النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

في صفة الممانعة

رابط مختصر
العدد 9686 الجمعة 16 اكتوبر 2015 الموافق 3 محرم 1437

 بالنسبة إلي، عندما أقرأ أو أسمع مفردة «الممانعة» بمعناها السياسي المتداول الذي بات فجاً ومثيراً للسخرية أشعر بشيء من العطف على ما بلغه بعض محترفي السياسة من سخف وانحدار في مستوى الوعي بمصالح الأمة، ومن تفانين «ابتكارية» في اللعب على الاختلافات العقيدية. ومن دون أن أحصر معنى الممانعة هذا في إطاره الحسي الذي يطلقه البعض أمام حالة من الفشل العاطفي وإظهار الكبرياء «الذكوري»، فإني لا أجد تفسيرا لتذكري في التو والحال هذا القول: «يتمنعن وهن الراغبات»، وهو قول مأثور ينسبه البعض إلى الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنا ليس لدي الدراية التامة بصحة هذا الإسناد أو عدم صحته، ولكن القول صادف في النفس هوًى بحكم مطابقة دلالته لوقائع الممارسات السياسية في صفوف من يزعمون أنهم دونكيشوت العصر. لقد أضحت الممانعة مفهوما سياسيا جيء به ليحل محل ما كان يسمى بدول الصمود والتصدي، ولكن بصبغة دينية نظّر لها أمين عام «حزب الله» حسن نصرالله المخادع الأكبر الذي استطاع أن يكسب مؤقتا بـ «الحرام» والبهتان صيتاً وسمعة سرعان ما تكسرتا على صخرة المذهبية التي يبديها إشهاراً ودونما خجل. وما تسميتا الممانعة والمقاومة إلا وجهاً من وجوه مخاتلات أمين عام حشاش العصر، إذ أنهما واقعتان ضمن نسج أكاذيبه الكبيرة.
 غدا واضحاً للمواطن العربي من بعد حرب 2006، وللبعض الآخر قبل ذلك، التي تسبب فيها «حزب الله» في لبنان أن كل ما يقوله هذا الأمين العام للحزب حسن نصرالله بات مستفزا، تناولاته لقضايا العرب مستفزة، تسليمه القدري بصحة السياسة الإيرانية مستفز، عمالته الواضحة مستفزة، طريقة حديثه المتعالية مستفزة، تهافته للدفاع عن مذهبيي البحرين واليمن والعراق وسوريا مستفز. ليس ذلك فحسب وإنما أيضا عمامته مستفزة لا برمزيتها الدينية بطبيعة الحال، ولكن برمزيتها السياسية التي يوظفها للحشد الجماهيري، والمذهبي على وجه التحديد، والهادفة إلى تمرير المشاريع التوسعية الإيرانية في البلدان العربية، خاتمه، ولا أعرف إن كانت له قدسية ما في عرف هذا الهيمان في الخميني والخامنئي، مستفز كلما لوح بيده أو مسح على لحيته بان بريق الدولارت التي يتسلمها من إيران للعمل على تفتيت النسيج الاجتماعي العربي. كله على بعضه مستفز، غير أنه يكون أكثر استفزازاً، بعد كل ذلك، عندما يتحدث عما يسمى محور الممانعة، الذي صار اليوم في خبر كان بعد أن حصد المواطن العربي من ذلك الويلات.
القارئ الكريم على علم بأن محور الممانعة اسم أطلقته على نفسها الجماعات التي كانت تعارض السياسة الأمريكية في البلدان العربية. ومما كان يثير العجب حتى في حينه أن هذا المحور ضم إيران إلى جانب سوريا العربية، و«حزب الله» اللبناني، أو يُفترض أنه لبناني، و«حماس» الفلسطينية. لقد شاع استخدام المفردة في أدبيات «حزب الله» ومن خلال هذا الحزب أخذت تغزو أدبيات الأحزاب والجماعات «الثورجية» الأخرى باعتبارها مقاومة حتى وصلت إلى جماعتنا في البحرين، وأقصد بالطبع الجمعيات المذهبية ومن ورائها الجمعيتين اليساريتين، وأخذت ترددها ببغبغائية سياسية رديفا للمعارضة وتشبها بما يصدح به الأب الروحي اللبناني حسن نصرالله.
محور الممانعة أو المقاومة هذا كشف عن وجهه القبيح في ثلاثة مواقع جغرافية فصار نداً للتغيير الإيجابي. ففي سوريا أظهر «حزب الله» طائفية مذهبية فاقعة بوقوفه مع نظام فاسد قتل أكثر من ربع مليون من شعبه. بل وقد أرسل شبابه ليرموا بحقدهم الذي غرسه نصرالله عبر خطاباته المسمومة بالمذهبية رصاصا وصواريخ تفتك بالأبرياء من الشعب السوري. أما في اليمن فلاحظ حزب الله وهو يتقيأ في كل سانحة حقداً مذهبياً على الدولة السعودية وعلى آل سعود الكرام الذين لم يوفروا جهداً لحل الأزمة اليمنية سلمياً حتى أعيتهم الحيل وبان للعيان الدور التخريبي الذي تقوم به إيران في المشهد اليمني فلم يجدوا من بد للجوء إلى الحزم عاصفة تقف أمام المد الإيراني القبيح الذي صار يستشري في البلاد العربية مثل السرطان. وبالمناسبة أود أن أنوه بأن الأمور في اليمن قد حسمت لصالح الشرعية اليمنية، ولصالح شعوب مجلس التعاون الذين ينبغي بعد هذه الأحداث الجسيمة، وبعزم وإرادة من حكام دول مجلس تُغلّب فيها مصالح الشعوب أن نطلق عليه شعب مجلس التعاون.
تتسابق اليوم الأحزاب السياسية على جعل أسماء أحزابها جذابة بصرف النظر عن جوهر عملها ومحيط نضالها، فالأسماء أو التسميات لها وجه إعلامي، وهي في جوهرها طعم لاصطياد الناس من خلال مخاطبة عواطفهم ومداعبة خيالاتهم خصوصا إذا كانت بكرا، كما هي الحال لدى الشباب، والأحزاب المنتمية إلى التيارات السياسية الدينية هي أكثر الأحزاب استثمارا لهذه الأسماء. فمثلما تجرأ حزب سياسي واتخذ له اسم «حزب الله»، تجد هناك على الضفة الأخرى من الإسلام السياسي «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس). أما على الجانب الآخر فهناك الحزب الديمقراطي، والحزب الاشتراكي، والحزب الليبرالي التقدمي.. وهكذا. لكن السؤال ما العمل، أو ما الإنجاز الذي يمكنك أن تلمسه في الواقع ليعكس تطابق الاسم المختار مع المسمى؟ هذا هو السؤال الجوهري، وإجابته تكاد ترقى إلى مستوى البديهيات، إذ ما حظ «الوفاق» من الوفاق؟ وما حظ الأحزاب الديمقراطية من الديمقراطية وقياداتها كادت لفرط تشبثها بكراسي الزعامة تتحول إلى لقى أثرية متاحف السياسة - إذا كُتب لها أن توجد يوما - أولى بها؟
أثبتت الأحداث أن الممانعة والمقاومة لافتتان ليس لهما من الصدق نصيب، فشمس الحقيقة التي تسطع في سماء الأحداث العربية قد قشعت بوامض أشعتها كل ما كان يعمل في الخفاء تحت يافطات «الثورة» أو «الاشتراكية» أو «الإسلامية» وإلخ.. الشعوب لم تعد في مرحلة الستينيات، إنها أوعى من ذلك بكثير. إنها شعوب القرن الواحد والعشرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها