النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

أوروبا تدفع ثمن البلادة السياسية

رابط مختصر
العدد 9654 الأثنين 14 سبتمبر 2015 الموافق 30 ذو القعدة 1436

كشفت مأساة المهجرين السوريين الفارين من جحيم الحرب والقتل العشوائي المجاني على « الجنة الأوروبية  الموعودة»، إلى أي درجة تتصف السياسات الأوروبية بالبلادة السياسية، حيث تجني اليوم ضعف مواقفها وتورطها في تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية المعلنة تحت عنوان الفوضى الخلاقة، وتدفع ثمن تدخلها في تدمير الدولة الليبية وتفكيكها وتحويلها إلى غابة من الفوضى المسلحة ترتع فيها المليشيات والعصابات المسلحة بلا حسيب ولا رقيب، بما حول هذا البلد العربي الذي كان– رغم التسلط السياسي- ينعم بقدر كبير من الاستقرار والنمو والرفاهية- إلى معبر رئيسي للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. كما تدفع أوروبا ثمنا باهظا لسلبيتها على ساحة الدولية، إذ تجد نفسها عاجزة عن المساعدة على حل هذه المعضلات المتأججة أو الحد من مخاطرها، لأنها اختارت أن تكون متذيلة للولايات المتحدة الأمريكية التي  تعيش من الناحية الجغرافية بمنأى عن بؤر التوتر وتأثيراتها الكارثية تاركة أوروبا لمواجهة الآثار السلبية للفوضى الخلاقة.
إن نظرية الفوضى الخلاقة التي تتبناها الإدارات الأمريكية تقوم على أساس المزاوجة بين القوة والمبادئ، حيث تختلط القوة الأمريكية لتغيير النظم، مع اعتقاد بان نظام الحكم الوحيد هو الديمقراطية، ولا شيء سواها. ومن خلال الفوضى الخلاقة يتم إغراق الجميع تمهيدا لإعادة صياغة الأشياء على النحو الذي يخدم بشكل أفضل المصالح الأمريكية، فالسلطة لا يمكن ممارستها إلا بعد تكسير كل أشكال الثبات والاستقرار، حتى وان تطلب الأمر سفك الدماء قصد الوصول إلى المناطق الزاخرة بالثروات، وقد أطلقت مستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة كوندليزا رايس مصطلح (الفوضى الخلاقة) عند حديثها عن السياسة والمصالح الأمريكية في منطقة الشرق  تحديدا، والتي لخصتها في 4 مراحل:
- مرحلة خلخلة الاستقرار الذي تتسم به  معظم الأنظمة في المنطقة العربية.
-  مرحلة بدء الحراك والفوضى المربكة والمقلقة للنظام.
- مرحلة توجيه الفوضى وإدارتها للوصول إلى الوضع المرغوب فيه.
- مرحلة التدخل المباشر باستخدام المدخلات التي أججت الفوضى لإخمادها وتثبيت الوضع الجديد والذي عادة ما يكون حكومات طائفية يديرها الحاكم الامريكي.
وهذا تقريبا ما حدث في بعض البلدان العربية بشكل حرفي( العراق والسودان)  وما يحدث حاليا (في الطريق إلى استكمال الخطوات ( سوريا- ليبيا)، مع فشل واضح في الحالتين المصرية والبحرينية، لاعتبارات انفلتت عن الحسابات الأمريكية. وبالعودة إلى القضية الأساسية التي انطلقنا منها، وهي النتائج الوخيمة لتطبيقات نظرية الفوضى الخلاقة الأمريكية في المنطقة العربية، بالإمكان رصد بعض تلك النتائج إلى أوصلت إلى الهجرات الجماعية التي طالت القارة الأوروبية، ووقفت أمامها عاجزة:
- تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تطبيقات الفوضى الخلاقة من إطلاق الصراع العرقي والطائفي، وبث الشرخ العرقي الحاد في الدول القائمة على التوازن العرقي والطائفي مثل العراق وسوريا ، حيث أدى العدوان الأمريكي على العراق تسليم مقاليد الأمور إلى المليشيات والجماعات الطائفية التابعة إيديولوجيا لإيران، وسلِخ الإقليم الكردي، سياسياً وعسكرياً على أساس عرقي عن المركز، وتأجيج الصراع الطائفي والعرقي، بما أدى إلى هجرات جماعية هائلة، حيث يقدر عدد العراقيين الفارين من جحيم الطائفية والعنف والإرهاب، بحوالي 6 ملايين، كما أفضت هذه الفوضى إلى نشوء ونمو التيارات المتطرفة دينيا والتي استفادت من الفوضى لتتحول إلى (دولة) داخل الدولة، بل وتحولت إلى بؤرة جديدة لتشكل سياسي- وجغرافي وطائفي وعرقي جديد، ينهي الحالة التوافقية التي كانت قائمة في ظل الدولة الوطنية، والأمر ذاته ينطبق على الحالة السورية ( أكثر من 3 مليون مهاجر ونازح) والدولة في طريق التفكك وسط حالة من الفوضى والتدخلات الخارجية المختلفة، والأمر ذاته تحقق في جنوب السودان، إذ تم تغذية نوازع الانفصال العرقية والدينية، حتى توج بتقسيم السودان لدولتين: شمال مسلم عربي في غالبيته، وجنوب مسيحي في غالبيته .
- كما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية أيضا من إطلاق صراع العصبيات من عقاله وإحياء بنية الانتماءات ما قبل الدولة عبر ضرب الوحدة الوطنية، والدولة الوطنية بجميع مؤسساتها، واستبدالها بولاءات حزبية أو عشائرية، قائمة على انتماءات قبلية أو طائفية أو دينية. بما يجعل القتل على الهوية سياسة ثابتة في هذه المناطق، ومما جعل التهجير على أساس عرقي أو طائفي نتيجة حتمية.
- التشجيع على الفوضى وتحدي سلطة الدولة  الوطنية بإطالة أمد الاضطراب الأمني، بحيث يشعر المواطنون بحالة من اليأس أو استحالة استعادة الوضع السابق من الاستقرار والهدوء والتنمية، فيندفعون إلى الهروب والهجرة( العراق – سوريا- السودان – ليبيا- اليمن- الصومال....).
- تحويل المنظمات الدولية وحتى الوطنية إلى مجرد أدوات تابعة ، مما أدى إلى ضرب دورها ومصداقيتها على الصعيدين السياسي والقانوني والأخلاقي، وأدى ذلك إلى نشر حالة من اليأس بين بني البشر من إمكانية فرض العدالة والحق ووضع حد للعدوان والظلم، وهذا عامل إضافي من عوامل الإرباك والارتباك المنتج للفوضى وباختصار أنهت سياسة الفوضى الخلاقة الآمال في بناء عالم الاستقرار والتعاون على الصعيد الدولي، ففي حين كانت الآمال معقودة على انتهاء الصراعات الكبرى بانتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، شهد العالم خلال العشرين سنة الماضية أخطر الأزمات من حرب البلقان إلى أفريقيا الوسطى والشيشان، والعراق وأفغانستان وسوريا.... .ومن الطبيعي إزاء هذه المقدمات الكارثية ان نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم، وان تتحول المنطقة العربية إلى بؤرة مآس وكوارث، وان تبدأ أوروبا الهانئة في تلقي دفعات من تلك المآسي بسبب سلبيتها وتبعيتها لمنطق الولايات المتحدة الأمريكية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها