندفاعي على الدراسة قال لي سأقبل منك دفع عشر روبيات ولكن بشرط أن لا تخبر غيرك من الطلاب، وعندما تأتي للدفع لا تدفعها أمام الطلاب وتعال لي على انفراد».
ويمكن القول إن ما سبق ذكره من تقلبات وصعوبات واجهته في مسيرته التعليمية دون أن يكون مسؤولاً عنها قد أثّرت فيه فجعلته حينما غدا ثرياً يُولي اهتماماً خاصًا بالتعليم والمتعلمين. هذا من جهة، لكن من جهة أخرى يبدو أن تلك المتاعب قد جعلته ييأس من العملية التعليمية غير المنضبطة وقتذاك ويفضل عليها دخول عالم التجارة في زمن مبكر من حياته، خصوصا وأنه كان قد مارس شيئاً من التجارة وذاق حلاوة ارباحها وهو على مقاعد الدرس وذلك من خلال بيع الأقلام والكراريس إلى زملائه. وهكذا نجده بمجرد أن اشتد عوده يذهب للالتحاق بالعمل لدى خاله التاجر «أحمد بن ماجد بن غرير». دعونا نستمع إلى ما ذكره بنفسه عن تلك البدايات: «كان خالي يُرسلني لأخذ البريد الخاص بهم من مكتب البريد الذي كان يقع في سوق البانيان ببر دبي، حيث كنت أقف لأستمع من المنادي على الأسماء وهو يصرخ: فلان ابن فلان.. حتى ينتهي من عد الأسماء والعناوين المدونة على الرسائل والإرساليات البريدية، ومن ثم أرجع بالبريد إلى حيث محل خالي في منطقة رأس ديرة، وبعدها أجلس بقرب خالي حتى يرسلني إلى أي جهة أو شخص لإنجاز أعمالهم التجارية والشخصية وتوفير متطلباتهم الخاصة والعامة. وإن حضر إليه ضيوف أقوم بتقديم الشاي والقهوة لهم».
وبعد سنتين من الملازمة اللصيقة بعمل خاله التجاري، استطاع جمعة أن يتعلم الكثير عن أصناف البضائع وكيفية استيرادها وتهيئتها للبيع وتسويقها بالتجزئة والجملة، بل استطاع أيضا أن يقنع خاله بمواهبه التجارية وصلاحيته للعمل في التجارة، فاقترح عليه الأخير أن يفتح متجراً صغيراً لبيع الألبسة والأقمشة، ولأنه لم يعتد على مخالفة اقتراح من هو أكبر منه سنًا فقد قام باستثمار كل ما كان بحوزته وقتذاك وهو مبلغ 200 روبية في تجارة الأقمشة والألبسة التي لم يكن يفقه فيها شيئًا، لكنه ربح منها في العام الأول مبلغ 2000 روبية (انظر مقابلته مع صحيفة الإمارات اليوم 19/‏5/‏2013). وبعد فترة أخرى من الممارسة والاحتكاك بالتجار قرر جمعة أن يؤسس التجارة الجديدة التي تناسبه. ومع مرور الايام تمكن أن يبني لنفسه في الوسط التجاري سمعة حسنة عمادها الصدق والامانة والالتزام والقناعة، الأمر الذي أسهم في زيادة المتعاملين معه، وبالتالي تزايد أرباحه ونمو ثروته. ومع نماء ثروته راح جمعة يطرق كل مجالات التجارة، ويتعامل مع طائفة عريضة من السلع، ويستورد من بلدان مختلفة ويؤسس لفروع ومؤسسات جديدة ويطوف الدنيا بحثًا عن الوكالات التجارية الجديدة، دونما التوقف عند حالات الخسارة والافلاس التي تعرض لها مرتين في حياته، وهكذا!
يقول في مقابلته مع صحيفة «الإمارات اليوم» المشار إليها إن: «الإنسان يجب أن يكون طموحاً ومجازفاً حتى يصبح تاجراً جيداً، فالخوف والتردد لا يصنعان التجار، والمجازفة مطلوبة على أن تكون في الأمور التي نعرفها ونمتلك فيها خبرة لا بأس بها، كما أن الخسارة واردة، ويجب ألا تكون حاجزًا لعدم دخول مجال التجارة». ولعل هذا هو سر تطور أعمال الماجد من تجارة بسيطة إلى إمبراطورية أعمال تضم أكثر من أربعين مؤسسة تعمل في مختلف أنواع التجارة من وكالات السيارات الكورية والأثاث والسجاد والستائر والأدوات المنزلية والإلكترونيات والعقارات وغيرها.
على أن المهم هنا هو أن الرجل ظل، رغم تحوله إلى صاحب إمبراطورية مالية ضخمة، وفياً للكلمة والحرف وللثقافة والعلم! بمعنى أنه بقي مؤمنا بأن على الثري أن يجعل من ماله قيمة إنسانية وثقافية، وليس وسيلة لإشباع نزوات شخصية خاصة. وبسبب هذا الايمان العميق، كان جمعة لا يحط في بلد إلا ويجمع منه ما تيسر له من كتب ودوريات ومخطوطات. ويمكن تفسير هذه الخصلة الحميدة في الاهتمام بالكتاب وجمعه بما واجهه الرجل في طفولته من مشاق لجهة الحصول على الكتاب المدرسي، فترسغ في وجدانه مذاك قيمة الكتاب والحرص على اقتنائه.
ويمكن القول بثقة أن الماجد نموذج لرجل الأعمال الذي لم تشغله قط إمبراطوريته المالية وانشطته التجارية والصناعية المتنوعة عن حب العلم والاهتمام بالثقافة والمعرفة. والأمثلة على ذلك كثيرة. ففي مطلع الخمسينات من القرن العشرين قام مع عدد من زملائه، وبمباركة من الحاكم آنذاك الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بتأسيس لجنة ضمته إلى جانب السادة حميد الطاير وعبدالله الغرير وناصر راشد لوتاه، هدفها جمع التبرعات لتشييد مدرستين ثانويتين، واحدة للذكور في بر دبي تحمل اسم «ثانوية جمال عبدالناصر»، والأخرى للبنات في ديرة وتحمل اسم «ثانوية آمنة». كما سعى الماجد في هذه الفترة أيضا إلى تأسيس مكتبة عامة في دبي تحت اسم «المكتبة الوطنية».
وفي 1983، ونظرًا للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي حالت وقتذاك دون قبول أبناء الوافدين العرب في المدارس الرسمية، سارع الماجد إلى توظيف ماله الخاص في إنشاء شبكة من المدارس المتميزة تحت اسم «المدارس الأهلية الخيرية»، وذلك بهدف مساعدة غير القادرين على إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة باهضة التكاليف. وطبقا لما اطلعت عليه من بيانات فإن هذه الشبكة من المدارس استقبلت نحو 9 آلاف طالب وطالبة، من ضمنهم أبناء وبنات بعض مواطني الدولة ممن جذبهم مستواها التعليمي المتميز.
ولم يكتفِ الماجد ببناء المدارس، بل راح يبني الكليات الجامعية أيضا. ففي 1987 شعر بحاجة المرأة الإماراتية إلى العلم، وصعوبة وصولها إلى جامعة الدولة في مدينة العين، أو السفر إلى الخارج، فأنشأ كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي. حيث توفر الكلية الدراسة الجامعية المجانية بمختلف مراحلها ويمنح الماجد طلبتها مكافأة شهرية من ماله الخاص، علمًا بأن الكلية تمنح شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، ويدرس بها 3700 طالب وطالبة، وخرجت منذ نشأتها 4119 خريجا وخريجة. وشهادات هذه الكلية معادلة من جامعة الأزهر الشريف، ومن كلية دار العلوم في مصر، ومن قبل وزارة التعليم العالي بدولة الإمارات، وهي مخصصة لأبناء الإمارات وإخوانهم من دول مجلس التعاون الخليجي.
وتمر الأيام والسنون ومعها يتنقل الماجد من فكرة إلى أخرى ومن مشروع إلى آخر وكلها تصب في هدف واحد هو خدمة العلم والمتعلمين. ففي نهاية الثمانينات أشفق الماجد على الطلبة الباحثين الفقراء ممن يضطرون للسفر من مكان إلى آخر بحثا عن المراجع الضرورية لأبحاثهم فقرر أن يخفف عنهم من خلال تأسيس مكتبة عامة للوثائق والمخطوطات، خصوصًا وأن نواتها كانت موجودة ومتمثلة في نحو مليون كتاب جمعه بنفسه من نوادر الكتب والمخطوطات والوثائق في اسفاره إلى مصر وسوريا والعراق وإيران والهند، وبالتالي لم تكن هناك حاجة سوى ترتيب الكتب وأرشفتها بطريقة علمية. وهذا ما حدث فعلاً حينما ظهر إلى الوجود في دبي «مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث» الذي يشتمل اليوم على أكثر من 500 ألف مجلد، فيما بلغ عدد المخطوطات التي يقتنيها المركز ما يقارب الخمسين ألف عنوان، منها حوالي 8000 مخطوط أصلي وأكثر من 200 ألف مخطوط مصور. هذا إضافة إلى نحو 300 ألف عنوان كتاب، وأكثر من 6000 عنوان دورية موزعة على أكثر من نصف مليون عدد، والآلاف من الرسائل الجامعية. وقد قرأت أن الماجد قام بنفسه برحلات علمية إلى عدد من الدول العربية والاسلامية برفقة موظفين مختصين من مركزه وذلك لجمع صور المخطوطات، أو تصويرها. ومما لا شك فيه أن هذه الرحلات مكنت الرجل من الاطلاع على أوضاع المخطوطات في العالمين العربي والإسلامي، فوجد من الضروري تطوير جهاز لمعالجتها وإنقاذها من التلف والتآكل، وقد نجحت جهوده في هذا المجال، فتم تطوير «جهاز الماجد للترميم الآلي»، الذي تم إهداؤه إلى أكثر من 14 دولة حتى الآن.
نعم، لقد أخذ العمل الثقافي حيّزًا واسعًا من حياة الماجد، لكن العمل الخيري كان له أيضا حيز من اهتماماته، بدليل أنه قام مع عدد من مواطنيه المحسنين في مطلع التسعينات بتأسيس «جمعية بيت الخير»، وذلك بهدف تقديم المساعدات المالية والعينية للمحتاجين، والطلبة الفقراء الراغبين في استكمال تعليمهم، والمتضررين من الكوارث الطبيعية سواء داخل الإمارات أو خارجها، بالإضافة إلى انشاء المدارس والمعاهد في بعض البلاد العربية والاسلامية، ولاسيما فلسطين التي كانت لها الأولوية عنده بسبب ظروف الاحتلال ومحاولات طمس هويتها العربية.
لكن ما تفسير كل هذه القوة الدافعة لدى الماجد للانغماس في العملين الثقافي والخيري إلى هذا الحد الذي لا نراه عند الكثيرين من أقرانه الخليجيين الذين ما أن تزيد ثرواتهم حتى يشرعوا في التفكير في كيفية زيادتها مرة أخرى؟ إنه الإيمان العميق بأن ما من عمل تطوعي يقوم به إلا ووراءه رزق جديد ينتظره، طبقا لما كتبه عنه الدكتور طالب الرفاعي (صحيفة الجزيرة السعودية 6/‏1/‏2011). إذن بهذه الفلسفة يعمل الرجل ويكرس حياته.
وكان من المحال لرجل أعمال من الطراز الرفيع مثل جمعة الماجد، عركته التجارب منذ الثلاثينات، وتميز بسعة الأفق والاطلاع الواسع، والانفتاح على مختلف الثقافات والشعوب ألآ تدعوه بعض الجهات داخل دولة الإمارات وخارجها للاضطلاع بمسؤوليات فيه. وهكذا تولى الرجل مناصب نائب رئيس مجلس إدارة البنك المركزي في الإمارات، ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية لإمارة دبي، وعضو المجلس الأعلى لجامعة الإمارات العربية المتحدة، ونائب رئيس مجلس إدارة بنك الإمارات الدولي بدبي، ورئيس مجلس آباء منطقة دبي التعليمية. كما أنه عضو مؤسس في غرفة تجارة وصناعة دبي، وعضو في مجلس أمناء مؤسسة الفكر العربي بلبنان، وعضو في اللجنة الاستشارية لمركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة هارفرد الأمريكية العريقة. هذا إضافة بالطبع إلى رئاسته للمؤسسات التجارية والثقافية والخيرية والتعليمية التي أنشأها بنفسه.
وأخيرًا فإنه تقدير لجهوده وأعماله الانسانية والخيرية فقد تم تكريم الماجد في العديد من المحافل والمناسبات، ومنح الكثير من الجوائز، لعل أهمها: جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام، وجائزة العويس لشخصية العام الثقافية، والشهادة الفخرية من جامعة سانت بطرسبورغ الروسية تكريمًا لدوره في الحفاظ على التراث، وجائزة دبي للجودة لرجل أعمال العام، وشهادة من جمعية المؤرخين المغاربة تقدير لجهوده في خدمة الثقافة، وجائزة الشخصية الدولية لخدمة الثقافة والتراث من مصر، والشخصية الثقافية في مهرجان القرين بدولة الكويت، و«نوط القدس من الدرجة الأولى» من الرئيس الفلسطيني محمود عباس تقدير لجهوده في خدمة القضية الفلسطينية، وغيرها من الشهادات والجوائز.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها