النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ليت اللعبة اكتملت حديداً!!

رابط مختصر
العدد 9691 الأربعاء 21 اكتوبر 2015 الموافق 8 محرم 1437

 فلتسمح لي قارئي العزيز أن أصدِّر مقالي هذا بعدد من الاستدراكات والتنويهات والتوضيحات وما حلا لي من ممكنات التمهيد حتى أقول ما أقول عمّن يأتون وميضاً ولا يتكررون، لكي تعرف السبب الذي قادني إلى نشر هذا المقال. وأول الاستدراكات التي ينبغي ذكرها أنه كان من المفروض أن أنشر هذا المقال على حياة من كان الحديث موجهاً إليه، ولكنه اليوم تركنا في حضرة الغياب، وأي غياب، إذ غادر دنيانا مخلفاً لنا الحسرة والذكرى وصار واحداً من الذين نلتفت إليهم لفترة ومن ثم يذهبون في غياهب النسيان. آهٍ يا للأسف! كم أنت قاسٍ أيها الموت! وما أشد مكرك أيتها الذاكرة!
 كم كنت أتمنى أن يقرأ هذا المقال صديقي العزيز الراحل يوسف يتيم، وهو من كنت أعني في الفقرة السابقة، فبصرف النظر عما انطوت عليه نواياي التي دفعتني إلى الكتابة، فإنه حتماً كان سيتفهمها مثلما تفهمني في كثير من القضايا. لقد كان ذكياً وسريع البديهة. وهنا أنوه، وهذا استطراد آخر، أنه لا يمكن لي أن أكون صديقاً للمرحوم يوسف يتيم من غير أن أشكر الجهات التي أقامت حفلاً تأبينياً له، لأنه بحق وحقيق أهلٌ لذلك وأكثر، لا لأنه كان «رفيقاً» كما ذكر أحدهم في كلمته التأبينية، ولا أعرف كيف وصفه رفيقاً! بل لأنه كان مفكراً عقلانياً حراً لم ينجر إلى غواية الدوار، ولم يتلوث بالانجرار خلف العمامات الدينية، ولم يؤمن بـ «الوفاق» قائدة كما لم يؤمن بأي فصيل من فصائل الإسلام السياسي قائدا وهاديا إلى تغيير أو إصلاح منشود في الحياة السياسية، هذا بالإضافة إلى أنه حبيب وقطعة من ذاكرتي وجزء من كياني، وهذا بالتأكيد شأن شخصي.
 ولعله من حقك عليّ قارئي الكريم أن أوضح لك أن الكلمة المعبرة والضاجة بشؤون وشجون شخصية المرحوم «بو يعقوب» والتي ألقتها ساعة تأبينه الصديقة العزيزة فوزية مطر «أم خالد» هي التي أرغمتني على نشر هذا المقال الفاقد لقيمته اليوم بعد الارتحال الأبدي للموجه إليه، صاحب القلب الكبير أخي وصديقي وحبيبي يوسف يتيم الذي أفل نجمه في وقت حسبناه فيه باقياً معنا حتى نسهم في إنجاز ما يتطلع له مواطنو البحرين من خلال ما تضمنه الميثاق الوطني العلامة المضيئة الأولى في مشروع جلالة الملك الإصلاحي.
 هذا المقال، وهنا استدراك آخر، أتمنى أن تقرأه الأخت والصديقة أم خالد، التي كان لكلماتها المعبرة في حفل التأبين تأثير في نفسي ووجداني ترجمت أصداؤه فوراً دموعاً انهمرت من عينيّ مدراراً. ورغم أنني كنت حاضراً يوم تجهيز جنازة الفقيد، ورسمت على جبينه قبلة الوداع، التي لم أجد وقتها تفسيراً لعجلتي فيها ولا لخلوّها من الدمع، فإنني لم أدخل قط في إهاب حضرة الموت، ولم يهتز وجداني مثلما اهتز لكلمات «أم خالد». ما قيل في الفقيد تأبيناً كثير، ولكن ما بقي عالقاً في الوجدان والذاكرة، بالنسبة إليّ، كلمتان: كلمة فوزية مطر، وكلمة صديق الفقيد و«شريكه» في مكتب المحاماة الدكتور حسن رضي، فكلمة فوزية هيجت دموعاً انفرط معها شريط من الذكريات الأجمل في حياتي، أما كلمة الدكتور حسن فقد كانت بحق كلمة تأبينية، لأنها كانت بسيطة ولم تتدثر بمصطلح الرفيق مثل الكلمات الأخرى التي وصفت يوسف، مع أنه لم يكن لهم رفيقا أبدا، لأن ما كان يفرق بينه وبينهم كثير جدا، حتى لو ادعوا غير ذلك. إني لأتساءل بحق كيف يكون يوسف المحب للبحرين والرافض لكل ما يمكن أن يكون على صلة بالتيارات التي ارتبطت بالإسلام السياسي رفيقاً لمن أثبت الدوار أن محبتهم للبحرين مشكوك فيها، أو أنها محل سؤال.
 لقد كتبت قبل أن يغادرنا الفقيد بسنة، مقالاً يذهب ذات المذهب الذي تحدثت عنه العزيزة فوزية مطر، وكنت أرجو منه وقتها أن يسمع صوتاً غير صوته، ويستجمع ما تيسر له من معرفة وخبرة حياتية ليعيد التفكير في إعادة جدولة يومه الذي بات يذهب سدى في سديم ظلمة الوحدة. كنت أتمنى عليه أن يكون أكثر واقعية مما كان يتهيأ له! كان أخي وحبيبي الفقيد يوسف يعايش عالماً في مخيلته غير الذي كنا نعيشه. جزء من شخصيته تركه ينمو في غير مكان يرتع في مراهقته. لقد كتبت له هذه السطور التي أهديها اليوم إلى الأخت فوزية وإلى أخ الفقيد يوسف، عيسى يتيم. وهذا كان مقالي له.
 اعذرني حبيبي وصديقي، اعذرني يا من أثبتت الأيام أنه أقرب إليّ من شقيقي الذي ولدته أمي، اعذرني يا من كتبت له يوماً ما قبل اثني عشر عاماً مقالاً عنونته «اللعبة حديد»، مناشداً استدعاءك، يا من ربطتني بك رفقة عمر وتشاركت معك شظف العيش ورغده وجميلَ الأيام وأشدها تعاسة، أن تترك مهجرك الاختياري وتنضم إلينا لنفرح معاً، لنغير ما انبنى على فكرة طوباوية اكتسبناها معاً في خضم نظريات أبهرتنا، وحلقت بنا بعيداً عن واقعنا الحقيقي، وتعود إلينا لنلتصق بالواقع الذي أضحى جزءاً مما سعينا إليه، تعود إلى البحرين المشتاقة لك ولكل أبنائها بعد أن شهدت تحولاتها الكبرى مع انبثاق نور عهد مليكها المفدى جلالة الملك حمد بن عيسى. فلتعذرني، مرة أخرى، أنني كتبت ذاك المقال وأتمنى اليوم أني لم أفعل ذلك! قد تسألني لماذا؟
 لك مطلق الحق صديقي أن تسألني لماذا تمنيت أني لم أناشدك الرجوع؟ وأجد أن هذا السؤال يفرض عليّ واجب الإجابة عنه لك بصفتك صديقاً غالياً فقلما يجود الزمن بمثلك، وأن أصارحك بحقيقة مشاعري بعد التحولات الكبرى في حياتك الشخصية. أنت اليوم لست يوسف الذي أعرف وعرفه الآخرون، وهذا جزء من إجابتي عن سؤالك «لماذا» الذي أفترضه. أرجوك لا تكابر وقرّ بأنك لست يوسف وإنما تحمل هوية مشابهة أو مماثلة.. لكنها مزيفة. أعرف أنك ستقول بأنني أهذي. اذهب إلى ما ستذهب إليه وما أرجوك فقط أن تدعني أقول لك ما أود أن أقول.
 صديقي وتوأم روحي، اقبل مني شيئاً من قسوة لم أعهد أننا تبادلنا مثلها ولكن الخطب شديد وعليك أن تتحمل مني لأنني أحبك، وأخشى أن أخسرك، أخسرك ليس صديقاً وحبيباً فحسب، وإنما خسارتي لك تعني الفقد الأبدي، فاقبل مني إذا ما قسوت. هل تتصور ماذا يعني بالنسبة إلى من أحبك، أنا وشلة الأصدقاء المتعددي الأفكار والرؤى الذين يبادلونك الحب بالحب، الفقد الأبدي؟ لا أخال أنك تعي ذلك في مكامن الشعور الذي غدا اليوم لا شعورا، وفي الوعي الذي أشك أنك اليوم تتملكه كما كنت أبدا أكثر مما أعرف وأنت تعرف.
صديقي كنا معاً في الغربة الأكاديمية في منطقة فكرية واحدة بنينا وفقها معمارا من خيال لم نطل منه شيئا. وكثير منا وأنا واحد منهم، غادر تلك المنطقة متشبثاً بما أملته طبيعته على سلوكه من انفتاح وحداثة ومدنية. فلنستغل هذه القيم السلوكية للمساهمة في بناء مجتمعنا البحريني الذي يشهد متغيرات في اتجاهات مخيفة لا أظن أن المستقبل سيكون في صالح تلك القيم.
 بو يعقوب، انتبه لنفسك ودعنا معاً نحارب الشطط في تعاملاتنا اليومية مع النفس ومع الآخرين. إن الوطن بحاجة إلى مثل طاقاتك، فلا تسرف في استهلاكها إلا في ما نفعك لتنفع به وطنك. لا تستسهل مثل عادتك بطاقاتك. وإذا كان لي من أمنية فإني أقول لك دعنا نثبت أن «اللعبة حديد» كما كنت أتوقع منك عندما عدت إلى البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها