النسخة الورقية
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    7:36PM

كتاب الايام

قمامة العالم الجديد

رابط مختصر
العدد 9661 الإثنين 21 سبتمبر 2015 الموافق 7 ذو الحجة 1436

بدت ظاهرة الفساد اللبنانية تزكم الانوف، كما هي ازكمت رائحة الفساد شوارع بغداد، فكانت شرارة الغضب العراقي هي الكهرباء لنجد مدى الترابط بين نتن السياسة ونتن الروائح الكريهة في فساد السرقات، وبما ان تلك الثنائية الفساد السياسي يتبعه بالضرورة فساد اخلاقي، فان الجديد في الظاهرة اللبنانية هو تحول الفساد الى الشارع السياسي لكي نشهد مكبة الفساد ليست هي تلك القمامات التي انتشرت من قلب العاصمة لضواحيها والعكس كذلك، وانما لتتداخل بوضوح وكيف انعكس الصراع السياسي والمحاصصات السياسية الى مصادر متنوعة من الفساد بلغت أوجها في تجاذب وعناد الاحزاب والجماعات في مناكفة بعضها البعض في عملية ترك الزبالة تتراكم، وكأنما العزوف عن تنظيف المدينة هدف لابراز واظهار أن عجز الطرف الخصم المناهض لهذا التكتل أو ذاك هو فضيلة حزبية، ونسى المتصارعون، أن رائحتهم السياسية المتسمة بالفساد والعصبيات لن تضر ببيوتهم ومدنهم واحيائهم وحسب وانما ستتسلل الى نوافذ بيوتهم وانوفهم، ولن يكون أحد ناجا من طوفان نوح اللبناني الجديد، حيث «فاحت او طلعت ريحتهم» ستصبح معلما وشعارا جماهيري يعري المظهر العام والمضمون السياسي لدولة عاجزة ومعطلة عن قدرتها على القيام بمهمات اولية وبسيطة هي خدمة شعبها في ابسط حقوقه.
العناد والمناكفة وتجريد كل حزب نفسه عن كونه جزء من تلك «القمامة السياسية» فهو مهيمن هناك على البلديات وهنا على بنية الجهاز المؤسساتي والحكومي، فكل الميزانيات المالية والقرارات الادارية بيده وهو صاحب الشأن في كيفية معالجة تنظيف البلاد من روائح فساده قبل تنظيفها من روائح زبالته، ولكن الفساد تزاوج بشرعية وبدون شرعية مع دولة منتهكة في اهم مهماتها، ولعل تلك الصراعات الوضيعة داخل السلطة تدمر حياة الناس دون حياء مما برهن عن ان من يديرون لعبة وفن الصراع السياسي جهلوا ان ترك الغابة تحترق امام اعينهم، فإن ذلك، لن يوقف رقص الدخان الخانق نحو حنجرتهم المفتوحة والمغلقة، هكذا فعلت القمامة بروائحها النتنة فعلها الفاضح، وكان على الشعب اللبناني دون تمييز ان يخرج «ينزل بالتعبير اللبناني» للشارع رافعا صوته باستا / كفى، هكذا رددت اصوات الاحتجاج في نابلي ومدن الجنوب في ايطاليا على تلاعب المافيات والشركات الخاصة المدعومة من الاحزاب بصورة خلفية وخفية في فترة حكومة بيرلسكوني الفاسد وتتحول الحكومة الى حكومة طوارئ تكلفها بليونين ونصف دولار، فيما كانت قمامات مدينة اثينا وشوارعها عام 2009، ـ شهدتها بنفسي وصورتها كذكرى تاريخية ـ لشعب فقد السيطرة على الاخرين ثم على نفسه وضاعت هيبة الدولة وتحول العداء للذات باضرابات عمال الزبالة المدعومين من الاحزاب، خلقت ردود فعل شعبية ضدهم، وبدلا من ان يتوقعوا ان غضب المجتمع والناس يتوجه للسلطات المحلية والحكومة، توجه للمضربين الذين دمروا حياة الناس والبيئة وتلك المشاهد القبيحة، التي استنكرها السياح بقوة، وبدلا من ان يشهدوا اثينا ببيئتها النظيفة وجدوا امامهم قمامة عكست نفسها معبرة عن وجود نخب طفيلية تتكسب من وراء تلك اللعبة «لعبة القمامات» لعل الابتزاز يكون ناجحا في لعبته، ولا اخفي عليكم كم كرهت اللحظة لانني كنت مولعا بزيارة اثينا واليونان مرارا، ولكن إفساد حياتنا نحن الباحثين عن بيئة راقية في موسم سياحي محبط،جعلنا نقرر الغاء سفرتنا بسرعة خشية من تمدد الاضراب وتعطل سيارات التاكسي واغلاق المطار.
الفوضى تجر معها فوضى اخرى والقمامات تتضخم وتتراكم مع توسع الاضرابات بما فيها عمال «النظافة!!» الذين حولوا المدينة الى وساخة حقيقية وكأنهم ينتقمون من الراسمالية بقمامتهم الاجتماعية، متناسين ان القمامة لم تكن طبقية في الاحياء الثرية وحسب وانما اكثر سوء في المناطق والاحياء الشعبية والناس الصغار.
في الحقيقة لم تكن رائحة النتانة الظاهرة والخفية في لبنان وليدة اللحظة، وانما بالعمق هي امتداد لتركيبة دستورية وسياسية سيئة وفاسدة ترعرعت على المحاصصات منذ الحرب الاهلية حتى هذه اللحظة.
الرائحة اللبنانية وفسادها لم تفح الآن إلا لأن الانوف المسدودة صارت قادرة على شم الرائحة وصارت العيون اكثر قدرة على مشاهدة التقيح في الكيانات والمؤسسات اللبنانية، فالجيل الشاب مع ثورة الاتصالات بات يلمس كل يوم رائحة ذلك القيح والفساد والنتانة.
قمامة العالم الجدد من الطفيلين الفاسدين لهم سحنات وملامح عالمية برداءات قومية فقد وصف الروائي المكسيكي الكبير كارلوس فونتيس بلاده المكسيك بأنها «قمامة العالم» ترميزا لضخامة وهيمنة الفساد في بلد نفطي حين صرخ في الرواية:«عاشت المكسيك، ابنة  ريشانغادا» * ان الفعل المكسيكي شينغار والاسماء الموصوفة المشتقة منه يتطلب بصورة عامة اغتصاب الاشياء أو الاشخاص. وفي لغة الشارع يعني هذا الفعل (شينغار ومشتقاته اكبر شتيمة. ان السياسة والحب والعمل والولادة والموت، كل شيء في المكسيك تعبر عنه هذه الكلمة).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها