النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

اختلاط الحابل بالنابل

الخطاب الإنشائي لا يرد الهجمة على البحرين!

رابط مختصر
العدد 9656 الأربعاء 16 سبتمبر 2015 الموافق 2 ذو الحجة 1436

اطلعت على التقرير الصادر عن «منظمة العفو الدولية» بشأن أوضاع حقوق الانسان في مملكة البحرين، إضافة الى بعض التقارير الصادرة عن الجهات الحقوقية والاعلامية الدولية والتي تميل في مجملها إلى اصدار احكام سلبية، مقارنة بما تم تحقيقه في الواقع او مقارنة بالتوصيات التي التزمت بها البحرين أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وما رافق كل ذلك من جدل وصراع حقوقي وسياسي وإعلامي معتاد عند مناقشة مثل هذه الملفات بالنسبة للعديد من دول العالم، ولذلك اعتقد ان هذا الجدل هو من الأمور المتوقعة بالنسبة للمنظمات التي تنشد بالفعل تحسين أوضاع حقوق الانسان بصدق، ولكن المقلق في تقديري أمران:
أولا: ما اعترى مثل هذه التقارير من مغالطات ومبالغات، هي في الأساس ذات طبيعة سياسية معروفة، وقسم كبير منها لا علاقة له بحقوق الإنسان، بل بالضغط والابتزاز السياسيين اللذين من شأنهما أفساد قضية حقوق الانسان في حد ذاتها، ففي حين نعتقد ان الحديث عن الحقوق والدفاع عنها في جميع الأحوال أمر حيوي ومهم لجهة انه يمنحنا الفرصة لمراجعة سياساتنا وممارساتنا وتشريعاتها، بعين إنسانية تجعلنا اقرب الى المعايير الدولية، بما يساعد في بعض الأحيان على حدث السلطة ومؤسسات المجتمع المدني وتحفيزهما على تطوير وتعزيز منظومة حقوق الإنسان في التشريع والممارسة، في ذات الوقت يؤول التوظيف السياسي لموضوع حقوق الانسان إلى التشويش عليها وضياعها أصلا، بسبب التشكيك فيها وتحويلها الى منطقة التجاذب السياسي بدلا من منطقة الحقوق في حد ذاتها لجهة الطابع الهجومي والتهجمي على السلطة وما فيه من ظلم وعدم انصاف في العديد من الحالات وسوء تقدير للجهود المبذولة لتحسين الملف طالما ان الهدف هو الضغط السياسي وليس التحسين في حد ذاته. والدليل على ذلك ان الكثير مما جاء في هذه  التقارير يتجاوز ما أشرت إليه من أهمية ملف حقوق الإنسان إلى محاولات الإساءة للبحرين سياسيا، استنادا إلى معلومات غير صحية في العديد من الوقائع، والعمل على التقليل من شأن الجهود الرسمية المبذولة على هذا الصعيد، وقد يكون هذا عائدا في جانب منه الى استمرار الأزمة السياسية وعدم معالجتها بشكل كامل، بما يسمح باستمرار التجاذبات السياسية التي تفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الأجنبية، وقد يكون الأمر عائدا في جانب منه إلى عدم التقيد بالحدود  الخاصة بمفهوم حقوق الإنسان نفسه ومرجعياته مما تسبب في سوء الفهم حيث أصبحت الدلالات الحقيقية «لحقوق الإنسان» شديدة الالتباس، في الكثير من أنماط استخداماتها الدارجة في الصحافة وأجهزة الإعلام والخطابات والبيانات السياسية التي تصل في بعض الأحيان إلى حد استبلاه الآخرين والادعاء الفاضح، فالاستخدام المطلق للمصطلح يفضي إلى نوع من المغالاة التي تقود إلى التوظيف الإيديولوجي واستغلال آلام الناس وحاجاتهم وحقوقهم الإنسانية للمتاجرة بها او للضغط على السلطة لتقديم تنازلات سياسية او الاستجابة لطلبات محددة قد لا تكون في الغالب موضوعية او مناسبة لأوضاع البلد في تلك اللحظة..
- الثاني ويدعو الى القلق، هو أنماط الردود على تلك التقارير وطبيعتها الانشائية والخطابية والتهجمية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، مثل تقديم الإنجازات بشكل  استعراضي، ومثل تصريحات بعض البرلمانيين والشوريين والإعلاميين المتهجمة على المنظمات الحقوقية، بدلا من استعراض الاتهامات والرد عليها واحدة واحدة وحالة حالة وواقعة واقعة، بالحجة والدليل والرقم والتاريخ، بما يدفع الى مراجعة تلك الوقائع في ضوء ما نقدمه من بيانات ومعلومات موثقة، فيما تطرحه هذه التّقارير غير المتوازنة بالرّدّ الموثّق والهادئ والواثق، والإقرار في ذات الوقت -ودون تردد- بالوقائع المعزولة والفردية التي قد تحدث عند مواجهة شغب الشارع او الإرهاب الممنهج والتخريب اليومي، وإبراز الإجراءات المتخذة ضد مرتكبيها، بما يؤكد أن تلك الممارسات او الأخطاء الفردية لا تحظى بقبول رسمي. إضافة إلى التّشكيك العلمي في المصادر التي استندت إليها بعض تقارير، لا التّشكيك في المنظمات نفسها مثل ما يحدث في خطابنا الإعلامي بسذاجته وضعف خبرته، ولذلك وجب التوقف عن أي نوع من التهجم على المنظمات أو تقديم دروس لها، والتركيز على الرد الوافي الشافي الدقيق بسلاح الحقائق والوقائع والإجراءات الفعلية، وذلك لأن التعامل الاعلامي السطحي مع هكذا تقارير من شأنه أن يوتر العلاقة بيننا وبين المنظمات ويوسع الفجوة ويعمق الشكوك، ولذلك فالمطلوب مراجعة سياسة الرد والتعامل مع هذه التقارير بتحويلها إلى فرصة للتّعريف بالعمل الحقوقيّ الفعلي بلغة موضوعية، بعيدا عن الاستعراض الانشائي والذي اثبتت التجربة انه غير مفيد وغير مؤثر.
إن حقوق الإنسان، وان كانت ذات بعد وطني وقيمي يرتبط بديننا ورؤيتنا الحضارية وبتقاليدنا المرعية في احترام الانسان الذي كرمه الله في البر والبحر، وبالرغم أنها تتسم بطابع نسبى ومحلي، بما يجعلها غير مطلقة، فإنها ترتبط أيضا بالتزاماتنا الدولية، ولا مناص لنا من رفع سقف المعايير الى هذا المستوى ولو بشكل تدريجي، إلا انه من المهم أيضا ان نوضح للجميع، في الداخل والخارج، العوامل في مدى قدرتنا على بلورة «المفهوم القانوني الدولي الحديث» في ساحة العلاقات الدولية، بعيدا عن المزايدة السياسية، أو الاستخدام الانتقائي المتجاهل لضرورات فرض احترام القانون وحفظ السلم الأهلي والتصدي للإرهاب بصرامة وبلا هوادة وهو مجال يلزمة فكر وخبرة ورؤية.
ان النضال الصادق والمخلص من اجل حقوق الإنسان جهد يحتاجه المجتمع من اجل المحافظة على توازنه ورشاده، وتحتاجه السلطة لترشيد سلطتها، ويحتاجه الأفراد لضبط اندفاعاتهم، ونحتاجه جميعا لضمان أمننا الإنساني وسلامنا الأهلي، ولذلك فإن المناضلين الحقيقيين من اجل حقوق الإنسان لا يشتغلون بالسياسة، ولا يرتبطون بالأجندات الطائفية، ولا تؤثر فيهم النوازع والمصالح الفئوية مثلما يحدث عندنا، حيث تجد البعض يقفز من منبره الديني إلى مقعده السياسي، ثم الى منصبه الحزبي وبعدها إلى عموده الصحفي، ومن هنالك يلبس قبعة الحقوقي وكأنه يخاف ان يخسر موقعا او مصلحة او تذكرة في طائرة أو مكانة في جماعة، فهو بهذا المعنى يركض وراء ذاته ومصلحته الخاصة، وليس وراء مصلحة عامة، وتلك مأساة حقيقية تجعل الحابل يختلط بالنابل وتجعل حكاية حقوق الإنسان ضائعة تائهة يختلط فيه الواقع بالخيال والحقيقة بالوهم والصدق بالكذب، وفي النهاية يضيع الحق وتضيع الحقوق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها