النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الرئيس 44 يفتخر بجذوره!

رابط مختصر
العدد 9657 الخميس 17 سبتمبر 2015 الموافق 3 ذو الحجة 1436

عرف التاريخ الامريكي اكبر محنتين في تاريخ الانسانية، الاولى الابادة الجماعية للسكان الاصليين الى درجة الاجتثاث، والثانية تجارة العبيد التي مهدت لتكملة المحنة الاولى، من حيث انها كانت السبب الرئيسي وفق تعبير ماركس لتراكم الراسمال الاول في العالم الجديد، «العالم القديم يطلق على القارة الاوروبية فيما بعد اكتشاف كولومبس ولد مصطلح العالم الجديد للقارة» فلم يكونوا العبيد مجرد سلعة للبيع والشراء وحسب بل وقوة عمل استبدلت بالهنود الحمر في تلك المزارع الشاسعة للمجتمع الامريكي، الذي لم يعرف تطوره التاريخي التشكيلة الاقطاعية التقليدية التي مرت بها البشرية وفق التحليل الماركسي للمجتمعات كما هو النموذج اليوناني والروماني.
التراجيدتان تلك توالتا في ذاكرة شعب لم تستطع كل الحقب المؤلمة من ازاحته بسهولة، ولكن مسيرة الالام تحقق ولادات كبرى، ولكنها تظل تحتاج لمرحلة اخرى مديدة لاجتثاث ما هو متبق في الثقافة والروح الانسانية والعلاقات المجتمعية، فليس نصوص الدستور المتساوية وليس بعض البنود الميتة في القرارات الادارية قابلة للتحقيق بسهولة ناعمة، فشراسة الثقافة العنصرية واستبدادها وتجذرها حتى اليوم في الولايات الامريكية، تعشش في اجنحة غربان سوداء قادرة على النعيق دائما، ولا يمكن ازالتها نهائيا بين ليلة واخرى إلا بعصيان مدني جديد يحتاجها السود والبيض معا.
من هناك ظلت الذاكرة السوداء الامريكية تحمل في قاعها ظلال رواية «كوخ العم توم» للروائية الامريكية هاريت بيتشر تشاو (1852) والتي كتبت قبل مرحلة تحرير العبيد كتعبير عن حياة الرق، كاستجابة انسانية لطيبة الملاك الاغنياء تجاه عبيدهم، والمنبعث من التسامح المسيحين فكان لا بد من تعاطف بعض ملاك العبيد مع عبيدهم، دون ان تدعو روايات تلك الحقبة التاريخية للصدام والعنف والانتقام، بينما في رواية «الجذور» للكاتب الكس هيلي (1976) سنجد بطل روايته المسلم كونتا عمر كنتي، القادم من قرية جوفور الغامبية، يفتش فيها الكاتب عن جذور جده، ومثل كل التاريخ العبودي تتحرك الرواية بين النضال والهزيمة والانكسار والهروب والمقاومة والمعاناة والسياط والمواجهة وفي النهاية البحث عن هدف واحد هو الحرية، وستكون 1861 سنة اندلاع الحرب الامريكية بين ولايات الجنوب والشمال عامل التحول الكبير، حيث بعدها بعام 1862 اصدر لنكولن اعلان تحرير العبيد.
ولم تنبع الرواية من فراغ «فالكاتب ظل متتبعا لمدة 12 عاما جذور جده وعائلته، وازداد حماسا بعد 1962 حين التقى مالكولم اكس لنشر كتاب عن حياته، بعد اغتيال اكس، ضمن عشية صراع دام في المجتمع الامريكي الذي حمل في احشائه انتفاضة المجتمع المدني وعصيانه بقيادة مارتن لوثر كنغ، وتوزعت الحركة السوداء بين مقولتي النضال السلمي المدني للسود (كنغ) ومقولة «القوة السوداء (لمالكولم اكس)»، الذي دعا للعنف والقوة من اجل اركاع السلطة البيضاء والبيض لحالة التمييز القائمة، في حينها وجد الشيوعيون الامريكيون ان تلك النعرات والنزعات المتطرفة لمالكولم اكس تقسم وتفتت تجانس وانسجام القوة السوداء والمجتمع الزنجي عن نفسه وعن بقية القوى المجتمعية والطبقية الاخرى.
سيصعد نجم انجيلا ديفيز في هذه الحقبة 1965ـ1975، (سنتطرق لها لاحقا)، لهذا ينظر السود لرواية الجذور على انها التعبير الرمزي والواقعي لموضوعة الثورة ضد العبودية في مسيرتها الطويلة، تجلت في اخر انتصاراتها وصول حفيد العم توم، وحفيد كونتا عمر كونتي، بوصول باراك حسين اوباما الغيني الى البيت الابيض في يناير 2009، كأول رئيس «اسود» في البيت «الابيض»!! فاذا ما كان الكس هيلي ظل يبحث عن جذوره لمدة من الزمن، فان ابن حسين اوباما، لم يحتج الى وقت طويل للبحث عن جذوره، فقد كان يعرف كل تفاصيلها المعلن وغير المعلن، ففي جولته الاخيرة للقارة الافريقية وقف مفتخرا في قاعات كينيا المضيافة، ليعلن للجمهور من فوق تلك المنصة الخطابية «انني اول رئيس اسود للولايات المتحدة الامريكية وبالطبع اول رئيس من غينيا!» وعلينا تخيل فرح عجائز قرية الاب والعائلة المنسية بذلك النصر العظيم لابن قريتهم، غير ان ذلك المساء الفرح لم ينسهم حزن وبؤس القرية الكينية وفقرها وتخلفها، حتى وإن كانت قرية الرئيس 44 للدولة العظمى!! والذي تقلقه اعتداءات الشرطة البيض وتجاوزاتهم ازاء ضرب وقتل السود العزل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها