النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

تفكيك مفخخات الصدام الأهلي.. نوبل للسلام تونسية... قراءة في الدلالات السياس

رابط مختصر
العدد 9689 الإثنين 19 اكتوبر 2015 الموافق 6 محرم 1437

حصول الرباعي التونسي على جائزة نوبل للسلام لرعايتهم الحوار الوطني الذي وضع تونس على سكة الحياة الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة، يثمن هذه التجربة الوطنية اللافتة في الحوار السلمي الذي جسد نجاح تونس اللافت - وسط محيط إقليمي مضطرب - في الخروج من عنق الزجاجة. واعتقد أن هذا التثمين الدولي عالي المستوى قد استقام على ركيزتين اثنتين: الأولى ترتبط بهذا النجاح في تفكيك مفخخات الصدام السياسي التي كانت قائمة أيام حكم الترويكا، وتجنب الاقتتال الأهلي الذي كان يلوح في افق التجربة الليبية المجاورة تشابهاً وجواراً، والثاني انتصار منطق التحكيم لقوى المجتمع المدني الأكثر أهمية ومصداقية واستقلالية عن المجتمع السياسي (اتحاد العام التونسي للشغل، اتحاد الصناعة والتجارة، الجمعية التونسية لحقوق الانسان وجمعية المحامين التونسية) وجميعها قوى مدنية (لا تشتغل بالسياسة ولكنها ناضلت وتناضل الى اليوم من اجل دولة مدنية ديمقراطية، دولة الحرية والمساواة) ولذلك تحظى بتقدير خاص بين المواطنين وبين قوى المجتمع السياسي في ذات الوقت، وذات مكانة معنوية في الذاكرة الجماعية التونسية.
فالرباعي الراعي للحوار الوطني تشكل صيف 2013، عندما كانت عملية الانتقال الديمقراطي تواجه مخاطر جمة، من خلال احتدام الصراع والمواجهات بين قوى الإسلام السياسي والقوى العلمانية (التقدمية والليبرالية والدستورية)، إذ كانت البلاد على شفير حرب أهلية حقيقية، فانبرى الرباعي متدخلاً من اجل انقاذ البلد من الفوضى والمواجهات التي كان يمكن ان تتسبب في دمار سياسي واجتماعي واقتصادي شامل، وقد تمكن بالفعل من انجاز اطار لاتفاق سياسي شامل تضمن حلولاً جادة ووسطية اثبتت قدرة الشعب التونسي على الحوار الوطني والانتقال السلمي والحضاري للسلطة، وإثبات قدرة العلمانيين والإسلاميين على التوافق والشراكة الوطنية بعيداً عن التبعية للقوى الاجنبية او تدخل السفارات او المنظمات الدولية، وأخيراً، ليثبت دور منظّمات المجتمع المدني في بسط الروح الدمقراطي الحقيقي في التحول الى قوة مؤثرة بعيدة عن التخندق السياسي والطائفي.
ولذلك فإن نيل الرباعي الراعي للحوار التونسي لجائزة نوبل للسلام كان استحقاقاً، ولم يكن مجاملةً باي معيار سياسي او أخلاقي، لأنه استند الى مؤشرات مطمئنة على نجاح التجربة الديمقراطية التونسية في مجال الانتقال السلمي للسلطة او في مجال، وبأن المجتمع التونسي قد اختار النموذج الديمقراطي الذي يناسبه دون الحاجة الى الركض وراء الخارج.
وبعيداً عن الجانب الاحتفالي بهذه الجائزة ورمزيتها المهمة يجب ان نستذكر عدداً من الحقائق الحافة بهذا الإنجاز حتى لا ينسب بالكامل الى الرباعي الراعي للحوار ومنها مثلا:
- قوة وعراقة المجتمع المدني التونسي الذي يشكل كتلة ضخمة انصهرت في لحظة الخوف على المكتسبات في سياق واحد لإنقاذ البلاد مع ما بينها من اختلافات وحتى خلافات، هذه القوة هي التي ضغطت على القوى السياسية واسهمت في التأثير فيها بشكل حاسم، فانتهت أسطورة النخبة وبرزت في المجتمع ما يمكن ان نسميه قوة الفاعلين الاجتماعيين المدنيين، من نقابات (خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة) ومؤسسات ثقافية واجتماعية وحقوقية ونسوية، من كافة الفئات، إذ توجد في تونس منظمات شعبية هي أقرب إلى منتديات ثقافية ومهنية، تبرز آراء مختلف الاتجاهات الفكرية والفئات الاجتماعية، وتشارك في ممارسة السلطة من خلال الضغط على الهيئات المنتخبة. وقد كان واضحاً أن لقيام مجتمع مدني حر تعددي مستقل تنظيميا عن الأحزاب السياسي تأثيرا كبيرا وفاعلا في فك الاشتباكات وردع كل من يخرج عن الثوابت الوطنية، او يسعى الى الاستنجاد بالقوى الخارجية.
- ما يتمتع به الشعب التونسي من نضج سياسي وفكري ووطني ومن ميل عام عن الوسطية، وتطلعه الدائم إلى تحقيق الحرية والديمقراطية وفق نظرة واقعية متوازنة لا تغرق في الإيديولوجي، إذ يتميّز المجتمع التونسي بتركيبة اجتماعية منسجمة تشكل في جميع الازمات والمنعرجات الخطيرة صمّام الأمان والضامن الأساسي لتماسك البناء المجتمعي ولقوّة النسيج السياسي والاستقرار بالرغم من الصعوبات الاقتصادية الجمة، وتنامي آفة الإرهاب العابر للحدود. كما لا ننسى في الختام أن الشعب التونسي، هو من اختار وقرر بملء حريته التوافق الوطني وخيار الوسطية والتسامح وتجاوز منطق الانتقام السياسي، وهو من قرر أيضا وأنه ليس كل من كان في موقع المسؤولية في العهد السابق يستحق الإعدام السياسي، ولذلك رفض قانون العزل والحجر والاجتثاث وفقاً للوصفة العراقية سيئة الصيت، كما أن ليس كل من جاءت بهم الثورة من (ثوار)، يستحقون التكريم والتبجيل أو حتى الحصول على مقعد في البرلمان.. تلك حقيقة مهمة وتستحق التقدير.
- ما اظهرته القوى السياسية الأساسية (الإسلامية أو الليبرالية او اليسارية) من ميل الى الاعتدال والوسطية عندما مالت كفة الاحداث نحو احتمالات الانفجار، واصبح الامن الوطني مهدداً بشكل جدي، فبرزت كقوى معتدلة، تمتلك القدرة على إدارة الصراع لصالح تونس ولصالح الحرية وليس لصالح الاحزاب، فحتى الإسلام السياسي التونسي الذي اظهر ابان حكم الترويكا ميلاً الى المواجهة والتصعيد، ابدى استعدادا إيجابيا مهماً للوصول الى حلول توافقية سمحت بالخروج من الازمة، وكذلك الشأن بالنسبة للقوى المصنفة كقوى علمانية فقد أظهرت نضجاً لانها لا تستمدُّ وجودَها أو قوتها من معاداة الخصم الاسلامي، وإنما من مشروع مدني سياسي هو استمرار للتيار العام في الثقافة التونسية والتجربة السياسية النضالية خلال العقود الماضية.
- وأخيراً وليس آخر هذا الاجماع الوطني على ادانة العنف ورفضه ومحاربته بكافة الوسائل، ورفض أي شكل من اشكال تبريره، بما ضمن القدر المطلوب من تحصين الجبهة الداخلية قبل كل شيء، وضمان إجماع وطني حول رفض الفوضى والعنف والخروج عن القانون او الرضوخ للإملاءات الخارجية.
همس
الرباعي التونسي يستحق الجائزة، وهناك رسالة واضحة تحملها هذه الجائزة السياسية بامتياز، وهي أنها تعطى للسياسيين الحكماء وليس لمجرد الوسطاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها