النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

تعقيباً على «اللبن المسكوب».. الهروب من الاستحقاقات إلى فضاء الشعار!!

رابط مختصر
العدد 9691 الأربعاء 21 اكتوبر 2015 الموافق 8 محرم 1437

وردني تعقيب من صديق قديم من اليسار - أكن له كل التقدير - على مقالتي المنشورة في «الأيام» قبل عدة ايام بعنوان (البكاء على اللبن المسكوب) الذي ناقشت فيه خيبة بعض الأخوة في المعارضة من مآلات الحراك السياسي الذي انطلق في العام 2011 ومن النتائج المرة لإفشال الحوار الوطني في صوره المختلفة، حيث حملتُ فيه المعارضة النصيب الأكبر من مسؤولية الانتكاس وعدم التوفق في الوصول الى حل وسط سياسي ينهني التأزم السياسي الذي لا يخدم أحداً، لا في السلطة ولا المجتمع السياسي. وتعقيب الصديق طويل اختزله في الملاحظات التالية: (مع الاعتذار عن اختزالات الضرورة واستبعاد بعض العبارات الحادة):
- يقول الصديق: «أراك دائما تلوم المعارضة ولكنك تتجنب نقد السلطة، واراني دائما اذكرك اننا في المعارضة لا نبكي على اللبن المسكوب ولا هم يحزنون، لسبب بسيط وهو انه لا يوجد لبن حتي نبكي عليه.. فقد اكدت لك دائما اننا فعلاً نريد حواراً جاداً وحقيقياً يدخل البلاد في اصلاح سياسي جذري ولمرة واحدة، اما ما جري في السابق فهو - من وجهة نظري - ليس حواراً جاداً، بل كان هروباً من الاستحقاقات؟».
- «نحن لا نرفض الميثاق والثوابت مثلما جاء في مقالتك - فقد وافقنا عليه وصوتنا بإجماع، وطالبنا ولا نزال بتطبيقه كما اتفقنا عليه، ولكننا اليوم نحتاج إلى تفسير خاص بالميثاق، نرى انه تم تجاوزه...... وليكن بيننا جهة محايدة لتفسيره حتى يتبين للجميع حقيقة الامر...».
- «لسنا نحن الذين نرفض التوافق والشراكة وحلول الوسط مثلما جاء في مقالك، بل بالعكس هو الصحيح، نحن من مد يده ودعونا للتوافق والمصالحة الوطنية ولكن لم يكن هنالك تجاوب، وحتى أثناء ما يسمي بالحوار طالبنا ان يقدم الطرف الاخر وثيقته او رؤيته للحل ولكنه لم يقدم شيئاً».
- «لمت في مقالتك على المعارضة في تعاطيها مع الخارج ومطالبتها بوجود وسيط خارجي في الحوار، ولكنك تنسى أن لدينا تجربة طويلة في النضال الوطني ولذلك طلبنا بوجود جهة محايدة كضمانة (مثل الامم المتحدة). وذلك ليس بدعة فهناك تجارب كثيرة في عدة دول كاليمن وسوريا وليبيا».
انتهى التعقيب الذي أوردته باختصار وتشذيب غير مخل، وتبقى لدي بعض التوضيحات التي أوردها بشكل موضوعي:
أولاً: كثيراً ما كتبت وحتى قبل ازمة 2011 أن الديمقراطية في حاجة ماسة إلى وجود معارضة فاعلة، قادرة على التقدم نحو وفاق وطني عام، والتوقف عن التعلل بمواقف السلطة في كل صغيرة وكبيرة، خاصة وان السلطة قد سبق لها ان خطت العديد من الخطوات منذ 2011 والى اليوم، ولكن المعارضة لم تبد ما يكفي من الواقعية السياسية في مطالبها، باستثناء الإعلان عن الوثائق التي سبق واكدنا في اكثر من مناسبة انها تبدو اقرب الى المزايدة السياسية منها الى رؤية واقعية قابلة للتنفيذ الفوري ومن الصعب ان تكون محل اجماع وطني في اللحظة التاريخية الراهنة. وبالرغم من ان بعض ما تضمنته لا خلاف عليه، فان البعض الآخر من شانه ان يطلق شرارة صراع سياسي وحتى اهلي غير مثمر، فمن يريد ان يتقدم نحو الوفاق الوطني العام، عليه ان يتجه نحو الحلول الوسطية التي تتحقق بالشراكة الوطنية، وعليه ان يقبل مرحليا على الاقل بالديمقراطية التوافقية وقد كانت الفرصة - في تقديري الشخصي - متوافرة ولكن تم تبديدها من قبل المعارضة، لان زعماءها كانوا يرفضون البناء على ما هو موجود أو تطويره بشكل تدريجي.
- ثانياً: أما قولك بأنني اركز على نقد المعارضة ولا أحمل السلطة أي مسؤولية، فهو كلام غير موضوعي، لسببين: الأول ان المعارضة هي من اوقعنا في هذه الورطة بافتعال ازمة خانقة ما كان لها أي ضرورة، حيث كانت الأوضاع تتجه نحو المزيد من الإصلاح، وكانت السلطة ذاتها تعترف ببطء التحولات والإجراءات في مجال الإصلاح، وكانت تتأهب لتقديم المزيد من الخطوات الإصلاحية في السياسة وفي الاقتصاد، وكان البرلمان الذي تحتل فيه المعارضة نحو%40 من المقاعد، قد بدأ يكتسب قوة وسطوة وبدأت تتشكل بداخله كتلة وطنية عابرة للطوائف في مواجهة العديد من الملفات الوطنية الاستراتيجية. بل وحقق للمواطنين العديد من المكتسبات الجوهرية في ملفات الرواتب والإسكان والصحة وغيرها كثير، ولذلك فإن الانقلاب على تلك الحالة - على ما كان فيها من نقائص - لم يكن من الحكمة في شيء، بل تسبب في كوارث لا تحصى ولا تعد، ومن هذا المنطلق انتقد المعارضة فقط، كما انتقدتها لأنها خرجت من البرلمان وقاطعت جلسات الحوار ورفضت المشاركة في الانتخابات الأخيرة، وكلها كانت فرص ضائعة كمان بالإمكان ان تكون لحظة مفصلية في العودة الى حوار حقيقي بحسب قولك. ولكن هل السلطة فعلت كل ما في وسعها؟ وهل هي معفية من النقد؟ او هي فوق النقد؟ فأمر اظنك تعرف جوابه، فمساحة حرية الرأي لا باس بها، وتكفي لتحمل مساحة من النقد البناء يمارسه السياسيون والاعلاميون بأقدار مختلفة.
- ثالثاً: أما فيما يتعلق بما اشرت اليه من تجاوز الثوابت (أو إعادة قراءتها وفقا لمنظوركم) فأمر لا يستحق عناءً كبيراً في الرد عليه، لأنه موثق ومعلن صراحة ودون أي لبس، وهو وارد في وثيقة المنامة وفي البيانات اللاحقة، فالرؤية - وان كانت مشروعة على صعيد الفكر وفي سياق منظور ديمقراطي مطلق ومفتوح خارج السياق - فإنها اشعرت قسماً كبيراً من المجتمع بأنها تتضمن نوعاً من الانقلاب على الشرعية القائمة وعلى الثوابت السياسية، وخصوصا فيما يتعلق بالدعوة الى (مجلس تأسيسي أو استفتاء دستوري يضمن تكوين عقد اجتماعي جديد بعد إلغاء الميثاق والدستور).
رابعاً: المشكلة الكبرى التي اساءت الى المعارضة - من وجهة نظري - تتعلق بالسعي صراحة إلى إدماج او استدراج العامل الخارجي في العمل الوطني، فحتى الحوار، فقد كان مقرونا دائما بأن يجري بوساطة دولية، وأي اتفاق يجب ان يكون بضمانة دولية، بل انه من المؤسف حقاً أنك تدعو الى استقدام جهة خارجية لتأويل وتفسير ميثاق العمل الوطني، وهو امر غير مسبوق وغير مقبول ويثير العديد من الشكوك على الأقل لدى السلطة ولدي الجزء الأكبر من مكونات المجتمع. بمختلف طوائفه واتجاهاته.
إن الأوراق التي تقدمت بها المعارضة في مجملها تمثل انقلاباً سياسياً على الوضع القائم، إذ يراد من خلالها إعادة بناء الدولة على أسس تفرغها من محتواها الحالي بالإحالة إلى ما يشبه النظام الجمهوري، لأنها تستهدف إلغاء ميثاق العمل الوطني والدستور.
وللحديث بقية

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها