النسخة الورقية
العدد 11183 الخميس 21 نوفمبر 2019 الموافق 24 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الموت بماء مالح!

رابط مختصر
العدد 9654 الأثنين 14 سبتمبر 2015 الموافق 30 ذو القعدة 1436

كان محقا المهاتما غاندي عندما قال «أن الاطفال هم أحباب الله» ولكنه لم يستطع ان يوقف في هذا العالم الانساني، تعرض هؤلاء الاطفال لمزيد من الالام والبؤس والمعاناة والنهايات المؤلمة التراجيدية، غير أننا امام الكوارث الاكثر ايلاما لمشاعرنا الانسانية تتضخم لدينا حالة الانفعال المنسية الى حين تفجرها مع كل حدث ومشهد تنقله لنا وكالات الانباء او وسائل الاتصال الاجتماعي، التي باتت بحد ذاتها وسيلة الاتصال «الشعبي» كقوة اعلامية محسوسة وقائمة، وقوة مؤثرة في الرأي العام.
ما تناقلته وكالات الانباء عن مشهد الطفل الميت غرقا على الساحل بهدف الوصول للجزر اليونانية بحثا عن خلاص، اثار زوبعة سياسية واعلامية واخلاقية، ولا نعلم كيف فاتت الكاميرات مشاهد كثيرة للاطفال السوريين على مدار الحرب لمدة اربع سنوات، حيث حجم الالام اوسع عمقا وجرحا من مشهد موت ذلك الطفلين غرقا، ولكننا متى ما ادركنا ان اللعبة السياسية والاعلامية بدت ضرورية مع ظاهرة التدفق الهائل للمهاجرين للغرب، نكتشف مدى اهمية الماكينة الاعلامية لدى تلك الدول وساساتها وسياساتها، حيث اهاجة الضمير الانساني وتهييج المشاعر بالضرورة مهمة لتحريك ملفات كثيرة عالقة لابد من حلها بصورة عاجلة في العالم بكل محافله الدولية، لتسوية وضع انساني معلق ومؤجل بدا من الصعب تجاهله او الاستغفال عنه , فقوافل الاعداد المهاجرة تحولت من عشرات الى مئات ثم الى الاف يوميا على حدود وتماس القارة الاوربية، بحيث لم تعد دول معينة معنية وحدها بمواجهتها وانما القارة الاوربية كلها اولا والمجتمع الدولي قاطبة ثانيا، فكانت الصور الملتقطة من الوكالات العالمية، توزع وتنشر كل يوم، ومشاهد انسانية ضرورية في كل لقطة لتفجير السكون المطبق والتراخي الدولي والمجتمعي الجاحد، فكان على تلك العدسات البحث عن لقطات مهمة، تجتاز التفسيرات المنطقية او الاخلاقية لتلامس مباشرة العاطفة العالمية المرتبكة والضائعة امام مشاهد ومكينة اعلامية ضخمة، فقبل اسابيع قليلة مضت كان العالم يتناقل بقوة الطريقة البشعة التي احترق بها الطفل الفلسطيني ثم صار في ارشيف النسيان ’ فموته البشع ذكّر العالم ان هناك قضية شعب معلقة في اروقة الاجتماعات ومنسية في الادراج، فجاء الحدث لتحريك ماء راكد في تلك المساحة الانسانية والجغرافية، من يهتم بالمشاهد التراجيدية للاطفال عليه ملاحقة كل الكرة الارضية ليرى بأم عينيه فداحة الارقام الحقيقية للطفولة المقهورة من حالات أقلها حدة وألم الى اقصاها مرارة وبشاعة في حروب مدمرة، افرزت هجرات وهروب بالكامل للعائلات، ويصبح الشيوخ والنساء والاطفال والمرضى والعجزة مادتها «الدسمة اعلاميا» والعصيبة سياسيا واخلاقيا، كونها تحولت الى ظاهرة جديدة اخرى اعقد من ويلات الحرب هي ظاهرة «الهجرة والهروب» حتى وان كان الثمن موتا، حيث وصف لاجىء سوري ضمن المتدافعين في تلك الجزر اليونانية، حين نجى من عبوره بمعجزة حاملا طفله واصفا طريق البحر كطريق للموت بتسميته: «قبر الابيض المتوسط» وقد شاهدنا كيف وجد الطفل مصيره مع ذلك «القبر».
ومن المعروف ان اطفال سوريا والعراق وغيرها من بلدان بها صور «صادمة» فهناك صور لاطفال صادمة جدا في سوريا بسبب البراميل، وعدد الاطفال الذين قتلوا في سوريا 15593 وعدد الاطفال المعتقلين 12 الف، حتى لحظة تاريخ المقالة، كل هؤلاء يعبّرون عن معاناة مدتها اكثر من أربع سنين من الالم لشعب فاق عدده أربعة ملايين لاجىء ومشرد سوري في العالم، ولم يكن ذلك الطفل إلا تتويج لحالة الرعب المتنوعة لهرم رأس الجليد الساخن والمتعددة للحالة السورية، وتحديدا لظاهرة المهاجرين بحثا عن خلاص مهما كلف الثمن.
وامامنا الآن الثمن الباهض ملقيا على سواحل تلك الجزر الجميلة، التي من المفترض أن يستحم فيها السياح بهدوء واسترخاء، ولكن زحمة المشاهد والشوارع والمحطات والصحفيين بكاميراتهم، جعلت كل سكان تلك الجزر في حالة استنفار يومي، فالحالة اليونانية المعقدة اقتصاديا واجتماعيا، لم تمنعهم بفعل ما يمكنه فعله من تقديم مساعدات انسانية، تتيح لتلك الطوابير من «بؤساء الحرب والارض والوطن» الحصول على زجاجة ماء وحبة بندول وملابس تبرع بها الناس والجمعيات الخيرية لمواصلة طريق الحلم والفردوس الضائع، لعلها تذكّر العالم أن الانسانية رغم جراحها المثخنة بالمعاناة، بإمكانها فعل ما هو نبيل ورائع،بحيث لا نرى أطفال العالم في وضع مشهد ذلك الطفل السوري الميت عند شاطئ الحزن .. فما كتبه ناظم حكمت التركي المولود في سالونيكي اليونانية، كان يدرك ان شواطئ تلك المنطقة لن تخلو من المآسي، ولكن ليس بتلك البشاعة، فكان يحلم بعالم أجمل للإطفال حين كتب : «إن اجمل الاطفال هم الذين لم يولدوا بعد»  باحثا ناظم عن مجتمع انساني خال من استغلال الاطفال وذبحهم بسكين الحرب او بسكين الماء المالح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها