النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11525 الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 الموافق 10 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

نحو مراجعة عاجلة لقانون الجمعيات السياسية

ماذا جنى المجتمع من الجمعيات الطائفية؟

رابط مختصر
العدد 9668 الاثنين 28 سبتمبر 2015 الموافق 14 ذو الحجة 1436

السؤال أعلاه جدي إلى ابعد حدود الجدية: ماذا جنينا من وجود جمعيات سياسية طائفية؟ وما المنتج السياسي الذي سوقته في المجتمع عامة وفي المجتمع السياسي خاصة؟ وما تأثيرها في الوعي السياسي الوطني الجمعي؟
التجربة القريبة الماضية تقول بوضوح إن هذه الحصيلة سلبية إلى ابعد الحدود، بل قد تكون خطيرة في بعض جوانبها القاسية، منها على وجه الخصوص تعميق الانقسام الطائفي وبناء جدار الفصل الوهمي بين الطوائف، وترسيخ مفاهيم ورؤى إقصائية وتمييزية على أساس طائفي، بما يضرب المواطنة في العمق، مما يستدعي إعادة النظر في الترخيص لجمعيات طائفية غير قادرة على بلورة خطاب وبرنامج سياسي وطني مدني عقلاني.
إن اخطر ما يصيب حياتنا السياسية ويمنع تطورها بطريقة سلمية، هو وجود جمعيات سياسية طائفية، والمصبية الأكبر أنها هي المهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية في ذات الوقت، وقد أسهمت فقط في تعزيز تاثير المشاعر الطائفية والرؤى المذهبية على الوعي الوطني الجمعي، واصبحت الجمعيات الطائفية عاملاً حاسماً في سلوكيات الافراد وتكوين مواقف المواطنين وتجمعاتهم المختلفة من الدولة. فإذا اتفقنا أن الجمعيات الطائفية سيئة ومرفوضة ومخيفة ومخيبة للآمال، ومفسدة للأحوال، لأنها تسهم في تقسيم المجتمع، وتخريب بنيانه الوطني الموحد، فهل يكون أقصر السبل لإصلاحها هو حلها؟
قد يكون هذا الحل غير واقعي، لأن حلها -في الوقت الذي تشكل فيه مخزونا جماهيريا مهما وتهيمن على قطاعات واسعة من المواطنين- لن يحل المشكلة، لأن هذه الجمعيات ستعود للعمل في السر، وتتحول إلى جماعات تعمل خارج القانون، وتصبح مراقبتها أصعب وضررها أكبر.
إن الطوائف لم تحتكر في يوم من الأيام خدمة الوطن ولا الجماهير، ولم تصادر حق الآخرين في تكوين جمعياتهم متى شاؤوا، والطريق إلى الجماهير لا يمر بالضرورة عبر الطوائف، وقد جرب اليساريون والإسلاميون خلال نصف قرن من الزمان أو يزيد، تخطي الطائفة إلى الجماهير من خلال محاولة استقطابها، بعيداً عنها، وحققوا قدراً ملحوظا من النجاح، ولكنه لم يكن نجاحا كافيا أبدا، ولكن المشكلة أن هنالك من يعجبه ويخدم مصلحته الضيقة وجود تخندق طائفي مخيف، فيعمل على تعزيزه، وتغذيته يوميا، بالمال والوقود الطائفي، وقد عاينا محاولة اليساريين وبعض الإسلاميين، وبكامل إرادتهم، التحالف مع الطائفية لأهداف جمعت بينهم «تتراوح بين المطالب الإصلاحية إلى المطالبة بإسقاط النظام، إلى الإعلان عن الجمهورية!!»، ولكنهم لم ينجحوا بالرغم من شعاراتهم التزيينية في إخفاء الحشد الطائفي والشعار الطائفي، بالدمج بين الشعار السياسي والشعار الطائفي، واستغلال الجماهير وحشدها وفقا لمصفوفة الثقافة الطائفية التي يزدحم عليها المزدحمون ويتخطفها ذوو الأجندات المريضة، وقد أحيا هذا الفعل حشدا طائفيا في المقابل، في سياق ردود الأفعال وإحياء المخاوف العتيدة، بما خلق خندقا مقابلا، كان يمكن ان يتطور -لا قدر الله- إلى ما لا يحمد عقباه.
إن منهج إصلاح الطائفية الذي يرفع شعاره بعض مثقفي اليسار بالادعاء بإمكانية إصلاح الجمعيات الطائفية من خلال التحالف والتنسيق معها، حيلة ساذجة، لأن الواقع قد أثبت أن جميع من رهنوا عضويتهم في الجمعيات الطائفية أو التحالف معها، بإصلاحها، قد باءت بالفشل الذريع، فلا الجمعيات الطائفية تغيرت أو تغير خطابها الطائفي ولا تخلت عن لغتها وأهدافها، ولا اليسار المتحالف معها اثر في جماهيرها وجعلها تبتعد عن المنطق الطائفي، بل إن الأخطر من ذلك هو ظهور بعض النزعات الطائفية ضمن اليسار نفسه، وتلك كارثة حقيقية نتيجة طبيعية للانتهازية السياسية.
كما ان العصبيات الطائفية ضيقة الأفق محكومة بإدامة الانقسام في المجتمع، ومحكومة بإدامة الحرب الباردة بين الطوائف والتأثير سلبا على تعزيز مدنية الدولة على المدى البعيد فما بالك ببناء الديمقراطية الحقيقية، فأقصى ما تنشده الجمعيات الطائفية هو إنزال الهزيمة بالطوائف الأخرى، أو ما تتوهمه من نقل الهيمنة من طائفة إلى طائفة أخرى، ولذلك فإن تعزيز الوطنية وتعظيم العناية والاهتمام بالهوية الوطنية العربية بوجه خاص، قد يسهم في محاربة الطائفية تشريعا وثقافة وسياسة ومجتمعيا وإعلاميا، كما انه من الضروري مراجعة قانون الجمعيات السياسية بما يضمن بشكل كامل وواضح وتفصيلي تأسيس أي جمعية على أساس طائفي في ذات الوقت الذي يتم فيه تعزيز ثقافة توحيد البنية الوطنية على أساس مدني، واستنادا إلى مبادئ المواطنة المتساوية، بحيث يشعر المواطن بان انتماءه يحقق مواطنيته الكاملة.
إن الجمعيات الطائفية، تمتلك روايتها الخاصة لتاريخ الوطن والأمة، وهي تفسره بالسياقات التي تعزز هويتها الفئوية، وليست مهتمة أصلا بما يجمع وبما يؤلف بين القلوب والنفوس، بل ان انشغالها الرئيسي هو التقسيم والمحاصصة والسيطرة على المريدين واستغلالهم. وللأسف فإن هذه الهويات الجزئية ليست خارج الوعي، بل إن كثيرا منها صمم ليخدم أغراضا سياسية أغلبها يرتبط بأجندات ذات ارتباط بقوة إقليمية تتبنى خطابا طائفيا يغطي طموحات قومية عنصرية بالدرجة الأولى، ورؤى تمييزية وعنصرية مدعومة بشعورها بتفوقها على العرب كأمة، شكل في اللا وعي، قراءات أخرى، غير موضوعية متحيزة ومزيفة للتاريخ العربي.
همس
الطائفي، بحسب معجم أكسفورد هو: «الشخص الذي يتبع بشكل متعنت طائفة معينة، أي أنه الذي يرفض الطوائف الأخرى ويغبنها حقوقها، أو يُكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها، تعاليا على بقية الطوائف، أو تجاهلا لها أو تعصبا ضدها، في حين لا يعني مجرد الانتماء إلى طائفة، أو فرقة، أو مذهب، جعل الإنسان المنتمي طائفيا، كما لا يجعله طائفيا عمله لتحسين أوضاع طائفته، أو المنطقة التي يعيش فيها، دون إضرار بحق الآخرين. وعكس هذا التعريف، يضع بعض الباحثين الطائفية ضمن أعمال السياسة وليس ضمن مجالات الدين والعقيدة، وهدف من يتولى أمرها حقيقة على مستوى الدولة هو إنشاء الدولة الطائفية، وسيطرة الشعور الطائفي، والولاء للطائفة، بالشكل الذي يتقدم على الولاء للوطن والدولة والقانون».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها