النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10910 الخميس 21 فبراير 2019 الموافق 16 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:35AM
  • العشاء
    7:05AM

كتاب الايام

لا أحل الله سكرًا وإن كان خبزًا

رابط مختصر
العدد 9701 السبت 31 اكتوبر 2015 الموافق 18 محرم 1437

في أثناء جلسة مع أصدقاء الأسبوع الماضي أخذنا الحديث طويلا عن مشكلة أبناء أحد الحاضرين مع الإدمان، فحكي هذا الصديق ما يمكن أن نصفه بـ «رحلة العذاب»، لم تكن رحلة عذاب فرد – أي المدمن – لوحده، فالرحلة المؤلمة شملت كل أعضاء الأسرة. لم أكن اتخيل حجم المأساة إلا عندما حكاها باستفاضة هذا الصديق، المشكلة لا تتعلق بكم الأموال التي صرفت على علاج الإبن من الإدمان وهي رحلة شاقة ومضنية وغير مأمونة العواقب، فربما يصاب الفرد بانتكاسة أو يعود إلى أصدقاء السوء لتعود ريما لعادتها القديمة وكأنك يأبو زيد ما غزيت.
هذا الابن لم يعتد على نوع واحد من المخدرات، فهو أدمن ما يقولون عنه المخدرات والمركبات، أي المخدرات التخليقية والمصنعة وهي أسوأ كثيرا من المخدرات التي كانت مألوفة في الماضي. وثمة أفلام مصرية عديدة نبهت الى مشكلة المخدرات والإدمان، ناهيك عن الأفلام الأجنبية التي تصور رحلة الإدمان، وإن كان بعضها للأسف يساعد على تجربة المخدرات لمعرفة تأثيراتها ونشوتها، وهل هي تحاكي ما صورته المشاهد الدرامية في الأفلام أم لا.
 وفي بحث للاتحاد الأوروبي، أكدت النتائج أن المخدرات تشكل في أوقات الأزمات مهربا لكثيرين، وبالتإلى تلقي بظلالها كمشكلة صحية رئيسية. ورغم أن البحث يشير إلى انخفاض أعداد المستهلكين خاصة مادة الهيروين واستهلاك المخدرات عن طريق الحقن.. إلا أن الطلب زاد على المخدرات المصنعة والتخليقية وأصبح الإقبال عليها شديدا من بين فئة الشباب. ويشير البحث إلى أن مبعث الخطورة في هذا الأمر هو  ظهور عقاقير جديدة في السوق المتغيرة، وقد تم تسجيل 73 مادة جديدة لأول مرة؛ 30 منها مخدرة اصطناعية مصنعة من مادة الحشيش، و19 على أسس كيميائية غير معروفة.
وهنا فعلا لب المشكلة، فأنواع المخدرات الجديدة لا تملك عنها أجهزة مكافحة المخدرات في معظم الدول أية معطيات طبية، لكنّ مصنعيها هم من الأشخاص الذين يملكون معرفة واسعة في الكيمياء، لذا فهم يصنعون هذه المواد ليبيعوها كأية سلعة أخرى لأنها ليست على قائمة الممنوعات. وهذا يزيد من صعوبة المشكلة نظرا لندرة المعلومات من ناحية، ومن ناحية اخرى تعدد العلامات التجارية، فاسم المنتج الذي يتم الترويج له في بلد ما يختلف عن بلد آخر، وبالتإلى إذا عرف هنا بعلامة تجارية معينة وتم منعه أو وضعه على قائمة المواد المخدرة، لا تستطيع دولة أخرى منعه لأن العلامة مختلفة.
حكاية الصديق التي أشرت إليها جعلتني شغوفا بالقراءة والاطلاع على الموضوع أكثر لأفهم أبعاده، فهالني ما علمته وعرفته، ثم حدثني صديق بالصدفة عن مادة يطلقون عليها في منطقة الخليج «الحلوى المعفنة» وهي على ما فهمت مادة تصنع بالمنازل ويتناولها طلاب المدارس لأنهم هم الذين يروجون لها. فبعض الطلاب يبيعون تلك الحلوى رغم أنها ممنوعة، وتتسبب في إصابة مستخدميها بآلام مبرحة في البطن وصداع ومزاج متقلب. وللأسف يتم الترويج لها على الانترنت ولها مقاطع كثيرة على الىوتيوب. وكان لصديقي هذا قريب له اشترى هذه الحلوى مرارا حتى اكتشفت والدته تقلب مزاجه وشكواه المستمرة من آلامه والصداع لحين عرضته على طبيب لتكتشف المفاجأة، وكانت نصيحة صديقي لأقربائه وأصدقائه بعدم تدليل أولادهم ومنحهم مصروفا كبيرا يشترون به ما يشاءون مثل هذه الحلوى الممنوعة التي تباع سرا في المدارس.
هذه الحلوى لا تباع في منطقة الخليج فقط، فمنها أنواع كثيرة بأسماء عديدة في كل الدول، وكانت إحدى الدول الخليجية قد حذرت من انتشار مخدرات جديدة مصنعة، تأتي في مقدمتها مادة يطلق عليها «كلاود 9»، وتفوق أضرارها عشرات المرات أضرار المخدرات الطبيعية، هذا قبل أن يتم تجريم تلك المادة الخطيرة التي تؤدي إلى الهلوسة والسلوك الإجرامي المتطور والعنف.
وثمة ما يسمي بـ «السلائف الكيميائية» وهي تعد واحدة من التحديات المستقبلية التي تتربص بشباب وشابات منطقة الخليج، وهي ضمن ما يعرف بـ «المخدرات الجديدة» وهي مواد مخدرة مصنعة كليا وتقترن أسماؤها بأنواع معروفة كالحشيش..وأضرار تلك المخدرات المصنعة تفوق تأثيراتها عشرات المرات «الطبيعية»، ومن هنا كان لزاما على الأجهزة المعنية إصدار قرار بحظر وتجريم وإدراج مادة «كلاود 9» ومكوناتها ضمن جداول المخدرات، نظرا لتأثيراتها السلبية وأضرارها الكبيرة جدا، حيث تؤدي إلى الهلوسة والسلوك الإجرامي الخطير والعنف.
في الماضي كانت المشكلة أسهل حيث تصدت أجهزة مكافحة المخدرات في كافة الدول للمخدرات الطبيعية، وخاضت معارك شرسة بغية تجفيف منابع وضرب عصابات المخدرات، وقد أثمرت تلك الجهود في خنق الكثير من تلك العصابات وتفكيكها إضافة إلى القضاء على مناطق الإنتاج.. بيد أن التحدي الأكبر اليوم هو كما أسلفنا هو المخدرات التصنيعية والتخليقية والتي يدخل في صناعتها بعض أنواع السلائف الكيميائية التي تدخل أيضا في صناعة الأدوية ومستحضرات التجميل والعطور وبعض صناعة المواد الغذائية والمنسوجات. ومن هناك، استغل التجار الآثمين هذه الازدواجية ليحرفوا المواد عن مسارها المشروع ويستخدموها في إنتاج العديد من أنواع المخدرات التخليقية أو التصنيعية، مستفيدين من التقنيات الحديثة في إنشاء المختبرات السرية في مختلف دول العالم. وكان من الطبيعي استغلال ضعاف النفوس لاستيراد هذه المواد عبر زيادة الكمية لصالحهم أو تهريبها عبر موانئ تتساهل في رقابة الحاويات المشبوهة.
الموضوع للأسف مزعج ويتطلب تدخل جهات عديدة لمواجهته بقوة وبشفافية ولا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمال لنفاجأ بأن المشكلة استفحلت بصورة لا نستطيع مكافحتها لا أمنيا ولا دينيا ولا مجتمعيا، ولهذا ربما يتعين علينا الاستدلال بحكم الشريعة الإسلامية لبيان وجوب تحريم المخدرات، وذلك ردا على من يدعي أنه لم يأت ذكرها في المحظورات والمحرمات في الإسلام. فالمقصود من الشريعة الإسلامية مصلحة الإنسان باعتباره خليفة في المجتمع الذي هو منه، ويتضح ذلك باستقرائنا لأحكام الله تعالى، والشارع الإسلامي ما قصد إلا حفظ ضروريات الناس وحاجياتهم ومتطلباتهم.
وجاءت الشريعة الإسلامية بتحريم المسكرات والمخدرات لمفاسدها بالنسبة إلى الفرد والمجتمع سواء في الدين أو النفس أو العرض، أو العقل أو المال، فكل ما اختمر وأسكر من عصير العنب أو التمر أو الشعير هو خمر لأنه يذهب العقل، وكذلك المخدرات بكافة أنواعها. كما أن الشارع لم يحرم الخمر لكونها من نوع معين من المأكولات ولا نحو ذلك، إنما لأثرها الذي تحدثه وهو الإسكار، كما أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم- قد أعطانا قاعدة نستطيع أن نميز بها الخمر من غيرها من قوله  كل مسكر خمر وكل خمر حرام، وأنه يدخل في ذلك ما ثبت إسكاره من أي مادة ولو كانت خبزا أو ماء، كما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت (لا أحل سكرا وإن كان خبزا أو ماء).
وقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن تعاطي المخدرات لأغراض الكيف وتحقيق الشعور والنشوة والراحة في غاية الخطر على حياة الفرد والجماعة، فالمخدرات مواد تسبب في الإنسان الاسترخاء وفقد الوعي مع التفاوت وقد تؤدي إلى الوفاة، وهي بذلك  تتنافى مع المحافظة على ضروريات الحياة، وينطبق على المخدرات تحريم الخمر. وثمة بعض الكتب الفقهية تتضمن نصوصا تفيد تحريم الحشيش وما أشبهه من المخدرات، كما كان الإسلام حاسما في تحريم القليل والكثير من هذه المخدرات التي تنحدر إلى مهابط الرذيلة وتدني الأخلاق، لأن من مضارها الدينية أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن أعرض عن ذكر الله وعن الصلاة فإن حياته حياة قلق وإفلاس، فكيف والخمر والمخدرات أم الخبائث، فهي الطريق إلى جميع المحظورات والمخاطر والأمراض الخبيثة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها