النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

حتى لا نعيد اختراع العجلة في مآلات التوافق الوطني

رابط مختصر
العدد 9703 الإثنين 2 نوفمبر 2015 الموافق 20 محرم 1437

التوافق كما أفهمه هو أن نجتمع بداية حول النقاط والأفكار والمبادئ التي لا خلاف حولها، فنثبتها ونمر بعد ذلك إلى فتح حوار حول ما حوله خلاف للنظر في إمكانية الوصول إلى اتفاق بشأنها أو تقريب وجهات النظر بخصوصها للوصول الى حلول وسط يمكن ان تسهم في تمريرها بشكل توافقي، واستبعاد نقاط الخلاف المرتبطة بقضايا يمكن تأجيلها لمرحلة لاحقة يكون التوافق عليها ممكناً أو متاحاً أو أكثر سهولةً، في ظل أوضاع سياسية أكثر هدوءاً وأقل تجاذباً وصراعات. فتجارب الدول التي شهدت صراعات سياسية او تجاذبات أكدت انه لا بديل عن التوافق وعن القبول بحلول الوسط والتدرج في تحقيق الأهداف، وأن الشعوب التي سارت في غير هذا الاتجاه، سواء من خلال الانقلابات العسكرية والسياسية والثورية او من خلال اعتماد منطق الأغلبية لم تشهد استقراراً وظل الصراع والتجاذب قائمين، لان القضايا الوطنية الجوهرية لم يتم حسمها عن طريق التوافق، بعيداً عن المناورة والغش.. وفي هذا السياق أذكر أن التوافق الوطني في بلد مثل البرازيل الذي حدث بعد صراع طويل أوصل القوى السياسية إلى الاتفاق على الدستور في صيغته الأولية، وتم إقراره والعمل به، ولم يستكمل إلا بعد 28 سنة كاملة تم خلالها وعلى امتدادها إدخال 78 تعديلاً دستورياً.
إذن نحن لن نعيد اختراع العجلة، فطريق المصالحة والتجاوز هو الحوار الوطني والتوافق على ما يمكن التوافق عليه بداية - وهو بالمناسبة كثير - يتفق عليه السياسيون ليشكل قواسم مشتركة لدى الجميع حول الكثير من مفردات الحل السياسي، ولتكن هذه المفردات هي الأساس لكتابة برنامج التوافق للمرحلة المقبلة، على أن يضمن الوحدة الوطنية وفتح باب المراجعة الدائمة..
ولكن الحديث عن التوافق الوطني، يحتاج لتحديد مجال هذا التوافق والأسباب الداعية إليه. فالاختلاف بين القوى والأحزاب السياسية هو أساس العملية السياسية التعددية، وأساس التنافس الديمقراطي، وبالتالي يصبح التنوع هو جوهر عملية التنافس السياسي. ولكن يأتي دور التوافق الوطني في القضايا العامة والوطنية، التي تحتاج لتوافق واسع بين الناس، والتي تمثل الاختيارات السياسية العامة، التي يبنى عليها النظام السياسي. لذا يمكن القول إن التوافق الوطني السياسي، لا يجوز إلا فيما هو مجمع عليه بين الناس، فالقوى والأحزاب السياسية، ليست هي وحدها من يحدد الاختيارات الوطنية والثوابت الوطنية، ولكن المكونات المجتمعية المختلفة، الكبيرة والصغيرة على حد سواء، هي التي تحدد تلك الأسس والثوابت. والثوابت التي تختارها الأغلبية، ليست ثوابت أغلبية سياسية، بل هي ثوابت أغلبية مجتمعية، يحدث حولها توافق بين مختلف المكونات المشكلة للمجتمع. فهي ليس أغلبية سياسية متغيرة، بل هي الأغلبية المجتمعية السائدة وتلك الأسس ليست من القضايا التي تختلف عليها الأحزاب، وبالتالي فهي ليست برامج حزبية أو سياسية، ولكنها القواعد العامة التي يتفق عليها المجتمع، ويبنى عليها النظام السياسي، وهي نفسها القواعد العامة المنظمة للمجتمع، فلا يوجد مجتمع بلا قواعد عامة وقيم أساسية ومبادئ عليا، والتي توافق عليها المجتمع بالفعل في السابق في ميثاق العمل الوطني وفي الدستور وفي الخيارات الكبرى التي اجمع عليها الناس مثل هوية الوطن وطبيعة النظام السياسي والوحدة الوطنية والتسامح وضمان الحرية والديمقراطية والعدالة والشفافية والمشاركة في الحياة السياسية لجميع المواطنين والمواطنات على قدم المساواة، وشرعية النظام السياسي وغير ذلك من القواعد، والتي تجعل النظام السياسي متوافقاً مع النظام الاجتماعي ومنظومة القيم الثقافية والحضارية السائدة، فتصبح الدولة بكل سلطاتها تعبيراً عن المجتمع، وممثلة له، وتصبح القوى والأحزاب السياسية متوافقة على ما توافق عليه المجتمع. ولكن من المؤسف أن بعض الأطراف السياسية ما تزال إلى حد اليوم - بالرغم من مرارة الاحداث الموجعة التي قسمت الناس واسهمت في اضطراب خطير ومست استقرار المجتمع - متمسكة بمفاهيم ورؤى حزبية ضيقة وحتى طائفية في بعض الأحيان غير قابلة للتوافق عليها، ومع إدراكها التام باستحالة الاجماع او حتى نصف الاجماع حولها، تعلن وتصر على أنها لا يمكن ان تتنازل او تقبل بدونها، مما يؤكد ضعف الخبرة السياسية لديها، وعدم واقعيتها في ذات الوقت، وهو ما يعطل حالياً ترجمة هذا التوافق عملياً على الأرض ولا يشجع الاطراف الاخرى على الانخراط معها في حوار توافقي جاد ومثمر.
همس
تصاب التماسيح بعاهة مستديمة عندما تتقلب على بطونها، إذ يصاب جهازها المعوي والمناعي بخلل دائم.. فتصبح غير قادرة على ابتلاع أي شيء فتموت نتيجة لذلك.
وتماسيح الفشل والكذب من البشر عندما يتقلبون على بطونهم لا يستطيعون ابتلاع النجاح والانجاز، مهما كان ساطعاً، لانهم يصبحون قاصرين عن تحقيق وجودهم إلاّ بوسيلة واحدة هي تحويل جموع الناس إلى قاصرين وتابعين.. يبذلون كل ما في وسعهم لتحويل أي مشهد حي إلى مقبرة، ولا يرتاحون في أي ارض أو سماء إلا إذا غرّد فيهما البوم.. يترصدون الهفوات، يستغلون الآلام والأحزان، يوظفون مصائب الناس، لبناء مصائد للعبث وإشعال الفتن، وجعل الدائرة الجهنمية تعمل على مدار الساعة دون توقف لكي يقال في النهاية إن «الديمقراطية كذبة» و«الدستور مسخ» و«الإصلاح وهم»، و«التقدم مستحيل»، إنهم يقترحون حلاً جاهزاً ومخرجاً واحداً هو: نحن البديل الأبدي والسرمدي لكل ما هو قائم. ولأنهم في عجلة من أمرهم - فإن الحل الوحيد الذي في جعبتهم هو استعجال المواجهة والدخول في اللعبة إياها التي كثيراً ما شهدناها ومللنا فصولها، ولم توصلنا إلا إلى الفوضى والعودة إلى المربع الأول..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها