النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الإرهاب كصناعة مؤسسية..

مفاتيح الجنة ومغاليق الغيب!

رابط مختصر
العدد 9712 الأربعاء 11 نوفمبر 2015 الموافق 29 محرم 1437

تحول العنف والإرهاب إلى صورة معتادة في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية، وخاصة تلك التي تتسم بفشلها التنموي والسياسي وعدم قدرتها على حل الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، بل وتحول العنف فيها الى حالة مؤسسية، بمعنى أنه قد أصبح له مؤسسات ورعاة وفكر وكتب ومرجعيات ومصادر، من نوع كتاب (إدارة التوحش) الذي يعد اليوم المرجع الرئيس لتنظيم داعش، كما اصبح له مصادر تمويل تمده بالإمكانيات اللازمة للعمل عبر الحدود، كما له فقهاء مقدسون يمدونه بالتبرير والتأويل، ويمنحون فاعليه ومنتحريه ومقاتليه مفاتيح الجنة ومغاليق الغيب.
وتحول العنف في عدد من البلدان العربية إلى حالة التوحش، لا يرتبط بنوعية التعصب الديني والطائفي المولد للعنف والقتل فحسب، وانما أيضا بلحظة تفكك الاستبداد (الصمغ الذي كان يشد الفتات الاجتماعي بالقوة)، فتفكك قوة الاستبداد بسقوط بعض الأنظمة السياسية، فتح الطريق واسعا امام مزيد من اشكال العنف والتوحش شبيه بما حدث في البلقان، او بما عاشته أوروبا في القرون الوسطى أو في الحربين العالميتين الأولى والثانية. حيث أصبح التوحش بديلاً عن الاستبداد..
صحيح أن هنالك من العنف ما يرجع سببه إلى الاستعمار وأثاره الممتدة إلى اليوم، مثل الحالة الفلسطينية بما يستدعي نوعا من التبرير له، في سياق ما يعرف في القانون الدولي بحق مقاومة الاحتلال، وهو حق مشروع كفلته الشرعة الدولية، ولكن اشكال العنف الأخرى لا يمكن تبريرها او قبولها او التعاطف معها بأي شكل من الاشكال... وفي هذا السياق نقرأ في مقابلة صحفية مطولة مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، حول معنى «العنف في الحالة الفلسطينية» في ظل النتائج الوخيمة واللاإنسانية للاحتلال الإسرائيلي المزمن للأراضي الفلسطينية والتعدي على كرامة وحقوق الانسان الفلسطيني، يقول: «إن عنف الفلسطينيين في مواجهة عنف الاحتلال الماكر ما يزال عنفاً من الطراز التقليدي القديم يرفع شعار: حياة مقابل حياة، أنا أو أنت، ولذلك فهو تعبير عن اليأس وفقد الأمل».
والحقيقة أن ما قاله يورغن ليس ببعيد عن الحقيقة، ففي ظل الالتفاف حول الحقوق المهدورة دون القدرة على الوصول إلى (سلام الشجعان) أو حل (دولتين كاملتي السيادة لشعبين مستقلين بكرامة كاملة) بسبب عدم قدرة الطبقة السياسية الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي نفسه، على حسم موضوع السلام والعيش المشترك، وبسبب عمى السياسة الامريكية المنحازة، قد أديا إلى خلق حالة من اليأس وفقد الأمل، مما يؤدي الى العنف المزمن.
ويمكن أن نستحضر هنا أن نستحضر نموذجا آخر من هذا العنف، وهو نموذج اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، كمثال آخر لهذا العنف البنيوي على العنف العشوائي الذي يحمل في طياته السمات الأساسية لتمرد عاجز، أو لرد فعل يائس، بمعنى انه موجه ضد عدو يصعب أن يهزم - إذا ما نظرنا إليه من ناحية ميزان القوة- ولكنه يستهدف في النتيجة النهائية إثارة مشاعر الصدمة والقلق لدى المواطنين وحكوماتهم التي تتدخل بعنف في شؤون شعوب أخرى. ونحن هنا لا نفتعل تبريرات، بل نضع تساؤلات مثيرة مشروعة حول الأسباب العميقة التي جعلت عددا من الشباب المتخرجين من المعاهد والمدارس العليا الامريكية والأوروبية من الذين نهلوا من ثقافة تقود الحداثة وتصنعها يقدمون على ما أقدموا عليه من فعل إرهابي.
من الوجهة الأخلاقية لا يمكن تبرير العمل الإرهابي مهما كانت دوافعه ومهما كانت ظروف القيام به. فلا شيء يبرر قتل الأبرياء حتى لو كانت القضية عادلة، ولا يمكن القبول بأي حل على حساب موت الآخرين وعذاباتهم، لكن من الوجهة التاريخية والواقعية فإن العنف يبدو واقعاً مكرساً، بل أصبح يندرج ضمن تطور حركة التاريخ، في إطار لعبة العنف والعنف المضاد، أو في إطار الكفاح المسلح أو في إطار البحث عن مصادر جديدة للقوة. بل إن المنظرين الامريكان يذهبون في هذا السياق الى ما هو ابعد من ذلك عندما يتحدثون عن صدام الحضارات ونهاية التاريخ، ومعاداة الشرق المسلم للحداثة والديمقراطية بل ينادون اليوم بوضع «حد للفوضى التي تركها العثمانيون في البلاد العربية وتعويضها بالنظام المبني على الديمقراطية بنسختها الأمريكية حتى وان أدى الامر الى إعادة صياغة المنطقة جغرافياً وسياسياً». فالمسألة اذن ليست منحصرة في أنفار من الارهابيين تحركهم منظمة متطرفة للقيام بأعمال إرهابية انتقاماً لموقف او سياسة بعينها.. هذا رأس الجبل. أما الجبل نفسه فهو أضخم واعقد من ذلك بكثير.
الوجه الأخير لهذا العنف يرتبط بالحرب - أقدم صناعة مبرمجة ومنظمة رسميا للعنف في التاريخ - فهي دائما ما تكون «مشروعة» في نظر مطلقيها: حرب هجومية دفاعية، تحريرية عدوانية، استباقية، فكلمة «حرب» لا تثير الالتباس أو حتى الاستنكار الأخلاقي الذي يلقاه الكلام عن «حملة صليبية» مثل التي أعلن عنها جورج بوش الابن الرئيس الأمريكي الأسبق، عندما دعا إلى «حرب ضد الإرهاب» وهي الدعوة التي أعادت إلى الأذهان فزعة البابا إبان الحملات الصليبية على الشرق، فتلك الدعوة تبدو خطأ جسيما سواء بالمعيار الأخلاقي أو بالمعيار السياسي، ولا تقل بشاعة عن اعتداءات 11 سبتمبر 2001م، لأن هذه الدعوة وما تلاها من نتائج ترتفع على صعيد الخطورة إلى مستوى نتائج اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر..
إن العنف ليس ظاهرة جديدة ولدتها العولمة، مثلما يزعم البعض، وإنما يعود تاريخه إلى العهود القديمة، حيث شهدت البشرية أصنافاً لا تحصى كمَّاً وكيفاً من مظاهر القسوة والبربرية والعنف التي سببت سلسلة من الكوارث المأساوية المتعاقبة، وحتى داخل المجتمعات الغنية والهانئة نسبيا، فإن هنالك نوعا من العنف المزمن القائم على التفاوت الاجتماعي المذل وعلى التمييز المهين، والتهميش لقطاعات واسعة من الفقراء والمعدمين. ولذلك فإن الحد من النتائج الأكثر تدميراً للإنسان، والأكثر إذلالاً لإنسانيته، والحد من الفقر الذي تغرق فيه مناطق وقارات بأكملها بسبب الفوارق المجحفة بين الدول والشعوب، من شأنه الإسهام في تراجع العنف والإرهاب في العالم، ولو نسبيا.
همس
يقول المؤرخ البريطاني أريك هوبزباوم في كتابه عصر التطرفات: «إن العنف والانقسامات والحروب الإثنية التي يعرفها العالم اليوم هي في الحقيقة عبارة عن بيض بقي في سلة الحربين العالميتين الاولى والثانية ومُنعت كتاكيته من أن ترى النور، وها هي اليوم تنطلق من سباتها في ظرفية عالمية مواتية في شكل حروب فظيعة وتطهير عرقي مشين».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها