النسخة الورقية
العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عاشوراء البحرين!!

رابط مختصر
العدد 9698 الأربعاء 28 اكتوبر 2015 الموافق 15 محرم 1437

اسمح لي عزيزي القارئ أن أستفتح معك المقال بالقول إنني أثق تماماً أن شيوخنا الكرام لا يستسيقون الحديث القاضي بتصنيف المجتمع البحريني إلى سنة وشيعة. ولكن فليسمح لي الكرام أني أفعل لا لأجل وضع فارق ولكن من أجل أن يختفي هذا الفارق.
«إننا نطمح إلى تعاون جاد لاستثمار عاشوراء في إنتاج المحبة والتسامح والتقارب، وفي تكريس الأمن في ربوع البحرين». هذه فقرة مجتزأة من كلام أصدره في هيئة بيان خمسة من «علماء» المذهب الشيعي، وهو المذهب الذي لا ولن يكتمل معمار المجتمع البحريني في نسيجه العقدي المتنوع المتسامح الوسطي إلا بوضعه ركيزة إلى جانب المذهب السني. وهذه من أكثر الحقائق سطوعاً في المشهد الاجتماعي. وكما هي عادة جمعية «الوفاق»، فهي من بادر إلى نشر هذا البيان على موقعها الإلكتروني في أعقاب قيام رجال الأمن بواجبهم الذي لم يتوانوا قط عن القيام به على الرغم من أن الكلفة كانت استشهاد أرواح الكثير منهم، ومعنى الواجب هنا حفظ النظام العام ووقف مختلف أشكال التعدي عليه في شوارع البحرين. البيان إذًا، في مثل هذه الحالة يرفع راية الاحتجاج، ليكون بالتالي وسيلة لرفد الذين يتجاوزون القانون بالاتكاء على حجة أريد لها أن تتدثر بغطاء مقدس وحجة إضافية عمّدها «علماء» خمسة.
ولو أننا ركزنا معاً في هذا الفقرة السالفة المنقولة من البيان وتمعنا فيها لوجدناها تلمع وطنيةَ ومحبة، ولأعادتنا معاً إلى مجد التلاحم الوطني الغابر الذي بلغ ذروته عندما صوتنا بنعم واحدة هادرة للميثاق في العام 2001، مع إغفال ما كان يحصل من حراك مذهبي بلغ أشده بعد انتصار ما سُمي بـ «ثورة» الملالي في إيران. هذه الفقرة تتضمن دعوة صريحة إلى الوحدة الوطنية، وتُشيع من حولنا تفاؤلاً بات مفقوداً أكثر من أربع سنوات ونيف، أي منذ أن دبّر الجماعة بليل انقلاباً على نظام الحكم القائم مرفودين بريح عفنة مما سُمي زوراً بالربيع العربي. غير أني أدعوك عزيزي القارئ إلى ألا تتفاءل كثيراً، ففي ذات البيان، وفي فقرة على بُعد كلمات قليلة منه فحسب تقرأ خطاباً مغايراً، يهدم باليمين ما بُني بالشمال حتى لكأننا أمام خطابين متناقضين صادرين عن مرجعيتين مختلفتين وشخصيّتين متباينتين حدّ التناقض. ففي فقرة البيان الثانية تقرأ: «إن ما نخشاه أن تُحدث هذه التصرفات موجات من الغضب والاستياء قد تدفع إلى تأزمات طالما أكدنا على تجنبها وعدم جر أجواء عاشوراء إلى معتركاتها وتوتراتها، خاصة وأن هذه المراسم العزائية لا تحمل أي شكل من أشكال الاستفزاز الأمني أو السياسي أو الطائفي». ولعلك قارئي العزيز لا تحتاج مني توضحياً يُفيد بأن في الخطاب إدانة صريحة لمن عدّهم أصحاب البيان المسؤولين عن إحداث موجات من الغضب والاستياء، تدفع بدورها إلى تأزمات.. والمقصود بذلك رجال الأمن الذي يتحملون مشقة وعذاب المحافظة على شعائر عاشوراء خالية من الألم.
وقبل أن نُعلق على هاتين الفقرتين المشتقتين من ذات البيان، وهما في الحقيقة عبارتان صارختان بالتضاد والمعاكسة والتناقض، فإننا نشير هنا إلى أن شهر محرم، بتفاصيل أيامه المختلفة والممتدة على مدى شهر كامل، وأشهر هذه الأيام حزناً بالطبع أيام عاشوراء، كان ولا يزال يحظى من كل مكونات المجتمع البحريني ومن الحكام في هذا المجتمع بكل ما يستحق من قداسة واحترام واهتمام ومتابعة قلما تجدها في بلدان أخرى. والتاريخ يشهد على أن هذه الطقوس والشعائر كما جاء في البيان المذكور «تمارس في هذا البلد منذ مئات السنين، وهي قائمة لم يتجرأ أحد على إيقافها أو الاعتداء عليها أو الإساءة لها». ما أرجوه شخصياً هو ألا يلتفت أحد إلى نبرة التحدي في هذا البيان، والتي إن كان لها من تفسير فإنه سيكون ذاك التفسير الذي يصب في معنى التحريض، أو شكل من أشكاله مما اعتاد «علماؤنا» الأجلاء على إتحافنا بها بين الفينة والأخرى!! فإذا كانت ممارسة هذه الشعائر قائمة منذ مئات السنين فما الذي جرى حتى يطرأ اليوم مثل هذا التغيير الذي يشير إليه البيان؟
مع هذا البيان، أعتقد اننا أمام معضلة. والمعضلة سادتي تكمن في أن «العلماء» يسعون إلى «تعاون جاد في إنتاج المحبة والتسامح والتقارب، وفي تكريس الأمن»، كما جاء بالحرف في بيانهم السالف الذكر. إلا أنهم وبدلاً من أن يكون حديثهم موجهاً إلى من يخرقون القانون ويتجرؤون في تحدٍ صارخ على اتهام الدولة وكل مؤسساتها الدستورية بالتعدي على الشعائر الدينية، نراهم يندفعون اندفاع المراهقين ذاتهم الذين لا يعبؤون بالنظام ويرتكبون ما حلا لهم من تعديات في الشارع العام باسم عاشوراء وعاشوراء عنهم بعيد، بل إن عاشوراء منهم براء.
البيان يتحدث عن أريحية حكومية قديمة وحديثة ومعاصرة عبر قوله إن هذه الشعائر «تمارس في هذا البلد منذ مئات السنين..» ولا أعتقد أننا سنأتي بكلام أبلغ مما أتوا به في هذا الخصوص، ففيه شهادة صريحة على أن البحرين ومنذ مئات السنين تتيح لأصحاب المذهب الشيعي ممارسة شعائرهم بحرية. إن القارئ لهذا البيان يتضح له بأنه لم يصدر من أجل مخاطبة الحكومة أو العقلاء من أهل المذهب الكرام، إذ أنه يتوجه إلى المتجاوزين ليقول لهم تمادوا في تجاوزاتكم، فإننا معكم. فهل مثل هذه الروح المفعمة بالتحريض تنتج محبةَ وتسامحاً وتقارباً، على ما زعم البيان؟ أم أنه يدعو إلى رفض تطبيق القانون ويهدد الجهات الأمنية بسوء عاقبة تطبيقه؟!!
من وجهة نظري، إن من يحتاج إلى مثل هذا البيان وحتى بنفس اللغة المكتوب بها حرفاً وكلمةَ هم المجموعة الشاذة ممن يرهبون المجتمع بالسلوك المعوج والمتظاهر بالحزن، أو بالشعارات المرفوعة كذباً والمتجاوزة لما أعلنت وزارة الداخلية عنه وطالبت بتجنبه احتراماً لقداسة شعيرة اجتماعية ولمبادئ العيش معا في ظل دولة القانون والمؤسسات. فحديث رئيس الأمن العام اللواء طارق الحسن في هذا الجانب واضح إذ صرح بأن الوزارة «لن تسمح باستغلال هذه المناسبة في مخالفة القانون، ويتوجب على المعنيين ومن يهمهم الأمر الحرص على أن تبقى عاشوراء في إطارها الصحيح..» وهو بالتأكيد كان قد قصد في إطارها المقدس الذي لا تدخل فيه السياسة، ولا التعدي على حقوق الغير. فهل في إعلان كهذا تعدٍ على المقدسات وانتهاك للحرمات؟ الحق إن من يقرأ في هذا الخطاب تضييقا على الحريات بشكل مطلق وعلى شعائر عاشوراء التي أضحت جزءا منا، لولا الداخيلون عنوة في نسيجنا الاجتماعي من ممثلي الطابور الخامس، مطالب بمراجعة أدواته في قراءة الوقائع والنصوص وبشيء من الحياء أيضا حتى يُجنب الناس خطر السخرية من تهافت خطابه ويريحهم من محاولات خلط الديني بالمدني خلطا أثبتت حركة التاريخ أنه لا يولد غير المصائب والويلات، فكونوا بحق الوطن علماء، وابتعدوا يرحمكم الله والوطن عن أدران سياسوية فاح عفنها ذات دوار ليسمم أجواء جنة البحرين الخليفية الآمنة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها