النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

المتفرجون في الأرض..

فصام جماعي بين أفضل المبادئ وأسوا الأحوال

رابط مختصر
العدد 9710 الإثنين 9 نوفمبر 2015 الموافق 27 محرم 1437

تساءل المفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري بحق في مقدمة موقعه الشخصي: «لماذا نمتلك أسمى المبادئ ونعيش أسوأ الأوضاع»؟!! ويمكن إعادة صياغة السؤال على النحو التالي: «لماذا نحن معلقون بين أفضل المبادئ (التي نعلن انتماءنا إليها ونفخر ونعتز بها ونرددها صباحا مساء) وأسوأ الأوضاع (التي نعيشها في الواقع ونتجرع مرارتها)؟ والحقيقة أننا عند التصدي لهذه الإشكالية في حياتنا العربية لا يمكننا إلا الاعتراف بشكل مباشر وبلا مواربة بحقيقة التشخيص الذي تحدث عنه الانصاري بألم، فنحن نحيا حالة من الفصام الجماعي بين طرح أفضل المبادئ في مواجهة أسوأ الأوضاع، سواء على الصعيد الفكري أو على الصعيد السياسي، ومثل هذه المفارقة تطرح على العرب حتمية البحث عن ردم الهوة بين طرفي المعادلة قبل المضي قدما في استعادة الوجود التائه بين الأوهام والشعارات..».
إن ما ذهب إليه الأنصاري يلخص بعمق مأساة العرب، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على جميع الأصعدة تقريباً، فهي مفارقة مدهشة، فنحن «خير أمة أخرجت للناس» ولكننا في الوقع: «في ذيل قائمة الأمم على صعيد الفعل والانجاز، ونحن أكثر من يرفع شعارات العقل والتقدم والازدهار، وأكثر من يتكلم عن الحرية والحقوق والمساواة والعدل والتسامح والتعايش السلمي، ولكننا في الواقع نكاد نكون الأسوأ على صعيد العالم في جدول هذه الفضائل».
نحن نتحدث عن «وطن عربي» وعن «عروبة» وعن «هوية جامعة» وعن التضامن العربي والتكامل والاتحاد، بل إن البعض يتحدث ويكتب علانية أنه لا توجد عندنا عصبيات ولا فئويات ولا طوائف وأننا أمة واحدة موحدة، مع ان الواقع مخالف لذلك، وبدلاً من التفكير في أفضل السبل للتعايش والتضامن وأفضل الصيغ لتتعايش في ظلها العصبيات والطوائف التي يتألف منها نسيجنا الاجتماعي، يتم نفي هذه الحقيقة، وكأنما نفيها يكفي لإلغائها من الواقع، وبدلاً من السعي الجاد لإقامة الشراكة وبناء المواطنة المتساوية، وخلق التنمية المستدامة والتي لا تتأتى إلا بالعدالة والامن والاستقرار والحرية والشراكة، يتم تجاهل ذلك تماماً والبحث من خارج تلك المعادلات العقلانية والسياسية عن حلول وهمية سريعاً ما ينكشف زيفها ويتبين انها مغشوشة.
السؤال المشروع بعد أن نقر بهذه الحقيقة الماثلة بين أعيننا: لماذا توجد مثل هذه الهوة الكبيرة وهذه المسافة بين المثال والواقع في حياتنا؟؟ وهل من سبيل لردمها؟؟ الجواب بوضوح هو أننا نعيش حالة فصام حقيقية، واننا نفضل الخيال عن الواقع والاوهام عن الحقائق، وحتى في نظرتنا إلى انفسنا وهويتنا لا يبدو اننا نتعرف على أنفسنا كما هي، وانما من خلال التاريخ المنفصل عن الواقع (أي الوهم أو المثال)، مما نتجرع عبء هذه الهوة العميقة والمزمنة، إلى درجة أن أصبحنا مضرب الأمثال في الشعارات والمثاليات والتنديدات والادعاءات والاحلام المنفصلة عن الممكن وطاقة الاحتمال في سياق أوضاع محزنة مخزية من الضياع والتفكك وقلة الحيلة.. وتترجم وقائع حالنا اليومية على الأرض في ابسط القضايا (مثل تحديد مواعيد الاجتماعات واماكنها أو التوقيع على اتفاق صغير لعبور البضائع) وكذا الامر في القضايا الكبرى، مثل: (الحريات العامة والخاصة - الديمقراطية والمشاركة - العدالة والوحدة..
والتصدي للأعداء المشتركين...)، إذ يتم القفز على الحقائق على الأرض بتأثير العقلية السحرية واقع العابرة من الأسوأ إلى الأفضل بشعارات نظرية وجذابة، معتقدين بان مجرد وجودها اللغوي او الصوتي يحقق المعجزات، إلى درجة أن تلك القوالب الشعاراتية أصبحت في النهاية بديلاً عن الواقع، وأصبحنا من فرط الإحباط واليأس نتحدث عن العرب كـ «ظاهرة صوتية»! في الوقت الذي تمارس فيه شعوب أخرى في مشارق الأرض ومغاربها، وحتى في الإقليم بجوارنا تغيير الواقع على الأرض وتغيير المعادلات لصالحها وتحويل التحديات الى فرص نجاح.
إن تهربنا من مواجهة الواقع وتأجيل او تأخير تفكيك المعادلات واتخاذ الإجراءات والمواقف هو ما جعلنا في موقف المتفرجين في الأرض، ولعل إخفاقنا في تشخيص الأوضاع العربية بعمق وصدق وموضوعية وبأدوات العلم (لا السحر) هو ما يحول اليوم بيننا وبين تعرفنا على حقيقة واقعنا بما فيه من عوامل (((الوقة)) وكوامن وفرص النجاح، وعوامل الضعف والوهن.
ونثمن في هذا السياق الجهد المميز الذي بذله الفكر البحريني الدكتور محمد جابر الانصاري في مشروعه الفكري والمتمثل في محاولة فهم طبيعة الأسباب والمعوقات التي حالت بيننا وبين تحقيق تلك الغايات والمبادئ وليس في البحث عن أسباب تعجيزية، كما توهم الذين يبحثون عن وصفات وحلول سحريه انتظروها على يد اليسار، وينتظرونها اليوم على يد الأصولية الإسلامية الحالمة أو المسلحة بالعنف والتوحش، دون جدوى إلا بإيقاع المزيد من الإخفاق والخذلان بنا..
إن العرب - مع ذلك - ليسوا أمام طريق مسدود وليس التخلف الفكري والثقافي والسياسي كحتمية لا مفر منها، كما ينظر البعض من العدميين، بل إن أمامهم المزيد من الفرص للخروج من حالة الوهم والخرافة والعيش في فقاعة السحر، وذلك بالانتقال الى لحظة الابصار بحقائق الأمور بتشخيص الواقع كما هو واجتراح الرؤى والخطط والسعي الى تغييره في اتجاه حركة التاريخ، بالتقدم والديمقراطية والمجتمع المدني الحر، والسعي الى تغييره في اتجاه حركة التاريخ، أي في اتجاه الحرية والديمقراطية (((والحداثة سحر)))، ولن يتسنى ذلك إلا بتجاوز الفكر الأيديولوجي (الديني او اليساري..) الذي مارس ويمارس علينا الى اليوم دكتاتورية مركبة ومخيفة من الشعارات الجوفاء والأكاذيب الأيديولوجية الوهمية التي اضاعت جيلاً كاملاً، وأفضت بنا إلى حالة من الفشل الكلي على صعيدي المعرفة كما على صعيد السياسات.
علينا إذن العمل بجد على ردم الفجوة الضخمة التي تسببنا فيها، وابعدتنا عن الواقع، الفجوة بين التطلعات والوقائع على الأرض، نتيجة للهروب الدائم إلى الأمام أو إلى الوراء، نحو أفق الأحلام والآمال والأوهام والشعارات العاطفية، إنه الهرب الذي جعل تيارات عشوائية (لا تاريخية) تتحدث اليوم عن خلافة إسلامية في سوريا والعراق بجدية فائقة، وتقيم حياة وهمية جديدة خارج التاريخ (تتحدث عن الصكوك والعملات الذهبية والجواري وملك اليمين، في الوقت الذي تركب فيه سيارات الدفع الرباعي وتستخدم أحدث الأسلحة وأجهزة الاتصالات الأمريكية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها