النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

حلم ايكاروس والأجنحة الشمسية!!

رابط مختصر
العدد 9664 الخميس 24 سبتمبر 2015 الموافق 10 ذو الحجة 1436

يولد الانسان مع الحلم ويعيش معه ويموت معه، بتلك الحقيقة ظلت كل العلوم الانسانية لمسألة التاريخ والجنس البشري، حقلا غنيا بالمعرفة المتطورة التي ينتجها الانسان، ولم يتوقف قط عن حلم ارتياد المجهول، الذي يصبح في حقبة ما امرا معلوما يتم تجاوزه، دون التوقف ازاء الاسئلة المعرفية الواسعة الغنية، ويتكرر السؤال تلو السؤال وتنبثق الاجابة تلو الاجابة في مسيرة الانسان الكبرى.
ظلت الكشوفات والالغاز تتفكك، على كوكبنا، ولكن الكون الواسع، الغامض، المجهول، ظل اسئلة الانسان المستمرة ويسعى لفك مغاليقها المعقدة، وكان الحلم الاول ان يحلق الانسان في الفضاء، بدلا من المشي والركض على الارض وهو اقصى ما يمكنه فعله، ولكن العقل الانساني كان سلاحا جديدا ينقلنا نحو الحلم الممكن، باجتياح خط المستحيل فاخترع العجائب السبع ـ كما يقولون ـ اخترع المعلقات السبع، ثم العشر ثم الالاف من الانجازات الكبرى، التي باتت تحت متناولنا في شتى حقول المعرفة، كان اختراع الانسان الكتابة منجزا ضخما في تاريخه، ولكن الاعظم اختراع الطباعة التي ستجعل من اللغة عنوانا مهما في الالواح، وستتحول تلك اللغة المرتبكة المتلعثمة عند الانسان البدائي، الى خطاب شعري، نوتة ولغة موسيقية، الى صوت انساني مساحته هائلة كنوتة موسيقية، تتفوق على عذوبة الطيور وتساقط الشلالات والعواصف وزخات المطر ومشاعرنا الصامتة في خطابها القلق المضطرب، كل تلك الايقاعات الكونية تحولت الى صوتنا الداخلي المتفجر نحو الخارج، الصوت / اللغة الذي بات «بيانا» كلغة متطورة، الم يكن البيان فيه سحر؟!، بل واصبح الكهان والشعراء والساسة يلعبون بنا في خطابهم الجميل والمخادع لتلك الرغبة المتأرجحة في انساننا المكتوم والمكبوت، كان على ايكاروس ان يبحث عن سؤاله نحو الحرية في متاهة الكهف / السجن والهروب نحو فضاء الحرية، فكان عبور الماء والاسوار الشاهقة بفكرة جنون التحليق الاول، لم يسمع الابن لأبيه، منذ الازل هناك اختلاف بين الجيلين الاباء والابناء كما هي رواية تورغينف، سيختلفون ويتصارعون، لهذا قال له بعد ان رتبا الاجنحة بشمع بدائي، فقال له «اياك وان تقترب من وهج الشمس وانت تحلق، كن بعيدا عنها، لا تبتعد عني ولنحلق معا بشكل متجاور» ولكن ايكاروس ولعنة الموت كانت تلاحقه والحرية ظلت حلما، فنسى وصية والده فاذابت الشمس الشمع فسقطت الاجنحة فكان سقوطه المدوي في البحر، فظلت رمزية الاسطورة ودلالاتها حية في الضمير الانساني عن الصراع من اجل الحرية بالهروب بكل الوسائل الممكنة، وعلى الحلم ان يفتش عن طرق لتحقيقها، فنبعت فكرة الطيران الاولى كمخيلة قائمة.
ولا اعرف ان كان الاندلسي ابوالقاسم عباس بن فرناس قد استمد فكرتها من التراث الاغريقي، ام انها نتاج تطور المعرفة في حقبة الاندلس، حيث ازدهار الشعر والفلسفة والعلوم فيها، ضجت الاندلس في القرن التاسع وهي ترى كائن بشري يطير على سقوف بيوتها، لم يفلح ابن فرناس فقد تكررت نفس خطيئة ايكاروس، ذوبان الشمع ونسيان اهمية الذيل للحركة والدوران، فسقط وتكسرت اضلعه  وتمت محاربته وحوكم بتهمة «التغيير في خلق الله» وتم عزله في بيته، وكثر عليه «الطعن في دينه ورفضوا تطيير جثمانه».
ومن المؤسف ان لا نلتفت للانجاز العظيم للبشرية في رغبتها الصعود الى الفضاء، ففي عام 1961 نجح السوفيت بالتحليق نحو القمر والاطلالة من هناك على كوكب الارض، في مناخ السباق بين السوفيت والامريكان، كان على حكومة نيكسون، في عام 1969 ان تبحث عن خدعة النزول على القمر، لكي لا يبدو الخصوم اكثر تفوقا في السباق، وظلت تلك الحكاية لرحلة ابواللو وارمسترونغ مثار جدل علمي وسياسي، غير ان الحقيقة الاهم، هو رغبة الجميع في الصعود الى الفضاء دون توقف.
ولكونها مرحلة ليست مهمة سياسيا الان، بقدر ما نكتشف في الحكاية تلك، القدرة الاعلامية الامريكية لتشكيل وعي الناس المنهزمين والمحبطين، بنقلهم نحو انتصارات اخرى مبهرة بعد خيبة حرب فيتنام واحتجاجات وحركة المجتمع المدني.
ومع عالم الطيران وصناعة الطائرات المعتمدة على الوقود كطاقة محركة، تستعد الانسانية لعقود قادمة، بتوظيف الطاقة الشمسية في ثورة الطيران القادمة التي انطلقت كمشروع علمي منذ عام 2009 كمرحلة أولى، ليتم التحليق حول العالم 36 ساعة متواصلة، اما المرحلة الثانية انتهت 2014 وبدأ الاقلاع حول العالم من ابوظبي، وتم جدولة البرنامج بحيث تعود الطائرة في اغسطس 2015 الى ابوظبي نقطة الانطلاق.
ودون الخوض في كل تفاصيل الرحلة والارتفاع والمسافات والصعوبات، فإن النتيجة مفادها هو أن ثورة في عالم الطيران من الضروري ان تتحول الى ثورة في ذهنية الناس، على تقبل حقائق قادمة بأننا سنودع عالم الوقود والنفط الى عالم الطاقة الشمسية، التي حرقت ذات يوم اشعتها اجنحة ايكاروس الاغريقي والاندلسي «المجنون» ـ هكذا تقولوا عليه ـ الحالم بمسك قرص الشمس بحلمه العظيم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها