النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

الوكيل المالي للشيخ أحمد الجابر الصباح

رابط مختصر
العدد 9665 الجمعة 25 سبتمبر 2015 الموافق 11 ذو الحجة 1436

 

لعب التجار في كويت ما قبل النفط، كما في دول الخليج العربي الأخرى، دورا بالغ الأهمية في تشكيل النظام الاقتصادي لبلدهم. وقد تطرقت الوثائق البريطانية وأرشيف حكومة الهند البريطانية ومؤلفات أجنبية كثيرة لهذا الدور بالتفصيل على نحو ما فعلته «جيل كريستال» في كتابها «النفط والسياسة في الخليج: الحكام والتجار في الكويت وقطر» - «Oil and Politics in  the Gulf: Rulers and Merchants in Kuwait and Qatar»
الصادر عن مطبعة جامعة كمبردج البريطانية في عام 1995، وما فعله «جيمس أونلي» في كتابه «التخوم العربية للراج البريطاني: التجار والحكام والبريطانيون في الخليج في القرن التاسع عشر»The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers and British in the Nineteenth –Century Gulf الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد البريطانية في عام 2007.
ثم ما فعله لاحقا مايكل فيلد في كتابه الصادر عن مطبعة أوفير لوك في عام 1985 وعنوانه هو: «The Merchants: The Big Business Families of Arabia». أي «التجار: بيوتات الأعمال الكبيرة في جزيرة العرب».
وقد قام الباحث الكويتي «محمد إبراهيم الحبيب» بتناول هذا الموضوع في رسالته لنيل الدكتوراه من قسم التاريخ بكلية هالووي التابعة لجامعة لندن، مسلطا الضوء على العديد من الشخصيات الكويتية التجارية التي كانت لها أدوار محورية في بواكير عملية البناء في دولة الكويت الشقيقة. من هذه الشخصيات المرحوم الحاج «عبدالكريم أبل» أحد تجار الكويت في النصف الأول من القرن العشرين. فهذا الذي عمل وكيلا ماليا للمغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح، وكانت له علاقات تجارية إقليمية وعالمية، لم يكتب عنه الكثير، ولم «يأخذ مساحة كغيره من تجار الكويت تليق بالدور الذي قام به» طبقا لما قاله الحبيب في مقال له منشور في صحيفة القبس الكويتية (28/6/2012).
يقول الباحث الحبيب (بتصرف): «اعتمد اقتصاد الكويت منذ نشأته حتى ظهور النفط على التبادل التجاري البري والبحري. فكان التجار يقومون بتصدير التمور والأسماك واللؤلؤ، واستيراد أغلب المواد الغذائية الرئيسية ومواد بناء السفن وغيرها من موانئ إقليمية مثل البصرة ومسقط والبحرين وموانئ جنوب غرب بلاد فارس، إضافة إلى موانئ عالمية مثل كراتشي وكالكتا وبومبي وزنجبار ومانشستر. فيما كانت القبائل العربية، كالعوازم والعجمان والمطير والظفير والشمر وغيرها، تلعب دورا مهما في التبادل التجاري البري (المسابلة)، وإمداد الكويت بالماشية وجلودها ومشتقاتها اللبنية وغيرها من بضائع عن طريق القوافل القادمة من شبه الجزيرة العربية والشام وجنوب العراق إلى الكويت». ويضيف قائلا انه لهذا السبب استقر بعض تجار البلاد خارج الكويت، إما في الهند مثل فهد الفليج ومحمد وفهد المرزوق ومحمد حمود الشايع، وإما بين المحمرة والبصرة على نحو ما فعله محمد عبدالله المتروك (تاجر كويتي نزحت عائلته من العراق). أما الذين استقر منهم في الكويت فقد كانوا كثيري السفر إلى مناطق الخليج والهند للإشراف على أعمالهم وروابطهم التجارية، أو كان لهم وكلاء ثقات في تلك المناطق.
كما يشير الباحث إلى أن تجار الكويت انقسموا لجهة البلاد التي كانوا يتاجرون معها، فذوو الأصول الفارسية منهم كانت تعاملاتهم التجارية في أغلب الأحيان مع بلاد فارس بسبب الروابط الاجتماعية والأصل العرقي وتمكنهم من الحديث بالفارسية، أما أصحاب الأصول العربية منهم فكانت وجهتهم بلاد الجزيرة العربية والشام والبصرة والهند، لكن دون أن يعني هذا أن الفريق الأول لم يتعامل بتاتا مع بلاد الهند والشام والجزيرة العربية وسواحل شرق أفريقيا، ودون أن يعني أن الفريق الثاني لم يتعامل مع بلاد فارس. إذ كان كلا الفريقين يسعيان للبحث عن الفرص التجارية في أي مكان وأي زمان.
وإذا ما عدنا إلى سيرة التاجر عبدالكريم أبل الذي هو محور حديثنا، فإن الباحث الحبيب نقــّب في سيرته ومسيرته التجارية من خلال تسجيلات ومقابلات شفوية لمعاصريه وأبنائه وأحفاده، واطلاع دقيق على الوثائق البريطانية المحفوظة في «بريتش لايبراري» (المكتبة البريطانية)، فخرج بنتيجة مفادها أن الرجل من مواليد الكويت في عام 1882 تقريبا، وأنه ينحدر من فرع عبدالرحيم من أسرة «أبل» التي تنتمي إليها عائلات كويتية أخرى مثل «النقي»، و«بوفتين». وطبقا لما ورد في موقع تاريخ الكويت الإلكتروني فإن آل أبل هم من نسل أبل بن أبي القاسم بن عبدالرحيم بن محمد بن جعفر بن عبدالرزاق، وهم من بني كعب من الأحواز الذين استوطنوا الكويت منذ أوائل القرن التاسع عشر. ويقول مصدر آخر من المصادر التي اطلعت عليها شيئا مشابها مفاده أن فرع عبدالرحيم هم من نسل عبدالرحيم بن محمد بن حسن بن جعفر بن عبدالرزاق، ومنهم من استقر في عـُمان مثل التاجر محسن بن حيدر درويش الذي يرجع نسبه إلى فخذ آل نصّار من بني كعب.
نشأ عبدالكريم أبل وترعرع في حي الوسط الذي كان يحتضن منزل المعتمد البريطاني ودائرة التلغراف، حيث كان يسكن معظم آل أبل، لكنه اعتبر من أهالي حي شرق لأنه انتقل إلى هناك وسكن في «فريج الشيوخ»، حيث كان يتردد على ديوانية الحاج «ماتقي بن غالب» التي كان يحضرها أيضا الشيخ مبارك آل صباح (مبارك الكبير) وصديقه الشيخ خزعل الكعبي أمير المحمرة والأحواز رحمهما الله.
وبدأ تجارته بافتتاح أول دكان في السوق الداخلي، ولهذا أطلق الكثيرون على هذا السوق اسم سوق عبدالكريم نسبة إليه. وفي عام 1916 انضم الحاج عبدالكريم أبل إلى مجموعة من تجار وأعيان الكويت الشيعة من أمثال الحاج إبراهيم محمد علي معرفي، والحاج عبدالكريم معرفي، والحاج علي أسطى بهبهاني في تأسيس وبناء الحسينية الخزعلية، تنفيذا لاقتراح من الشيخ خزعل أمير المحمرة والأحواز الذي رأى ضرورة إقامة حسينية كبيرة تفي باحتياجات أبناء الطائفة الشيعية المتزايدين عددا (وهذه الحسينية غير حسينية معرفي التي بناها الحاج احمد محمد حسين نصرالله معرفي، وافتتحت رسميا في عام 1905 وكانت عند تأسيسها عبارة عن ثلاثة بيوت قديمة دمجت مع بعضها البعض، لكن تم تجديدها وتوسعتها لاحقا بمواصفات هندسية رائعة، فصارت تحفة معمارية فنية يشرف عليها المجلس الوطني للفنون والآداب باعتبارها من المباني الأثرية). ومن الذين ساهموا معه أيضا في مشروع بناء الحسينية الخزعلية: الشيخ مبارك الصباح الذي تبرع بكمية معتبرة من الأخشاب التي تستخدم كجسور يوضع عليها الجندل لبناء الأسقف الكبيرة وتعرف باسم «صوارة»، والشيخ جابر المبارك الذي تبرع ببيت ملاصق للحسينية من ناحية الغرب كي يكون مطبخا لها من بعد أن قايض صاحبته الشيخة موضي الدعيج الصباح بدكانين. بعد ذلك، وتحديدا في ثلاثينيات القرن العشرين، ساهم الحاج عبدالكريم أبل مع الحاج احمد محمد حسين نصرالله معرفي في تأسيس المدرسة الوطنية الجعفرية، واختير عضوا في لجنتها الإدارية إلى جانب شخصيات كويتية أخرى.
ولأن الرجل حظي بمكانة مميزة وسمعة طيبة في أوساط أهالي الكويت، ولأنه كان من قدامى تجار الكويت من ذوي الأصول الفارسية ويتمتع باحترامهم، ولأنه كان صاحب موقف مؤيد للحاكم الشيخ أحمد الجابر الصباح في صراعه الاجتماعي / السياسي مع تجار الكويت وأعيانها في عام 1921 حول المشاركة في الحكم وفي إدارة وتصريف أمور المجتمع من خلال مجلس للشورى، فقد نال ثقة الحاكم. وتجسد ذلك في تعيينه من قبل الحاكم كوكيل لأعماله وأمينا لصندوقه، فكانت العائدات المالية للدولة، ومن ضمنها ضرائب الجمارك، تحفظ عنده في منزله في حقبة ما قبل تأسيس البنك البريطاني في الكويت في عام 1942. ومما يـُذكر في هذا السياق أن الحاج عبدالكريم كان يرفض الحصول على أي مقابل مادي لهذا العمل. وهناك دلائل كثيرة على قيام أبل بالوظيفة المشار إليها، نستمدها من الوثائق البريطانية التي اطلع عليها الباحث الحبيب، ومنها شيك صادر من عبدالكريم أبل بصرف مبلغ 800 ريال نمساوي من مال المرحوم الشيخ أحمد الجابر كدية شرعية إلى أسرة شخص يدعى «حنيف المزيعل» دهسه المدعو «صادق» سائق الشيخ عبدالله الجابر وتسبب في وفاته في عام 1937. ومنها أيضا رسالتان موجهتان من الشيخين سالم المبارك وأحمد الجابر إلى أبل لدفع مبالغ مالية بالريال النمساوي بالنيابة عنهما كتعويض لشخص يدعى «سليمان الصويطي» مقابل قيمة ثلاثة ركايب تمّ شراؤها في عام 1920. وقد أورد الباحث الحبيب في بحثه القيم مثالا إضافيا في السياق نفسه مستمدا من وثيقة بريطانية حول الإيرادات والنفقات المالية للكويت في عام 1940. ففيها ورد اسم عبدالكريم أبل تحت بند الإيرادات، مع إشارة إلى أنّ الأخير حصد للكويت ما بين الثامن من مايو والسادس من يونيو سنة 1940 مبلغ 2000 روبية.
والحقيقة أن الشيخ أحمد الجابر طلب من الحاج محمد علي بن معرفي (تاجر كويتي ورث عن أبيه مكتب مسقط الذي كان له الدور الأكبر في الاتصال بالهند وسائر موانئ شبه الجزيرة العربية، وعمل في استيراد العديد من السلع والمنتجات من الهند مثل الأخشاب والأرز والبهارات والحنطة، لكنه كان متخصصا في تجارة السلاح من أوروبا والهند ومسقط، وكان يحظى بثقة الحاكم كثيرا على نحو ما فصلنا في حلقة الجمعة الماضية) أنْ يختار له أحد أبنائه الثلاث، إسماعيل وإبراهيم وصالح، او أحد أقاربه، ليوظفه كوكيل عن سموه، لكن الأخير اعتذر عن ذلك لانشغال أولاده في إدارة أعماله، ورشح له الحاج عبدالكريم أبل الذي كان ملازما له في متجره وكان معروفا للجميع بأمانته وحسن خلقه، فقبل الشيخ الترشيح.
والحقيقة الأخرى أنّ كثيرا من تجار الكويت كانوا ينظرون بعين الغيرة والحسد إلى العلاقة والثقة الوطيدة التي كانت جمعت الحاكم بالحاج عبدالكريم، فلما عين الأول الثاني وكيلا ماليا له، زادت غيرتهم وعظم انزعاجهم فراحوا يشيعون أن عبدالكريم يتلاعب بأموال الحاكم، وإنه يستثمرها في أعماله التجارية الخاصة دون علم الشيخ أحمد الجابر. وهو ما جعل عبدالكريم يستأجر حميرا ويحمل عليها الأموال ليعيدها إلى الحاكم، معلنا تخليه عن وظيفته. غير انّ الشيخ أحمد الجابر استقبله في قصره وأكد له ثقته فيه، قائلا انه لا يستمع إلى الوشاة، فعاد الحاج عبدالكريم عن استقالته وظل يعمل في وظيفته حتى آخر يوم من عمره. وحينما توفي الشيخ أحمد الجابر طلب عبدالكريم من ورثة الحاكم إعفاءه من مهمته، لكنهم رفضوا. وبعد وفاته انتقلت مهمة إدارة أموال ورثة الشيخ أحمد الجابر إلى ابنه أحمد أبل الذي كان ضمن من عينهم الحاكم في عام 1948 في مجلس للشورى مكون من 12 عضوا بغرض الإشراف على الشؤون التنموية في مجالات الصحة والتربية والبلدية والغذاء وغيرها.
أما لجهة الدليل على دور أبل الاقتصادي إقليميا وعالميا، فإن الوثائق البريطانية تعطينا فكرة واضحة عن ذلك. فهناك مثلا وثيقة تعود إلى عام 1938 وتتضم طلب 15 تاجرا كويتيا ممن لهم تجارة مع الهند، ومن بينهم أبل، للشيخ أحمد الجابر كي يساعدهم في تسهيل عملية استيراد صناديق الشاي من الهند، من خلال عدم فرض إجراءات صعبة مثل طلب شهادات إضافية غير متعارف عليها. وهناك تقرير تجاري مفاده أن أبلا ستورد في عام 1941 خمسين صندوقا من الشاي من بومبي من عند التاجر النجدي المقيم هناك «حمد علي القاضي». وهناك تقرير مشابه آخر يفيد بأن الرجل استورد مائة صندوق من الشاي ما بين عامي 1942 و1943 عن طريق التاجر «جعفر عبدالرحيم». ونجد أيضا وثيقة بريطانية مختلفة بعض الشيء تؤكد دوره في المساهمة بتشييد منزل لطبيب دار الاعتماد البريطاني. حيث تقول الوثيقة انه استورد، لهذا الغرض، في عام 1945 ثلاثين طنا من الأسمنت من ميناء بندربور الهندي نيابة عن الشيخ أحمد الجابر وبمساعدة الوكيل السياسي البريطاني في الكويت.
ومن الوثائق التي توضح معاملات أبل التجارية مع دول الجوار، وثيقة تعود إلى عام 1930 وفيها أنّ الرجل أعطى توكيلا للمحامي العراقي «سليمان فيضي الموصلي» للدفاع عنه ضد أي فرد أو شركة أو هيئة أمام المحاكم العراقية. وهذا بطبيعة الحال يؤكد وجود معاملات تجارية لأبل مع العراق، إذ لولاه لما وكـّل محاميا عنه في العراق. ولعل ما يعزز هذا وجود صورة لشيك محرر لأبل في عام 1936 من قبل البنك الشرقي المحدود ــ فرع البصرة بقيمة 2000 روبية نظير إحدى المعاملات التجارية.
ولئن سجل أحد التقارير البريطانية وفاة الحاج عبدالكريم أبل في 14 ديسمبر 1945 على إثر نوبة قلبية، مورثا ابنه أحمد مسؤولية إدارة الشؤون المالية للشيخ أحمد الجابر وأسرة آل صباح الحاكمة، فإن تقريرا سابقا لذلك أتى على ذكر أبل، ضمن تجار كويتيين آخرين، قائلا انه رجل فطين، ضعيف البصر، وقليلا ما يرد التحية، يبلغ من العمر 63 سنة، ويتحكم في المال الخاص للأسرة الحاكمة، وانه من أصول فارسية ومن المؤيدين لبريطانيا، ويحقق أرباحا طائلة من خلال الاتجار بالقمح والعديد من السلع الأخرى.
بقي أن نعرف أنه نظرا لكبر حجم عائلة أبل وقدمها وتفرعها إلى فروع عدة، فقد تناسبت العائلة مع عوائل كويتية كثيرة معروفه مثل: الصفار (العجم)، وبهبهاني، والمسلم (الجناعات)، والكندري، والسراج، ودشتي، والصراف، وشهاب، وغيرها. ومن شخصيات العائلة البارزة «صبيح أبل» العضو السابق في مجلس إدارة النادي العربي، و«فؤاد أبل» رجل الأعمال المعروف بتربية النمور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها