النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ليست حرباً ضد فساد الماضي فقط!

رابط مختصر
العدد 9656 الأربعاء 16 سبتمبر 2015 الموافق 2 ذو الحجة 1436

عادت قضايا الفساد لتجذب الاهتمام العام في مصر، بعد أن نجحت سلطات الأمن خلال أسبوع واحد، في ضبط اثنين من الشخصيات العامة، بتهم تتعلق باستغلال النفوذ والتربح واستحلال المال العام والابتزاز والنصب، وقدمتهما إلى سلطات التحقيق التي أمرت بحبس كل منهما احتياطيا على ذمة التحقيق في التهم الموجهة لكل منهما منفردا، أو مع آخرين.
والمشترك بين المتهمين الرئيسيين في القضيتين، هو أن كلا منهما كان يتمتع بسمعة طيبة لدى الرأي العام، ساهم الإعلام في ترسيخها لدى المواطنين، إذ كان أقدمهما بروزا على شاشة الرأي العام المهندس «حمدي الفخراني»، أحد ألمع الوجوه، التي لفتت الأنظار بمشاركتها مع آخرين، في إقامة سلسلة من الدعاوى أمام المحاكم المختصة، تطعن في مشروعية العقود التى أبرمتها الحكومة المصرية -في أواخر عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك- مع مستثمرين عرب ومصريين، لبيع عدد من الشركات التي يمتلكها القطاع العام، واستندت هذه الطعون لأسباب تتعلق بخلل في الإجراءات أو عدم تناسب ثمن البيع مع قيمة الشركة، أو عدم إلزام المشتري بضمان حقوق العاملين فيها.. وواصل الفخراني هذا النشاط بحماس، ونجح بالفعل في استصدار بعض الأحكام، باسترداد بعض هذه الشركات، أو تغيير الشروط غير العادلة في عقود بيعها، وأسس جمعية لهذا الغرض باسم «جمعية مكافحة الفساد»، على نحو أكسبه شعبية واسعة أهلته -فيما بعد- لكي يكون عضوا بمجلس الشعب، عن إحدى الدوائر التي يتمتع فيها العمال بثقل انتخابي، هي دائرة المحلة الكبرى.
أما الثاني، فهو «صلاح هلال» وزير الزراعة الذي لم يمض على توليه لمهام منصبه، في آخر تعديل أدخل على وزارة المهندس إبراهيم محلب، سوى خمسة أشهر، والذي استقبلته الصحف ووسائل الإعلام، بتقارير تتحدث عن أنه أول وزير يتولى شؤون وزارة الزراعة، ليس فقط بعد حياة طويلة من العمل في الوزارة، تولى خلالها مسؤوليات متعددة، أكسبته خبرة في هذا المجال، لكن -كذلك- لأنه لم يقطع صلته بالفلاحين، إذا ظل يقيم في قريته، القريبة من القاهرة، ويعود إليها كل يوم من عمله بالوزارة، ليخلع زي الأفندية، ويرتدي جلباب الفلاح، مما أهله، طبقا للصورة الذهنية التي أشاعها الإعلام عنه، لكي يحوز الفضل من أطرافه، فيجمع بين العلم النظري والخبرة العملية والمهارة الإدارية والمعايشة اليومية لهموم الفلاحين!
ومع أن المصريين -كغيرهم- من شعوب الحضارات النهرية التي خضعت طويلا لحكم مركزي قوي - يتلبسهم الشك عادة، في نزاهة كل من يتولى منصبا إداريا له صلة بالتصرف في المال العام، إلاّ أن الرجلين كانا آخر من يمكن أن يتطرق إليهما الشك في أن يد كل منهما يمكن أن تمتد إلى المال العام، وربما لهذا السبب أصابتهم حالة من الذهول بمجرد الإعلان عن القبض عليهما، وإذاعة تفاصيل الاتهامات الموجهة إلى كل منهما، وهي تتخلص بالنسبة للأول في أنه لم يكن يستخدم حقه في التقاضي يهدف استرداد الحقوق العامة، التي أهدرتها التعاقدات التي أبرمتها الحكومات السابقة مع الذين اشتروا -باسم الخصخصة- وحدات القطاع العام بأبخس الأثمان، بل كان يستخدم هذا الحق كوسيلة لابتزاز هؤلاء والحصول على نصيبه من عمليات الاحتيال أو التواطؤ التي مكنتهم من الاستيلاء على هذه الوحدات بقيمة تقل عن ثمنها الحقيقي عبر مساومتهم، بأن يدفعوا له جانبا مما حصلوا عليه، وإلاّ واصل حرب التقاضي التي تعطل تنفيذ هذه العقود.. وتثير حولها الشكوك.. لتتحول بذلك جمعية مقاومة الفساد التي أسسها إلى جمعية المشاركة في الفساد.
ومع أن كل هذه الاتهامات، لاتزال -بالمصطلح القانوني- مجرد بلاغات يجري التحقيق فيها، ولم يصدر فيها حتى الآن قرار اتهام، أو حكم بالإدانة، ومع أن دفاع المتهمين فيها يذهب إلى القول بأنها مجرد شبهات أو تلفيقات دبرها لهم خصومهم من الفاسدين انتقاما منهم، إلاّ أن الإعلان عن القضيتين في يومين متتاليين قد هزّ الرأي العام، الذي اضطربت مشاعره بين الفرح، لأنهما إعلان بأن مصر -بعد ثورة 30 يونيو- ستواصل حربها ضد الفساد، باعتباره الوجه الآخر للإرهاب، والحزن لأن المتهمين الرئيسيين في هاتين القضيتين هما من المحسوبين -على نحو ما- على ثورتي 25 يناير و30 يونيو، إذا كانوا يتوهمون أن الفساد قد انتهى بالقضاء على ما يوصف عادة -في أعقاب الثورات- بأنه العهد البائد.. فجاء الإعلان عن هاتين القضيتين، ليكشف عن أن الحرب ضد الفساد ليست ضد فساد الماضي فقط، ولكنها حرب ضد جانب من الطبيعة البشرية، لا مفر من مواصلتها لتحصين الحاضر والمستقبل، من هذا الداء القديم الجديد، الذي لا بُرْء منه!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها