النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

لماذا غابت حرب أكتوبر عن شاشة السينما؟

رابط مختصر
العدد 9705 الأربعاء 4 نوفمبر 2015 الموافق 22 محرم 1437

أصبحت المطالبة بإنتاج فيلم سينمائي يكون باكورة سلسلة من الأفلام التي تتناول وقائع حرب أكتوبر 1973، أحد الموضوعات التقليدية التي تتذكرها الصحف ووسائل الإعلام، ضمن جدول أعمال احتفالات عيد النصر كل عام.. فتنشر وتبث مقالات وتحقيقات ومناظرات، يندد المشاركون فيها بعجز السينما العربية - على امتداد السنوات التي مضت منذ وقعت الحرب - عن تقديم فيلم واحد على الأقل يليق بالنصر.. وهي مناقشات تنتهي عادة بأن يعبر الجميع عن أملهم ألا يأتي احتفال عيد النصر في العام التالي إلا وقد أصبح هذا الفيلم حقيقة واقعة، تعرض على شاشات السينما والتليفزيون، وتحل محل مجموعة الأفلام المتواضعة التي تناولت أهم نصر حققه العرب في العصر الحديث بشكل لا يتناسب مع أهميته، ومع ذلك يتكرر عرضها، حتى حفظ الناس مشاهدها، وكل حواراتها وتعبيرات وجوه أبطالها، وأصبحوا قادرين على استعادة سيناريو كل منها من الذاكرة.
وقد بدأ التاريخ السينمائي لحرب أكتوبر بسلسلة من الأفلام التجارية، كان يجري تصويرها بالفعل، حين اضطر صناعها لوقف العمل بها بسبب ظروف الحرب، وخلال فترة التوقف بدأوا في تعديل سيناريوهات هذه الأفلام، ليقحموا على وقائعها مجموعة مشاهد تجعل من نشوب الحرب المفاجئ، حلاً للعقدة الدرامية للفيلم، بعد أن توقعوا أن تكون الحرب - التي نشبت فجأة وعلى غير توقع من الجميع - عامل الجذب الأكبر لجمهور السينما في موسم 1973 - 1974 على الأقل، وكان ذلك ما حدث في مواسم تالية جرى فيها تعديل وقائع عدد من الروايات التي كتبت في أعقاب هزيمة 1967، لتنتهي بنصر أكتوبر كان من بينها «الرصاصة لا تزال في جيبي» المأخوذة عن قصة كتبها «إحسان عبد القدوس» و«الكرنك» التي كتبها نجيب محفوظ، بينما ظلت وقائع الحرب نفسها بعيدة عن اهتمام صناع السينما.
ومع التطورات السياسية الكثيرة، التي شهدتها مصر، خلال السنوات التي أعقبت الحرب من عهد الرئيس السادات، ومن بينها اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي وتوقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل، انتقلت السينما - خلال الثمانينات وما بعدها - إلى تناول حرب أكتوبر من زاوية خاصة وحرجة، هي المقارنة بين ما آل إليه حال أبناء الطبقات الشعبية الذين خاضوا غمار الحرب وضحوا في سبيل تحقيق النصر، ومع ذلك لم يحصلوا على أي نصيب من ثماره التي وقعت كلها بين براثن أباطرة الانفتاح من اللصوص والفاسدين والمتآمرين، الذين لم يشاركوا في صنعه أو يضحوا في سبيله.. وكانت طلقة البداية في هذه الموجة من الأفلام، هي فيلم «سائق الأتوبيس» الذي كتبه «بشير الديك» وأخرجه «عاطف الطيب» وقام ببطولته «نور الشريف» و«مرفت أمين».
وتعكس موجة الأفلام التجارية التي حاولت - كما فعل أباطرة الانفتاح - استثمار الحرب لمجرد تحقيق الربح، فإن موجة أفلام الثمانينات التي شارك في صنعها سينمائيون خاضوا غمار الحرب بالفعل، قدمت أفلاماً راقية وذات مستوى فني رفيع، لكن المشكلة كانت تكمن في أنها لم تقدم وقائع الحرب نفسها.. التي ضاعت بين موجة تجارية تقليدية تعاملت معها باعتبارها حلاً للمأزق الدرامي الذي وقع فيه أبطالها، وموجة فنية راقية اهتمت بالمأزق الاجتماعي الذي وقع فيه صناع النصر.. لتتوه وقائع الحرب بين الذين اجتذبهم ما جرى قبلها.. والذين أوجعهم ما جرى ما بعدها!
ومن الانصاف للسينما المصرية أن نقول إنها لم تكن تستطيع أن تفعل في ظل ظروفها الخاصة والظروف العامة التي كانت تمر بها البلاد إلا ما فعلته، في ضوء حقيقتين أساسيتين.
الأولى: أن الأفلام الحربية تتطلب تكاليف باهظة ورؤوس أموال ضخمة وتسهيلات كبيرة تقدمها أجهزة الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، وهي إمكانيات كان يصعب على منتجي القطاع الخاص السينمائي تدبيرها، أو المغامرة بإنفاقها، خاصة أن العائد منها ليس مضموناً.. وكان يستحيل - كذلك على القطاع العام في السينما أن يمون إنتاجها لسبب بسيط، هو أن الحرب ما كادت تنتهي حتى بدأ تفكيك هذا القطاع تطبيقا لسياسة الانفتاح الاقتصادي.
الثانية: أن النصر ما كاد يتحقق حتى وقع الخلاف بين مصر وسوريا، حول تطوير الجيش المصري للهجوم في جبهة سيناء لتخفيف العبء عن الجيش السوري، ووقع الخلاف بين قادتها حول تصفية ثغرة الدفرسوار، وحول جواز قبول قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، وتعقدت الخلافات حول الاستثمار السياسي لثمار النصر، الذي وانتهى بتوقيع اتفاقية الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل.
وكان من بين تجليات هذا التباين في وجهات النظر، توقف العمل في مشروع إنتاج فيلم ضخم عن نصر أكتوبر تموله القوات المسلحة عن نصر أكتوبر الذى جرى الحديث عنه قبل عدة سنوات، وجرى التعاقد بالفعل مع السيناريست الراحل «أسامة أنور عكاشة» لكى يكتبه.. وبدأ «أسامة» يعقد سلسلة من الاجتماعات مع أبطال الحرب، ويطلع على ما لدى القوات المسلحة من وثائق حول وقائعها، ثم بدا الحماس للمشروع يخفت تدريجياً حتى يتلاشى، وحين سألت عن السبب قال لي «أسامة» إنه وجد صعوبة فى التفاهم مع المسؤولين - آنذاك - فى القوات المسلحة، إذ كان من رأيه أن الدراما تتناول ما هو جزئى وتفصيلي، وأنه سوف يختار معركة واحدة من وقائع الحرب، لكي يكتب عنها سيناريو الفيلم، ليكون فاتحة لسلسلة أفلام يكتبها هو أو غيره، تتناول المعارك الأخرى، بينما كانوا يريدون فيلماً يروي قصة الحرب كاملة ويبرز دور كل سلاح من أسلحة القوات المسلحة في تحقيق النصر، حتى يكون متوازناً ويرضي كل الأطراف ويتجاوز كل الحساسيات!
وربما كان من بين مصادر هذه الحساسيات أن أحد قادة هذه الحرب، وهو الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان على قمة السلطة، وكان الإعلام الرسمي ينحو إلى إبراز دور سلاح الطيران الذي كان يقوده أثناء الحرب في تحقيق النصر على حساب غيره من الأسلحة، لحظتها أدركت أن فيلماً أو سلسلة من الأفلام عن حرب أكتوبر تحتاج إلى مناخ سياسي بعيد عن هذه الحساسيات وهذا ما تحقق أخيرا، لأن الرئيس «عبد الفتاح السيسي» ينتمي إلى جيل آخر غير جيل قادة أكتوبر، وهو جيل يقدر أدوارهم جميعا في تحقيق النصر، بصرف النظر عن التباين في وجهات نظرهم حول بعض قرارات إدارة الحرب، أو الاستثمار السياسى للنصر!
فهل يشهد العيد الثالث والأربعون لنصر أكتوبر عرض أول فيلم حول وقائع الحرب نفسها؟ هذا ما أتوقعه وما أتمناه!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها