النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (3)

رابط مختصر
العدد 9689 الإثنين 19 اكتوبر 2015 الموافق 6 محرم 1437

خطى الجيل الجديد من الشباب جيل 1938، جيل ما قبل الحرب وبعده، بتفجير طاقاته الوطنية الاولى، حيث الطبقة العاملة من نموذج محمد صالح الدلال، ستنخرط في الحراك السياسي العام والتجربة المهنية العفوية عبر الاضرابات في بابكو، لتدخل مرحلة الهيئة بذراع سياسي طبقي مؤثر في المواجهة لبلد نفطي في محيط جغرافي متوتر بالمصالح النفطية العالمية، واي اهتزاز في الاستقرار هنا او هناك تنتقل رياحه فورا الى بلدان الجوار. فاذا ما كان المناخ العام الداخلي والخارجي وصراعاته يؤسس لوعي قومي ووطني متزايد، فإن الهيئة التنفيذية العليا (لجنة الاتحاد الوطني) كانت الاجابة الحقيقية والمقدمة لذلك التطور، دون ان تكتمل مقومات امكانية بناء احزاب سياسية نضجت مهماتها في قيادة المجتمع وتحولاته، ولم ترَ تلك الحاجة لها الا مؤخرا بعد قصم ظهر الهيئة بكل سهولة، بعد ان ظلت تتصدر المشهد السياسي والشارع السياسي لمدة عامين كاملين 54 - 56، وقد مثّل ذلك الاتساع الجماهيري العفوي حالة بحرينية متميزة على مستوى الخليج والجزيرة العربية، ولكن البالون البحريني من عيوبه دوما هو الاتساع السريع والضمور والتلاشي السريع ايضا، غير ان التاريخ وتجربته ترك لنا خلفه عناصر ولادة قادمة وتيارات جديدة واصوات شابة استفادت وتعلمت من تجاربها، فاحشاء المجتمع تبقى وتظل تحتفظ بعناصر البقاء والديمومة المرتبطة بالشعب كمصدر مستمر للانفجارات والهيجانات الشعبية والاحتجاجات السياسية.
وقد سمدت الهيئة التربة القومية والسياسية العربية ومصر الناصرية، لفكرة اهمية وضرورة ولادة احزاب وتنظيمات قومية تمزج ما بين النضالين، التحرري الوطني ضد الاستعمار والقومي العربي باهدافه القومية العريضة من الخليج الى المحيط. حيث أسست حركة 1938 في البحرين لوعي قادم كان يتخمر، بالرغم من ان تلك المطالب وحركة الاربعينات لم تنجز مهماتها كاملة، غير أنها حققت خطوات متقدمة قياساً بمرحلة العشرينات، ومهدت لوعي مجتمعي اكثر نضجا، اذ خلص الرميحي باستنتاجاته: «أن احداث سنة 1938 قد أدت الى نتائج قليلة ولعبت دورا محدودا في تقدم الحركة الوطنية، فإن هذا ربما كان عائدا الى انعدام القيادة المنظمة والى اجراءات بلجريف المضادة التي يحسب حسابها.
 وقد أفلحت هذه الاحداث في إثبات نمو التحرك الشعبي وازدياد الوعي السياسي، وخصوصا بين صفوف العناصر الشابة من العمال والطلاب، الذين استفادوا من وسائط الاتصال العصري كما اثرت الصناعة الحديثة والتعليم الحديث على وعيهم السياسي» ص221 (لا نتفق مع استنتاجات الرميحي ولا الاسباب والعوامل المذكورة وحدها في انجاز وعدم انجاز مطالب تلك الحركة، وهي بحاجة لنقاش اكثر استفاضة في النقاش حول التطور التاريخي للمجتمع ووعيه وتطور التركيبة المجتمعية الطبقية وتوازن الصراع بين جميع الاطراف). وبعد أن صمتت مدافع الحرب، واستقت حركة الشارع البحريني اخبارا ومعلومات عربية وخارجية بفضل طبيعة الحرب في ظل مناخ متوتر، فإن الاختمار القومي والوطني بدأ يأخذ منحى جديدا، اكثر فهما لمرحلة ضرورة التزامن والترابط ما بين المشروع الوطني التحرري ضد الانجليز في الداخل والقومي العروبي في الخارج (التضامن والتعاطف مع الثورة الناصرية واستنكار العدوان الثلاثي وانعكاس الثورة العراقية على البحرين ومرارة القضية الفلسطينية)، حتى وان لم تكن اشكاله وصيغه واضحة عند الغالبية العظمى من الشعب، ناهيك عن تشوشه لدى الطليعة السياسية، التجارية، والمتعلمة من مثقفي المرحلة، ولكن للنفط والحداثة والحرب والتعليم والثورة التقنية لما بعد الحربين العالمية الاولى والثانية، تأثيرهما وانقلابهما الاجتماعي والسياسي والثقافي، وقد اتاحت لسكان وشعب جزيرة البحرين ومحيطها الجغرافي على تلمس تجارب الدول وتلاطم الافكار الغريبة، والايديولوجيات المتداولة، كالنازية والبلشفيك والقومية العربية ومصطلحات ومقولات مربكة وجديدة على ذهن ووعي المجتمع، وسيكتب بلجريف عن تلك الظاهرة بقوله: «عدنا (بلجريف والشيخ سلمان) الى البحرين في شهر سبتمبر 1953، وكان كل شيء يبدو ظاهريا كما كان من قبل. إلا أنني سرعان ما وجدت أن هناك اضطرابا سياسيا عجيبا، يأخذ مجراه تحت السطح». ويوضح بلجريف بمزيد من التفاصيل عن انها «مقالات عنيفة اللهجة تنشر في الصحف المحلية التي كان رؤساء تحريرها شبانا أغرارا».
 الرميحي ص229 محاولاً بلجريف اخفاء حقيقة تلك اللهجة «للشبان الاغرار» هؤلاء لم يكونوا الا بذرة ونواة جيل الشباب من حركة 1938، عجّم عودهم وتمرست تجربتهم نحو الافضل، كعبدالرحمن الباكر والشملان والعليوات والموسى وابراهيم فخرو وأحمد الشيراوي، فإن حركة الهيئة «ضمت في قواعدها عناصر شابة ونشطة من التيار القومي العروبي من الجيل الأصغر مثل حسن الجشي وعلي التاجر ومحمود المردي وعلي سيار وجاسم مراد وراشد القوتي (ومحمد قاسم الشيراوي وجاسم بوحجي واحمد الجابر وعيسى الهاشل / اضافة الاسماء بين قوسين من عندنا) وغيرهم العديد من الاسماء التي لم ترد في قائمة الشخصيات المائة والعشرين» ص72، احمد حميدان، كراس عن هيئة الاتحاد الوطني في البحرين / ولادة الحركة الوطنية الجديدة، وقد نسي حميدان شخصية اكثر مهمة جدا من ضمن قائمة المائة والعشرين كشخصية قومية عروبية هو جاسم بوحجي كان له دور كبير في استكمال دور الهيئة ومكانتها في الخارج.
وبما ان الجديد جدليا ينبثق من القديم، فإن الجديد سيتحول الى حركة متراجعة وجامدة وقديمة قياسا بالحقبة اللاحقة، دون أن نغبط تلك التجربة قيمتها واهميتها التاريخية، فمن تربة الخمسينات بزخمها القومي والوطني ولدت حركة القوميين العرب في البحرين بعد ثلاث سنوات من الموت الحقيقي للاتحاد الوطني في البحرين» وتشرد وفرار عناصره في منافي الدول الخليجية كقطر والسعودية والكويت.
وسوف نرى كم كانت الكويت رافعة وخزانا ومركزا حيويا ومهما للحركة القومية اولا ولحركة القوميين العرب كواجهة وخلفية رفاقية في عملها السياسي والحزبي ثانيا. ويعزي الدكتور أحمد حميدان ان اختفاء الهيئة كان بسبب نقص التنظيم حيث اشار: «ألا ان نجاح حركة ما وفي عنفوان حركتها النضالية الى التحول وخاصة تحت سمع وبعد النظام ورقابته يظل افتراضا صعبا. ومهما تكن الفرضيات فإن نقص التنظيم قد ساهم وبشكل كبير في اختفاء الهيئة مخلفة وراءها فراغا كبيرا» ص 79. وبالرغم من اننا لن نتفق معه على تلك الفرضية «نقص التنظيم» كعامل وحيد في التلاشي والاختفاء، فإن لا الوعي التاريخي واللحظة التاريخية لعفوية الشعب وخبرته ولا موازين القوى بين اطراف الصراع تسمح بالبقاء والتطور والاستمرارية، لأن لكل حركة تاريخية مهم واهدافاً تحاول أن تنجزها، وتختفي - غصبا عنها حتى وإن كانت محكمة التنظيم والانضباط - تحت عوامل الضغوطات والعسف والظروف الجديدة واستنفاذ مهمات المرحلة.
 ولكن للحقيقة التاريخية، رغم الفراغ الكبير للهيئة، التي كانت في زمنها اشبه بالسلطة المحلية الموازية للسلطة الرسمية، تم محاولة ردمه بعجالة وعشوائية تنظيمية كوجود تنظيم حركة القوميين العرب - موضوع حديثنا - فقد تبخرت خلال عقد من الزمن الفقاعة الثانية لتترك خلفها شظايا تفتش عمن يجمعها كقطع الفيسفساء غير المتجانسة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها