النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الرؤية بعيدة المدى..

الاستشراف لتعزيز منهج الحكم الرشيد

رابط مختصر
العدد 9670 الاربعاء 30 سبتمبر 2015 الموافق 16 ذو الحجة 1436

من البديهي أن الإصلاح السياسي يربط بالضرورة بين الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي الاجتماعي. لأن الديمقراطية لها وجهان، وجه سياسي ووجه اقتصادي-اجتماعي. فالإصلاح السياسي نجح في تحقيق خطوات في طريق تحديث التشريعات واستقلالية منظمات المجتمع المدني ومكافحة الفساد واعتماد الشفافية وتفعيل آليات الرقابة، واحترام حرية الرأي والتفكير، واستقلال القضاء، وإلغاء المحاكم الاستثنائية والإحكام العرفية، وتفعيل دور المرأة في الحياة السياسية حتى تتبوأ مركز المواطنة الكاملة، إلا أن هذا الإصلاح السياسي يعتمد أيضا على الاستشراف والتخطيط الاقتصادي، والاعتماد على الشراكة الوطنية بين القطاعين الحكومي والاهلي، وعلى نظرة ديناميكية شاملة متعدّدة الاتجاهات والاحتمالات المتوقعة والبديلة حتى يبقى الاختيار مفتوحا عند بروز متغيرات جديدة داخلية وخارجية تتطلب التدخل لتعديلها في الوقت المناسب، فالاستشراف منهج للتطوير والتحديث وبناء مستقبل أفضل، يشيد مرحلة بعد مرحلة، ويرتكز على مقاربة شاملة متعددة الاختصاصات، يمزج بين الكمي والنوعي. فالمستقبل مجال حرية، حرية الاجتهاد في التفكير، وهو بالضرورة مفتوح لعدة احتمالات، منها احتمالات النمو والتراجع والتحديات والصعوبات والتقلبات التي يجب ان تكون مأخوذة بعين الاعتبار، وهو أيضا مجال الإرادة، إرادة أخد القرار الضروري الحاسم، مهما كان صعبا، وهو مجال سلطة حقيقية، سلطة العنصر الفاعل الذي يستحدث الفعل ويحث على التغييرات المنشودة من خلال خطة وبرنامج واضح المعالم، وهو كذلك إرادة طموح، الطموح نحو الأفضل..
 كما أن المستقبل يقوم  على التوافق بين مكونات المجتمع، التوافق المبني على الحوار والمشاركة والثقة والحكمة، وليس على المزايدة والمغالبة، بحيث يتم الأخذ بعين الاعتبار الاستشارة كفضاء يبرز طموحات المواطنين وتصوراتهم للمستقبل، ويتيح الفرصة لأهل الاختصاص والفكر والخبرة لطرح الفرضيات والاحتمالات الممكنة والمتوقعة لذلك المستقبل، وبذلك تكون كافة هذه العناصر دعامة للديمقراطية والأمن والتنمية والشراكة.
صحيح ان البحرين تمتلك تقاليد راسخة في صنع القرار الوطني، والتأسيس لثقافة التخطيط والاستشراف، لتوضيح الملامح العامة والتوجهات المستقبلية الكبرى التي تهم المجتمع ومستقبل البلاد، وقد أسهم هذا التوجه المدعوم بإرادة سياسية ورؤية واضحة ومنهج عملي بمشاركة مختلف مكونات المجتمع المختلفة.. ولقد نجحت وعلى مدار عقود في تحقيق درجات ملموسة في مجال التنمية البشرية، وتبوأت المراكز الأولى على الصعيد العربي لسنوات عديدة من النمو والتقدّم، بما مكنها  من الارتقاء إلى مرتبة البلد العربي الذي يحصل على أفضل المؤشرات، سواء في مجال التنمية البشرية، أو في مجال نوعية الحياة، والصحة التربية والتعليم، الا ان البحرين مع كل ذلك احتاجت الى ما هو ابعد من التخطيط القصير المدى  ضمن برامج عمل الحكومة، بل الى تجاوزه إلى العمل على وضع رؤية الطموح استشرافية متوسطة المدى، من خلال الرؤية الاقتصادية التي اعدها مجلس التنمية الاقتصادية وتم اعتمادها رسميا بما تحمله من السعي لتوفير «حياة أفضل للمواطن» بمواصلة الجهد التنموي وبتحديد برنامج ملموس يتضمن أهدافا قابلة للقياس لا  مجرد برنامج يقتصر على توجهات عامّة.. الا ان هذا الامر على أهميته تعثر لأسباب تتعلق في المجمل بالأزمة السياسية التي حدثت في بداية العام 2011م.
لقد علمتنا التجارب الدولية أن إشراك العناصر الفاعلة داخل المجتمع والخبرات الوطنية عالية القيمة، هي من أهم الوسائل الفعالة في تحقيق أي انجاز تنموي وتجاوز أي صعوبات طارئة او هيكلية مهما كان نوعها وحجمها، سواء في مجال التخطيط والاستشراف او في مجال الإنجاز نفسه، او تحقيق الأهداف الاقتصادية الحيوية، في مقدمتها التنويع في المصادر وتنمية الاستثمار الداخلي والخارجي وتشجيع المبادرات التي تعظم من دور المبادرة الخاصة على النحو الذي شهدته العديد من الدول التي أوضاعها لا تختلف كثيرا عن البحرين. هذا إضافة الى امتلاك القدرة على أخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، والالتزام بآلية للتقييم والمساءلة والمحاسبة، كمظهر من مظاهر الحكم الرشيد.
ودعما للقدرات الوطنية في مجال الاستعداد للمستقبل، وبمبادرة من مجلس التنمية الاقتصادية، تم إحداث منهج متكامل للدراسات الاستراتيجية لضمان التنظيم والاسترسال والتأليف والمتابعة للعمل الاستشرافي والتحليل الاستراتيجي حيث يضطلع المجلس من سنوات بمهمة البحث والدراسة والتحليل واستشراف آفاق المستقبل القريب والبعيد حول كل المسائل ذات العلاقة بالأحداث والتطورات الظرفية والظواهر المختلفة على الصعيدين الوطني والدولي والتي يمكن أن تكون لها صلة بمسار تنمية المجتمع البحريني بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ببذل المزيد من الجهد للارتقاء بجودة حياة المواطن، من حيث مستوى الرّفاه الاجتماعي، ومن حيث العمل على اللحاق بمصّاف البلدان ذات المؤشر الأعلى في التنمية البشرية في آفاق تنفيذ الرؤية الاقتصادية، وتقليص نسبة البطالة إلى الحدود الدنيا ومضاعفة الدّخل الفردي ضمن الإطار الزمني المحدد وتحقيق نتائج اقتصادية أفضل وبلوغ مؤشرات تنمية اجتماعية وبشرية أرفع، ويكون تجسيم ذلك عبر تنفيذ الشروط الأساسية للمحافظة على التوازنات العامة بتنويع الاقتصاد ومصادر الدخل، وتسريع نسق النمو عبر اندماج أكبر في الاقتصاد الدولي، ودعم سياسة توزيع الدخل، وتطويرها وإضفاء مزيد من الفعالية عليها في إطار مقاربة متجددة للتضامن الوطني للحد من مظاهر الفقر والحرمان، ولن يتم ذلك تكثيف البرامج الرامية إلى تحسين أداء الإدارة الحكومية، ومزيد الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين وللمستثمرين، بما يسهم في تسريع نسق النمو ودفع الاقتصاد إلى تحقيق نتائج أفضل، وإدارة الموارد العامّة بحكمة وفعالية من أجل تحقيق قدر من الرّفاهة للجميع بأكبر قدر ممكن من العدالة.
إن التأسيس للمستقبل ليس مسؤولية فردية، بل هو عمل جماعي تسهم فيه جميع مكونات المجتمع بمختلف فئاته وطاقاته وخبراته، وجعل ثقافة الاستشراف والتخطيط ثابتا من ثوابت العمل الاقتصادي الاجتماعي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها