النسخة الورقية
العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

وحدتنا الخليجية قدرنا

رابط مختصر
العدد 9656 الأربعاء 16 سبتمبر 2015 الموافق 2 ذو الحجة 1436

 من منا، من شعب البحرين الأسوياء الذين يتقاسمون الحس الإنساني ويجسدون الوطنية في أسمى صورها ويستشعرون الخطر الداهم على وحدة النسيج الاجتماعي، لم تهتج عواطفه ويعصف به الحزن عندما سقط تسعون شهيدا دفعة واحدة؟ خمسون إماراتيا وعشرة سعوديين وخمسة منا بحرينيون من دار أبي سلمان. الفجيعة كاسحة ولا شك، غير ان ما يهوّن على شعوب هذه البلدان وعلى ذوي الشهداء هو نيلهم الشهادة وبلوغهم الجنة إن شاء الله وتحولهم رموزا دالة على ما تبذله شعوب الخليج العربي مجتمعة من تضحيات في سبيل حفظ وحدة الصف العربي وضمان تحييد القوى العابثة بأمن المنطقة والمترصدة لشتى امارات الخلاف لتؤجج نيران الفتن. رحم الله شهداءنا رموزنا وجعل دماءهم الزكية نبراس نور يهدينا لاستكمال حلم وحدة خليجية صماء تعصف بآخر أحلام الطامعين شرقوا أم غربوا.
أرى لزاما عليّ، في هذه السانحة وأنا أطرق موضوعا أثار فينا ما أثار من مشاعر الفقد أولا، والحسرة ثانيا على أناس نعدهم عزوة في الملمات فإذا هم يغردون خارج السرب، ويظهرون كراهية لا مبرر لها، أن أعرج قليلا على التاريخ؛ لنبش بعض من حقائق تختزنها صفحات من تاريخ البحرين، ولأبين للقارئ الكريم أن القيادة السياسية لدينا في مملكة البحرين تتوارث أبا عن جد بُعد النظر، والنباهة في فهم المعطى الجيوسياسي وأهميته للبحرين ولعموم دول مجلس التعاون الخليجي وللعالم، ولهذا نرى اليوم، كما الأمس مجاهرة القيادة السياسية وعلى رأسها جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه، عن وعي تام وبات بانحيازها إلى الحق. وها هي تلبي دعوة خادم الحرمين الشريفين بالانخراط في الحلف العربي لمحاربة قوى البغي والعدوان من الحوثيين وقوات المخلوع علي صالح، والعمل على عودة الحكم الشرعي إلى اليمن.
فمثلما صدح من قبل الوالد صاحب السمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان، طيب الله ثراه، بوطنيته وحسه العروبي، وجاهر بعزم حكومته التي كانت آنذاك قد تأسست للتو بعد إنهاء العلاقات التعاهدية مع بريطانيا العظمى في بداية السبعينيات، بضرورة تقاسم المسؤولية القومية، وتحمل قسطها في الحفاظ على أمن وسلامة هذه البلدان المطلة على منطقة من أهم المناطق المنتجة لعصب الصناعة الحديثة من نفط وغاز وتغذي بهما الدول الصناعية وغير الصناعية، بادرت القيادة السياسية الآن إلى الاستجابة لنداء الحق والواجب حفاظا على أمننا الخليجي والعربي المشترك.
ومن يتعقب مسيرة التاريخ المعاصر يتأكد أن هذا كان نهج حكومة البحرين عندما دعت الحاجة إلى إظهار الرد العملي على تحديات الأمن والتنمية في عام 1980، أي بُعيد سقوط الشاه وقيام ما يُسمى بالثورة الإسلامية في إيران، هذه الثورة التي شكلت تهديدا مضاعفا على أمن الخليج، عندها تنادت البحرين مع شقيقاتها العربيات الخليجيات لتأسيس مجلس التعاون الخليجي، هذا الكيان الذي سيصبح له شأن بعد حين. وها هي الدول الست التي يضمها المجلس تبرهن اليوم بالملموس للعالم أجمع عزما أكيدا في الدفاع عن الأمن بالمشاركة مع أشقائها في التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية لعودة الشرعية إلى اليمن. ولتقول بصوت واحد تسمعه أذن القيادة الفارسية التي امتلأت غرورا، وفاضت أمنياتها عن حدود إمكانياتها، كفى استهتارا بالمصالح القومية لأمة العرب.
لا نأتي بجديد عندما نقول بأن قرار تحمل المسؤولية القومية، التي انبرت إلى تحملها دول مجلس التعاون لها أكلاف باهظة تُدركها القيادات السياسية ببعد نظرها الذي يجعلها تقرأ ما لم يُكتب بعد، وتثمنها الشعوب، وتترجمها وقفة داعمة صامدة وملبية لنداء الوطن ونصرة الحق. قادة دول مجلس التعاون وسياسيوها الذين بهم نفتخر هم أصحاب هذه النظرة. فقد استعدوا تمام الاستعداد لهذا المفصل من التاريخ ليكتبوا سطور مجد جديد يضاف إلى أمجاد حكام هذه البلدان التي شاءت الأقدار أن يتحول إليها مركز الثقل في تحمل مسؤولية الدفاع عن أمة العرب.
كل الذي نرصده اليوم وعلى كل المستويات يمثل مفخرة لبلدان المجلس ولمجتمعها، النشاط السياسي، الهمة العسكرية، الزخم الاجتماعي المعنوي الذي تنقله لنا الصور عبر محطات التلفزة لكل بلد من بلدان دول المجلس، يعكس تباشير نصر منتظر. كثير من الأشياء ملفتة. غير ان ما جذب انتباهي وأنا أتابع الإعلام هذا الاندغام الشعوري غير المسبوق بين القيادة والشعب. في كل بلوى تظهر هناك بعض المحاسن. استشهاد خمسين من الإمارات وخمسة من البحرين وعشرة من السعودية ضاعف من حدة هذا الاندغام وبلغ به حدودا غير مسبوقة، وبان لنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع كم أن حكامنا قريبون منا، وكم نحن قريبون منهم. فلله در آل خليفة وآل سعود وآل نهيان الذين تماهوا مع الشعور الشعبي العارم بفقد من آثروا الموت لكي نحيا، من زينت لهم وطنيتهم بأن الموت من أجل الأوطان حياة.
أشياء في داخل الصورة الحزينة والفاجعة للجثامين وهي مسجية يصلى عليها، أو محمولة على الأكتاف إلى مثواها الأخير التي نقلتها شاشة تلفزيون البحرين والإمارات لا تبصرها العين ولكنها تحيلك مباشرة من حالة الحزن إلى حالة أخرى، حتى لا أقول إلى الفرح. من هذه الأشياء التي نستشعرها ولا نراها أن الجثامين تُزف إلى الجنة، وأن أمنيات لدى حاملي هذه الجثامين بأن يهبهم الله شرف المشاركة في هذه الملحمة الخليجية الحاسمة وفي تحقيق نصر آت لا محالة أو نيل الشهادة؛ لأن العيش مع تهديد إيراني لا ينقطع أمر لا يتحمله الخليجيون.
شيء آخر لا تخطئه العين ويقتضي منا وقفة إجلال وإكبار وهو أن أبناء زايد الكرام في الإمارات العربية وأنجال الملك حمد أطال الله عمره كانوا قد حرصوا على أن يكونوا في مقدمة المشيعين للشهداء، وأول من واسى أهاليهم وزاروهم للاطمئنان عليهم. وقد سجلت الكاميرات شحنة الحزن هذه بالدقيقة والثانية؛ لتكون خير مجسد لمعاني الأبوة عنوانا لرابطة فريدة بين الحاكم والمحكوم، فنحن في النهاية أسرة واحدة بل جسد واحد إذا اشتكى منه عضو هبت سائر الأعضاء متضامنة معه ذابة عنه الأشرار حافظة حقوقه حامية لحياضة متضامنة مع ما قد يطاله من سوء. نحن هنا ننحني إجلالا لقادتنا وإجلالا لشهدائنا وطمعا في أن وحدتنا الخليجية آتية لا ريب فيها وليخرس وقتها النابحون وليخسأ المتآمرون والطامعون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها