النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

الخريطة السورية بأقلام روسية

رابط مختصر
العدد 9659 السبت 19 سبتمبر 2015 الموافق 5 ذو الحجة 1436

يصعب على المرء بعد طول خبرته السياسية في الحياة أن يتساءل في وقتنا الراهن: من معنا ومن ضدنا؟ في إشارة الى ما نراه حاليا من تخبط سياسي يشمل المواقف الأمريكية والروسية حيال الأزمة السورية، فقبل وقت قليل أثنينا على توجه السعودية ودول عربية أخرى نحو المشرق وتحديدا لموسكو حيث رأينا توجهات جادة بتغيير البوصلة أو على الأقل تحريكها من الولايات المتحدة صوب روسيا، وكنا قد أشدنا بهذه المواقف العربية الجديدة لعلها تعمل على الحد من الصلف الأمريكي في التعامل مع قضايا المنطقة الراهنة وما قبلها من تطورات تاريخية ومزمنة مثل القضية الفلسطينية.
كلامي ينصب حاليا على المواقف الروسية غير المسؤولة حيال سوريا وأزمتها الصعبة، أزمة شعب عاش مستقرا بغض النظر عن الحقوق السياسية وشعارات الليبرالية والتحرر والانفتاح، خاصة وأن سوريا كانت أفضل حظا من غيرها من الدول العربية رقيقة الحال، فكان لديها اكتفاء ذاتي في الحبوب والنفط، ولم تكن تلجأ للخارج سوى لاستيراد السلاح وهو سر علاقاتها الممتازة بروسيا وهذا أيضا ما يميز علاقة نظام بشار الأسد بموسكو حتى وقتنا الراهن.
وفي الأيام الأخيرة، دافع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوة عن استراتيجيته لدعم  بشار الأسد، والسبب معروف سلفا رغم كونه وهميا للغاية وغير مقبول، حيث تشير التصريحات الصادرة عن الكرملين أن سبب الدعم هو تقوية موقف بشار الأسد في مواجهة داعش.. ومع ان بوتين نفى تعزيز روسيا وجودها العسكري في سوريا، إلا أنه أكد استمرار موسكو في تقديم الدعم العسكري للأسد.. ثم خاطب بوتين ضمير العالم باعتبار أنه «ضمير حي» ليقول له: «إن أزمة اللاجئين التي تهز أوروبا حاليا كان من الممكن أن تكون أكثر حدة لو لم تدعم روسيا الأسد».
ويقودنا هذا الموقف الروسي الى القول إن موسكو ترفض تبني موقفا محايدا من الأزمة، ولكنها تخطت الحياد الى التدخل العسكري بتزويدها دمشق بكل ما تحتاجه من سلاح وعتاد بل ومحاربين أيضا سواء أطلقنا عليهم لقب جنود وهو ما لا تقبله موسكو، أو «مرتزقة» وهو التسمية الأقرب للصواب وترفضها موسكو أيضا، رغم أن كل الشواهد أن روسيا سحبت بعض قواتها الخاصة من اوكرانيا وارسلتها الى سوريا مؤخرا وتحديدا في طرطوس بحجة حماية قطع الأسطول البحري الروسي المتواجد هناك.
المثير للدهشة أن روسيا تحاول أن تقنعنا بأن استمرارها في دعم نظام بشار ومواصلة إمداد قواته المسلحة بكل ما يلزمها من تقنيات عسكرية وأسلحة لدعم قدراتها الدفاعية، هو من أجل مكافحة الإرهاب، وعلى اعتبار أن موسكو تعتبر الأسد  هو القوة الأكثر فعالية في مواجهة تنظيم داعش. والمثير أيضا أن روسيا هي الدولة الثانية بعد إيران التي ترى في استمرار بقاء الأسد مصلحة لبلاده وشعبه الذي أصبح لاجئا حيث هجره نحو عشرة ملايين شخص ومات منه ربع مليون مواطن تقريبا، ومع ذلك تعتقد موسكو أن على الغرب التخلي عن مطلب تغيير النظام في سوريا ورحيل الأسد، ثم تشدد موسكو أيضا على ضرورة التنسيق مع حكومة هذا النظام.
ويبدو أن موسكو تسعى جاهدة في الوقت الراهن للحفاظ على موطئ قدم لها في منطقة البحر المتوسط، وبالتالي لم تتخل عن مواصلة ارسال الأسلحة والعتاد والمقاتلين للأسد على غرار ما تفعله إيران، ولكن روسيا تزيد هنا بتبريرات واهية وغير مقنعة لنا، مثل تحذيرنا نحن العرب والغرب معنا أيضا من مغبة تكرار ما حصل في ليبيا والعراق من أحداث إذا قضي على نظام بشار الأسد، لأنه لن توجد قوة على الأرض يمكنها القضاء على داعش سوى الجيش السوري الذي يستطيع لوحده القضاء على شرور داعش لأنه من المستحيل إلحاق الهزيمة بداعش عن طريق الضربات الجوية وحدها، بل يجب أيضا إقامة تعاون مع القوات البرية التي تواجه الإرهابيين على الأرض.. ووفقا لما تراه موسكو في هذا الشأن، فإن القوة الأكثر فعالية وقدرة لمواجهة داعش هي الجيش «النظامي» السوري.
ربما يرى البعض أن الاعترافات الروسية بدعم الأسد ليس جديدا على مواقف موسكو السابقة، فالعلاقات التي تربط الطرفين استراتيجية وتاريخية، بيد أن هذا لا يمنع أن روسيا تسعى وبقوة قبل انهيار الأسد أن تحتفظ بمكاسب عديدة من بينها:
- موقع سياسي وجغرافي لها على الخريطة السورية.
- الاحتفاظ بوجودها على المياه الدافئة.
- خلق توازن في النفوذ مع تركيا الغريم التقليدي لروسيا.
- سحب أوراق من يد طهران التي ضاعف اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة الهواجس الروسية من تنامي دورها في سوريا.
- استغلال الورقة السورية كصفقة مقايضة مع الأمريكيين والغرب في أوكرانيا.
- استغلال حالة الفراغ الأمريكي في المنطقة ورفض واشنطن التدخل بقوة لإنهاء الأزمة.
وما يؤكد هذا، أن روسيا رفعت مستوى الدعم اللوجيستي والعسكري للنظام السوري بحجة محاربة إرهاب داعش، وشملت الصفقة العسكرية الأخيرة إرسال أسلحة متطورة منها مقاتلات «ميغ 31» المتطورة، إثر إعلان تركيا الانخراط في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في سوريا. وكان من دوافع موسكو الإسراع بتوريد أسلحة حديثة ومتطورة للنظام السوري هو إحساسها بالخطر من قرب انهيار الأسد، خاصة بعد تدهور الجيش السوري في جبهتين استراتيجيتين، الأولى هي مطار أبو الظهور العسكري في شرق ريف محافظة إدلب. والثانية مطار دير الزور العسكري في شرق سوريا.. في دليل إضافي على خوف الروس من انهيار مفاجئ للنظام، ومن ثم  احتمال لجوء بشار بسرعة الى منطقة الساحل، حيث معقل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس السوري.
ومن غرائب العلاقات الدولية، أن روسيا التي طالما ساندت إيران في مشكلتها المزمنة مع الغرب على خلفية البرنامج النووي، عادت الآن لتشعر بالقلق من تداعيات الاتفاق النووي الإيراني، متخوفة في الوقت ذاته من اقتراب طهران وواشنطن على حساب مصالح موسكو في المنطقة.. فالاستقواء الإيراني بالاتفاق النووي سيذيب بالتأكيد الجمود في العلاقات الإيرانية – الأمريكية، وهذا يمنح الإيرانيين اليد الطولى في إدارة الصراع في سوريا لمصلحة طهران بالطبع، وهو ما يثير قلق موسكو التي تريد منع إيران من السيطرة على الشاطئ المتوسط من الناقورة «جنوب لبنان» الى اللاذقية «شمال غربي سوريا»، وذلك في حال تقسيم سوريا، حتي لا تحرم روسيا من امتيازات لهم على الساحل منذ إنشائهم القاعدة البحرية في طرطوس عام 1966.
اجمالا.. لم نجد من الغرب سوى التنديد بالتدخل الروسي لدعم بشار الأسد عسكريا، ولكن على أرض الواقع لم يتخذ الغرب ومعه الولايات المتحدة أي اجراء لوقف هذا الدعم، لتزداد الأزمة صعوبة في ظل اختلال موازين القوة في المنطقة لصالح داعش وبقية الإرهابيين بما يؤدي الى إطالة عمر النظام السوري وبالتالي تفاقم الأزمة.. وبدلا من مساهمة روسيا في الحل السياسي والمساعدة على تحقيق عملية الانتقال السياسي في سوريا، نراها تؤجج الوضع العسكري لنظام الأسد تجنبا لانهياره، وبالتالي جعله يقف على قدميه مرة أخرى ويدخل في مفاوضات من موقف قوة وليس ضعفا وليكون ضمن المشهد القادم في سوريا، بما يحفظ لموسكو مصالحها الأساسية في سوريا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها