النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

خواطر سفرة سريعة

رابط مختصر
العدد 9672 الجمعة 2 اكتوبر 2015 الموافق 18 ذو الحجة 1436

كانت فكرة السفر لمدة خمسة أيام التي طرحها عليّ ابن صديق من سبعينيات القرن الماضي، الصديق الابن «بو منيرة» فكرة رائعة وقد قبلتها بعد تردد من يوازن منافعها، وأنا ندرا ما أفعل ذلك! ودعني أخبرك لِمَ ترددت في قبول الفكرة. لقد ظننت أن فكرة كهذه لا تشبع شروط الراحة الكاملة من عناء عام من العمل المضني، ولا تلبي شروطه، هذا فضلا عن متطلبات البناء المتعبة وشغبه الذي أوقعت نفسي فيه بإرادتي الحرة؛ لأشبع ذاتا لم تشبع بعد من الوفاء لأب صاغ تكويني وكتب أبجدية إنسانيتي، ورسم لي الحدود اللامتناهية لواجب عطاء الآباء لأبنائهم.
   فكرة «بو منيرة» تتلخص في أن نترافق سويا مع صديقنا المشترك الثالث «أحمد» في سفرة إلى أم الدنيا، إلى القاهرة عاصمة العرب وحضنهم الدافئ. «بو منيرة»، لديه شغف بالحياة شديد وهو يؤمن بأن السفر وتغيير الروتين، ووقف رتابة توالي ساعات اليوم ودقائقه بالطريقة الكسلى لا يتطلب السفر لمدة طويلة، أو على طريقة سنة عمل ينبغي أن يقابلها شهر إجازة. هو  يكتفي  بثلاثة أيام أو خمسة أيام إجازة فقط ليستشعر الفرق بين الأيام التي مضت وهو منغمس في العمل، والأيام القادمة بثقيل تفاصيلها التي لا يمكن للإنسان أن يتجاهلها إذا ما أراد الاستمرار في الإنتاج وبالتالي في الحياة.
   اقتنعت بوجاهة الفكرة وصوابها، فأخذت بنواصيها وسافرت مع الصديقين، وما أحلاها سفرة! وجدت فعلا أن إجازة الأيام الخمسة التي انقضت في ربوع القاهرة العامرة بإرثها وتراثها، بشعبها وبحضارتها، بهدوء نيلها وصخب لياليها ممتعة، خاصة وقد خلت من التوتر العصبي المرتبط بسلوك أشرار المذهبية السياسية ممن نُزعت من قلوبهم محبة الآخرين، وأدمنوا التفجير وإشعال النيران في الشوارع وحرق المدارس، وابتعد فيها المرء عن الإعلام وضاغطاته وخاصة منه الإعلام «الوفاقي» المدعوم فارسيا. متعة الزيارة أحدثت عندي الفرق المرتجى، بعد أن عاهدت نفسي واشترطت عليها الابتعاد عن كل ما من شأنه أن ينغص عليّ هذه الأيام الخمسة وخصوصا نشرات الأخبار المتلفزة التي لا تحترم شعور الإنسان، والمواقع الالكترونية المذهبية التي تزرع الكراهية والحقد ولا تُخلف لدى المرء إلا مشاعر الحنق إزاء العابثين بأبسط مبادئ العيش معا وأيسر قواعد الانتماء إلى النوع البشري.
   منذ سنوات خمس وأنا أسافر إلى مصر، وكانت هذه السفرات مرتبطة بمجال العمل، كنت أزور القاهرة مرة أو مرتين في السنة، ولكني لم أجد مصر في هذه السنوات العجاف التي أعقبت ما سُمي زورا وبهتانا «ربيعا عربيا» جذلاء تحتفل بالفرح مثل هذه المرة. كان الأمن مستتبا والابتسامات تغمر محيا كل من تواجهه. ولعل لانتشار التصريحات الأولية التي تشير إلى نجاح الجيش المصري في تدمير بؤر ومراكز رئيسية للعناصر الإرهابية في شمال سيناء بين الناس التي كانت مشغولة بتأمين معيشتها أثرا في هذا التحول الذي لا يلحظه إلا من عايش مع مصر وأهلها فترات تصاعد الإرهاب الإخواني.
   ولعلي أقول، عطفا على ما لامسناه، أنا والصديقين، لدى أغلب من قابلناهم في المقاهي وفي الساحات وفي انتقالاتنا من سيارة «تاكسي» إلى «تاكسي» آخر، بأن بسطاء مصر، مثل بسطاء البحرين «كفروا، بالسياسة والسياسيين، وبات الحديث عن الأمن وتأمين مستقبل الأبناء، هو الحديث الغالب لديهم. لاحظت انقشاعا لشحنة الاكفهرار التي لازمت، على مدى أربع سنوات، وجوه أصحاب سيارات الأجرة والبائعين وجلاّس المقاهي الذين كنا نلتقي بهم يوميا، وعادوا يمارسون هوايتهم، وتقليدهم التاريخي، في رسم البسمة، وإن كانت ساخرة، على وجوه مرافقيهم.
   ودعني أخبرك، قارئي العزيز، بعد أن وطأت قدماي تربة البحرين الحبيبة ولامست رطوبتها المميزة أطرافي بأن السعادة بلا شك هي الشعور البديهي الذي غمرني مثلما كان سيغمر أي فرد بفرحة عودته إلى أرضه وناسه، وهي سعادة لا تضاهيها سعادة، غير أن هناك بقايا منغصات قد تعرض لنا لتغير كل مجريات الحياة اليومية رغم أن فيها ما قد يصب في صالحنا ويحفظنا مما قد يتربص بنا من سوء، من ذلك على سبيل المثال الخبر الذي طالعته في اللحظات الأولى من جلوسي في مقعد الطائرة العائدة بنا إلى ربوع البحرين. كان مفاد الخبر أن جلالة الملك حفظه الله ورعاه قد وجه إلى التفكير بتشكيل حكومة مصغرة تكون حركتها في التفاعل مع المواطنين رشيقة. الخبر رغم ارتباط دلالاته بقراءة حصيفة لواقع اقتصادي ينذر بالسوء عادي جدا ويحيل إلى إجراء احتياطي تعمل به كثير من الدول إذا حدث طارئ مثل الطارئ الاقتصادي الذي قد تستفحل مترتباته، وتتفاقم تأثيراته في المجتمع البحريني، ويكشف الرؤية الاستشرافية التي يتعامل بها جلالة الملك حفظه الله ورعاه مع كل ما يمس حياة المواطنين وأمنهم الاقتصادي والاجتماعي ورفاههم.
   أما الخبر الثاني الذي شدني، وقرأته بعد أن وصلت إلى البيت خوفا من أن أتقيأ لفرط ما حمله من كذب، هو ما نشرته صحيفة لن أذكر اسمها ليقيني بأنكم تعرفونها؛ إذ هي متخصصة في نشر ما يجلب الغم لأبناء هذا الوطن! مفاد الخبر أن حسن روحاني، الرئيس الإيراني، صاحب الزر السحري الذي ضغط عليه ففرض على أوباما أن يغير اتجاه السياسة الأمريكية 360 درجة، قد قال الآتي: «أكبر قوة إقليمية ضد الإرهاب والإرهابيين هي القوات المسلحة الإيرانية» وقال: «رسالة الثورة الإسلامية كانت رسالة المودة لكل دول الجوار، فجيش إيران  جيش مقاوم ولا يفكر بالاعتداء على أحد». لن أعلق على هذا الكلام لأن الوقائع تنبئ بنقيض ذلك حيثما وليت وجهك إلى الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط والمنطقة العربية ككل منذ صعد نجم ملالي إيران المنحوس ومسكوا دواليب الحكم في إيران.
   وأصدقكم القول حين أصرح بحقيقة مشاعري لحظة أنهيت قراءة هذا الكذب الصراح، فقد تأملت الكلام واستعدت جوهر فكرة السفر خمسة أيام وما لها من تأثير في تغيير المزاج فوجدتها فكرة تبعث على الاعتقاد أن هذه الأيام الخمسة الجميلة التي أمضيتها في ربوع مصر ما هي إلا كابوس جثم عليُ في لحظة، وأزاح المشهدية المصرية الجميلة من أمام ناظري.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها